Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

أي مستقبل للعلاقة بين الساسة والمواطنين؟




احدثت المذبحة التي ارتكبت في مقر البرلمان المحلي بكانتون تسوغ رجة نفسية وصدمة عميقة في البلاد. فهذه المذبحة غير المسبوقة في تاريخ سويسرا، ستؤدي بلا شك الى اعادة النظر في الاجراءات الامنية القائمة، لكن عددا من الخبراء السياسيين والاجتماعيين لا يعتقدون انها ستغير من طبيعة العلاقة القائمة منذ قرون بين المواطن والمؤسسة السياسية عموما.

يشدد الباحث جاني ماتّايو "Gianni Matteo"، من جامعة جنيف على ضرورة التمييز بين اجراءات تعزيز الحماية التي ستتخذ بكل تاكيد، وبين التغييرات المحتمل حدوثها في الثقافة السياسية. ويقول، ان العلاقة المباشرة القائمة بين المواطن والنظام السياسي، تلعب دورا مركزيا في الثقافة السياسية السويسرية. بل ان هذا الجوار ترتكز عليه معظم الاساطير المؤسسة للنظام السياسي السويسري.

ويذكر الباحث بان تركيبة النظام السويسري، تعتمد على تطوع الممثلين السياسيين للسكان في المستويات الثلاث، البلدية والكانتون والفدرالية، وعلى ما يعرف بالديموقراطية المباشرة، وهي عوامل تؤدي الى ما يشبه التماهي بين المواطن والنظام السياسي.

فالرجل السياسي في سويسرا، ينظر اليه عادة على اعتبار انه اول المواطنين وليس المواطن الاول. ومن هنا، فان الباحث في العلوم السياسية، يرى ان هذه العملية الخطيرة، وعلى الرغم من الصدمة المشروعة التي احدثتها في النفوس، ستظل حادثا معزولا ولن تتمكن من التشكيك في التركيبة المعقدة التي تميز سويسرا منذ نشأتها.

محاولات للفهم

في المقابل، يثير السيد ماتّايو، قضية تراجع شرعية الطبقة السياسية، التي تورطت في السنوات الاخيرة في العديد من الفضائح ذات الوقع الكبير على جميع المستويات. يضاف الى ذلك ان بعض الاحزاب الشعبوية تغذي من خلال اطروحاتها وشعاراتها، شعورا بالريبة من طرف السكان تجاه الطبقة السياسية.

كل هذه العوامل تؤدي في النهاية الى بروز مشاعر الغضب والضيق والتبرم في صفوف المواطنين، مثلما تعبر عنه احيانا مساهمات القراء في وسائل الاعلام. ويرى الباحث في جامعة جنيف، ان هذه الظاهرة قد تساعد الى حد ما على فهم خلفية المأساة التي شهدتها تسوغ يوم الخميس.

الاستاذ ارنيستو فايبل « Ernesto Weibel »، من جامعة نوشاتيل، لا يعتقد هو الاخر ان هذه الحادثة الاليمة ستكون لها انعكاسات مباشرة في المستقبل على العلاقة الحميمة القائمة بين المواطنين والحكام في سويسرا. ويبدو متفائلا حين يؤكد ان التواصل بين المسؤولين والسكان تقليد متأصل جدا في عادات السويسريين وان حكامنا سيواصلون تجوالهم وحياتهم الخاصة وسط المواطنين دون وجل او خوف.

ويذكر الاستاذ فايبل بان التقاليد السياسية في سويسرا ترتكز على ما يسمى بمثال المواطن-الجندي، فمن صوت هذا المواطن تنبع شرعية الحاكم او المسؤول، بل ان وجود السلاح في كل بيت تقريبا (وهي ظاهرة طالما اثارت استغراب الاجانب)، يعود الى مفهوم تقليدي قديم، تتميز به سويسرا عن كل البلدان المجاورة لها، وهو ما يعرف بجيش الميليشيات.
وينوه الباحث في العلوم السياسية ان هذه الحادثة الخطيرة والاليمة تظل حالة نادرة جدا، على الرغم من ان الصحف ووسائل الاعلام تنقل من حين لاخر، لجوء بعض المواطنين الى استعمال بندقية الجيش المودعة لديهم طيلة سنوات الخدمة (التي تبدأ منذ سن العشرين وتتواصل الى الثانية والاربعين)، لتصفية حساباتهم الشخصية.

استثناء نادر

استاذ العلوم السياسية في جامعة فريبورغ، تيتسيانو بالمايلي « Tiziano Balmelli »، اكد من ناحيته ان هذا الحادث يظل عملا معزولا وشبيها بمذابح اخرى جرت في سويسرا في السنوات الاخيرة. ويستبعد السيد بالميلي امكانية انفجار موجة من العنف ضد الطبقة السياسية السويسرية، لان الامر لا يتعلق بظاهرة اجتماعية جماعية، حسب رأيه.

وعلى الرغم من اقتناعه بان بعض التغييرات ستطرأ على طبيعة العلاقة المباشرة والقريبة القائمة بين العاملين في الشأن العام والمواطنين في سويسرا، الا انه لا يعتبر ان الامور وصلت الى درجة من الخطورة، تبرر اعادة النظر في النظام القائم برمته، اذ لا يمكن ان تتحول الاوضاع في سويسرا، حسب قول الاستاذ بالميلي، الى ما يشبه ما هو قائم في مقاطعة الباسك، حيث اضحت حياة ابسط مسؤول سياسي محلي مهددة بشكل يومي.

اخيرا، حاول بعض علماء النفس تحليل انعكاسات الاجواء السائدة بعد عمليات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، وعلى الرغم من اقتناعهم بوجود علاقة ما بين ما حدث في نيويورك وواشنطن وبين بروز مثل هذه الظواهر الغريبة عن الممارسات المعتادة في سويسرا، الا ان الدكتور فولفيو ليبوري « Fulvio Lepore »، يرى ان المشكلة تظل محصورة في مجموعة قليلة جدا من الاشخاص ذوي الخصائص النفسية المحددة.

وفيما لازال الراي العام السويسري متأثرا بما حدث داخل قاعة البرلمان المحلي لكانتون تسوغ، يبدو ان المجزرة التي راح ضحيتها خمسة عشر شخصا في لحظات قليلة، قد فتحت مرحلة من التساؤلات العميقة حول مستقبل العلاقة بين المواطنين والمسؤولين السياسيين في هذا البلد بغض النظر عن الدوافع الحقيقية لهذه الجريمة غير المسبوقة في سويسرا.


سويس انفو

×