Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

إيجابيات مؤكدة.. وسلبيات أيضا


الديمقراطية لا زالت "أقل أنظمة الحكم سُــوءا"



بقلم رينات كونتسي




 انظر لغات أخرى 3  لغات أخرى 3

في نظام الديمقراطية المباشرة المُتَّبَع في سويسرا، يَحظى الشعب بالكلمة الأخيرة. ولكن اعتماد مبادرات على شاكلة حَظر بناء المزيد من المآذن، أو طَرد المجرمين الأجانب من قِبَل السلطة الحاكمة، أطلقت سِجالاً حول ما يقتَرن بهذه الحقوق الشعبية من سلبيات.

وكما يرى كلود لونشون، أستاذ العلوم السياسية ومدير معهد gfs لسبر الآراء في مقابلة أجرتها swissinfo معه ومع زميلته مارتينا إيمفيلد، "تصطدم القرارات الناتجة عن مُمارسة الديمقراطية المباشرة بمجموعة من الحدود عند التعامل مع الأقليات الثقافية والدينية".

swissinfo.ch: كثيراً ما أفرزت المبادرات الشعبية التي اعتُمِدَت في الأعوام الأخيرة، قرارات رمزية حملت عناوينها الرئيسية عِبارات مثل منع المآذن وترحيل المجرمين الأجانب ووَقف الأجور الفاحشة وحَظر تعامل مُستغلّي الأطفال جنسياً، الذين تمّت إدانتهم مع الأطفال مدى الحياة، والحَدّ من الهجرة. بيْد أن الأبعاد السياسية والإجتماعية الكامنة وراء هذه المشاكل، معقّدة للغاية. هل لا يزال بإمكان الديمقراطية المباشرة، التي لا تقدم سوى الموافقة أو الرفض أو الإمتناع [عن التصويت] التعامل مع هذه المواضيع بإنصاف؟

مارتينا إيمفيلد: كخبيرة اجتماعية أستطيع القول، أن ذلك يعتمد على كيفية طرح القضايا وأيها سيُدرَج في عمليات صنع القرار. إن الديمقراطية هي أفضل أشكال أنظمة الحُكم السيِّئة. المشاكل لا تكمن في السلوك المتّبع [التحيز] عند المشاركة، ولكن في إهمال النظام لهذه المشاكل أو تباطُؤه الشديد في التعامل معها.

إن للديمقراطية المباشرة العديد من المزايا. ويمثل قرار الأغلبية، أفضل أشكال تسوية النزاعات. بَيد أن لها جانباً سلبياً، يتعلَّق بالتعامل مع الأقليات. وقد كشفت لنا بحوثنا وجودَ مشكلةٍ حقيقية، عندما تكون مصالح الأغلبية موجّهة بشكل صارخ ضدّ حقوق الأقلية. وفيما يتعلَّق بمبادرة الحدّ من بناء المآذن المذكورة مثلاً، لن تُتاح للمسلمين الذين لا يشكِّلون سوى 4% من سكّان سويسرا، الفرصة للتعبير عن رغبتهم بالمزيد من المآذن، في ظل ديمقراطية الأغلبية. ويمكن للقرارات الناجِمة عن الديمقراطية المباشرة، ولاسيما عند التعامل مع الأقليات الثقافية والدّينية، أن تصطدم ببعض الحدود، لا بل أن قرارات الأغلبية قد تتحوّل إلى طُغيان الأغلبية.

 إن الديمقراطية هي أقل أنظمة الحكم سُوءا 

مارتينا إيمفيلد

كلود لونشون: هذا معروف لدى المحامين أيضاً عند تناولهم لمسألة إحتمالية تقويض القرارات الديمقراطية لحقوق الإنسان.

سوف تُحسّن سويسرا صُنعاً لو أنها عملت على صياغة الحدود القانونية للديمقراطية المباشرة بشكل أوضح قليلاً، دون أن تضع مسألة الديمقراطية في مجال التساؤل، ذلك أنها مفهوم مترسّخ بعُمق في الوجدان السويسري.

swissinfo.ch: كما تحذِّرون، تؤدّي الكثير من المعارضة إلى جعل سويسرا غير قابلة للحُكم أين ينبغي إجراء التغيير، بُغية تعزيز التوازن والتناسب والاتساق والاستقرار وسيادة القانون؟ في حقوق الشعب أم في آليات "الضوابط والتوازنات"؟

كلود لونشون: أفرز إدخال الديمقراطية المباشرة في الدستور الفدرالي في عام 1874 عن مراحل من عدم القُدرة على الحكم. وبرزت الحاجة إلى إستكمال النظام المؤلّف من الحُكم والمعارضة في القرن التاسع عشر، بعناصر الديمقراطية المباشرة. بَيد أن أحداً لم يتوفّر على الخِبرة اللاّزمة لمعرفة كيفية تضافُر الديمقراطية المباشرة مع الحكومة والمعارضة. 

وفي ثلاثينيات القرن الماضي على أقصى تقدير، أصبحت هناك قناعة بالحاجة إلى إجراءات الوساطة، بمعنى نوعٍ من إدارة الصّراع المُتَحَكَّم بها، قبل إتخاذ الحكومة والشعب للقرارات السياسية. والمثال الكلاسيكي البارز هنا، هو الشراكة الإجتماعية بين أرباب العمل والعمّال (والتي بلغت ذِروتها في إتفاقية "السلام في العمل"، التي أبرِمَت في عام 1937 بين الاتحاد السويسري لأرباب العمل والنقابات، والخاص بصناعة الساعات والمعادن). وهذه الشراكة الإجتماعية، هي مؤسسة لتسوية النزاعات غير الرسمية خارج نطاق السياسة.

الديمقراطية المباشرة تقود لامحالة إلى أشكال تعاونية، وليس إلى أشكال تصادمية
كلود لونشون

وفي إطار السياسة، تمّ الاعتراف بضرورة تمثيل الأحزاب الكبيرة ذات الصِّلة في الحكومة - وهو ما أدّى إلى مبدإ التوافق الكلاسيكي. ومنذ عشرين عاماً، نرى توَجّه هذا التوافق والحلّ غير الرسمي للنزاعات، نحو التفكك مرة أخرى. وهذه مشكلة حقيقية ينبغي على سويسرا مواجهتها. نحن نعود الآن إلى المرحلة التي كانت قائمة قبل أعوام الثلاثينيات.

وكما أرى، فإن من المستحيل تغيير نظام الديمقراطية المباشرة متى ما تمّ العمل به. ولكن من المُستحسَن ومن مُنطلق فدرالية سويسرا وتنوّعها، تعزيز أشكال التعاون في الاقتصاد والمجتمع. وهذه أيضاً هي رسالة سويسرا الجوهرية إلى الخارج: إن الديمقراطية المباشرة تقود لا محالة إلى أشكال تعاونية، وليس إلى أشكال تصادمية. ولكن كلما إزدادت المواجهات في ظل الديمقراطية المباشرة، كلّما ستتفاقم المشاكل لدينا.

المشاركون في المقابلة

كلود لونشون، هو مؤرخ وعالم سياسي، يترأس معهد بحوث "جي أف أس برن" gfs.berne لسبر الآراء. ويصيغ هذا المعهد - ضمن أمور أخرى - وبتكليف من هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسري (وهي المؤسسة الأم لـ swissinfo.ch أيضاً) استطلاعات الرأي حول عمليات الإقتراع والإنتخابات. وفي أيام الآحاد المخصّصة للإنتخابات والتصويت، يشرح لونشون في الإذاعة والتلفزيون السويسري استقراء النتائج الأولية التي يكشف عنها معهد gfs.berne. كما يقدم تحليلاً أولياً حول النتائج النهائية.

أما مارتينا إيمفيلد، الخبيرة السياسية والاجتماعية، فتعمل كمديرة مشروع في معهد gfs.berne. وهي مسؤولة عن تحليل القضايا والمسائل السياسية، ولاسيما في الاستفتاءات والانتخابات الوطنية (اتجاه هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية - SRG-Trends وتحليل VOX)

swissinfo.ch: تعكِس العلاقة مع أوروبا والهِجرة، أكبر مصادر الصِّراع الحالية في السياسة السويسرية. ما هي أشكال التعاون المطلوبة هنا؟

كلود لونشون: لدي قناعة عميقة بأن فشل سويسرا في الإنضمام إلى المنطقة الإقتصادية الأوروبية في عام 1992، كان بسبب الإفتقار إلى الإجماع بين الشركاء الاقتصاديين والإجتماعيين، الذين كانوا يتجادلون حول ما إذا كان هذا الإنضمام سيسهم في إلغاء الضوابط التنفيذية أو في إعادة التنظيم. وحينئذً قال المواطنون لأنفسهم: "حيث أنهم غير مُتّفقين فيما بينهم، فلن نصوت بـ "نعم".

وفيما بعد، تعلم الأغلبية، وبخاصة رابطات رجال الأعمال، بأن الإتفاقيات الثنائية، هي مشروع تجاري يتحتّم فيه على الشركاء البحث عن حلول معاً لصالح حماية الموظفين / العمّال من ناحية، ومن أجل إقتصاد مُحرّر من القيود التنظيمية من الناحية الأخرى. وهذه بالضبط كانت وَصفة النجاح الخاصة بالإتفاقيات الثنائية: لقد وجدنا نوعا من المشاركة المُنَظَّمة خارج مستوى عضوية الاتحاد الأوروبي. وهذا هو النموذج الذي يحدِد الاتجاه.

swissinfo.ch: بدأ النقاش حول مساوئ الديمقراطية المباشرة خُطواته الأولى في سويسرا، بيد أنه ما زال محدوداً بين الخبراء في الغالب. كيف يمكن تقريب هذه المسألة إلى المواطنين؟

مارتينا إيمفيلد: أحد الأساليب بدأ يشقّ طريقه بالفعل، وهو المتعلّق بالنقاش الدائر حالياً حول كيفية التعامل مع قرار الناخبين يوم 9 فبراير (عندما وافق الناخبون السويسريون على مبادرة الحد من تدفّق الأجانب). لقد أدرك العديد من المواطنين اليوم الصعوبة القانونية لبعض المضامين التي نصوِّت عليها.

قد تكون سويسرا توهّمت عندما ظنّت أن بإمكانها الوقوف بِمَعزل عن الإتحاد الأوروبي

كلود لونشون

كلود لونشون: نحن نميل إلى وهْم سياسي يتمثل بـ "الرفض الخالي من العقوبات". تريد سويسرا أن تقول "لا" دون أن يكون عليها تحمّل العواقب. ولكن هذه الـ "لا" ينبغي أن تكون مسموعة! إنه تصور سويسري نموذجي، أن يكون بوُسعِنا فعل ما نريد، وللآخرين أن يطّلعوا على ذلك، ولكن دون أخذه على مَحمَل الجد. بَيد أن هذا أصبح ضرباَ من الوهم في عالم يعتمد بعضه على البعض الآخر. وقد تكون سويسرا توهّمت عندم ظنّت أن بإمكانها الوقوف بِمَعزل عن الاتحاد الأوروبي، ومن ثَمَّ وضع المطالب وقبولها أو رفضها بالنتيجة، دون أن يهتم أحد بذلك.

swissinfo.ch: هل يؤشِّر يوم 9 فبراير نقطة تحوّل للديمقراطية المباشرة في سويسرا؟

كلود لونشون: ليس للديمقراطية المباشرة، ولكن للسياسة السويسرية، التي كانت طائشة قليلاً لفترة طويلة من الزمن، لأنها إعتقدت أن بوُسعها أن ‘تأكل الكعكة وتحتفِظ بها’ في نفس الوقت. هذا الأمر مضى في الوقت الرّاهن، ولكن هذا الموقف قد يتغيّر عندما يتغيّر الوضع الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي.

وقد نجحت خطوة الإتفاقيات الثنائية بسبب قبول الحكومة الفدرالية لإمكانية انضمام سويسرا إلى الاتحاد الأوربي، كأحد الخيارات على المدى البعيد. وبالتالي، كان بوسعها الإحتفاظ ببعض المزايا. اليوم، أصبح الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أمرا مشكوكا فيه، كما تقوم بروكسل بإغلاق المنافذ. وهنا يتحتّم على سويسرا أن تتكيّف مع الوضع الجديد.

swissinfo.ch: ولكن بوُسع بروكسل أيضاً أن تهتدي بسويسرا فيما يتعلّق بالديمقراطية المباشرة؟

كلود لونشون: قد يكون على الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يتعلّم أن الديمقراطية المباشرة يُمكن أن تكون مُزعجة قليلاً في بعض الأحيان. ولكن لهذه الديمقراطية مِيزة كبيرة في المقابل: فهي تعتمِد على الثقة بالمواطنين وتعبِئتهم، ويمكن للمرء اليوم أن يتحدّث عن نوع من الذكاء الجمعي [التكافلي].

مارتينا إيمفيلد: في فرنسا أو روسيا، يضع الناس ثقتهم بأفراد خارقين أو"سوبرمانات" يعرفون ما الذي ينبغي القيام به إلى حدٍّ معقول. نحن نرى أننا لن نخرج بنتيجة سيِّئة لو شارك العديد في الإدلاء بآرائهم، على الأقل ليس على المدى البعيد. هذه هي رسالة الديمقراطية المباشرة إلى الأنظمة الأخرى.

×