التحقق من المصداقية المعركة الطويلة للحَد من انتشار الأخبار الكاذبة على شبكة الإنترنت




مقرّ الفايسبوك الرئيسي في بارك مينلو بكاليفورنيا: لقد أعلنت هذه الشركة العملاقة وضعها خطط لمحاربة الشائعات والأخبار الكاذبة، لكن هل ستنجح في ذلك؟ الأيام كفيلة بإثبات نجاح أو فشل خططها.

مقرّ الفايسبوك الرئيسي في بارك مينلو بكاليفورنيا: لقد أعلنت هذه الشركة العملاقة وضعها خطط لمحاربة الشائعات والأخبار الكاذبة، لكن هل ستنجح في ذلك؟ الأيام كفيلة بإثبات نجاح أو فشل خططها.

(Keystone)

تنكب مجموعة من الباحثين السويسريين والأوروبيين على تطوير خوارزميات جديدة للكَشف عن المعلومات المُضللة المُتداوَلة عبر شبكات التواصل الإجتماعية، لكنهم يحذرون في نفس الوقت من أن تدريب الآلات لتنفيذ هذه العملية ليس بالمهمة السهلة.

تصدرت الكثير من المعلومات المُضللة عناوين الأخبار الدولية في عام 2016. ووصلت هذه الأخبار المفبركة ذروتها مع اتهام منصة التواصل الإجتماعي ‘فيسبوك’ بمساعدة دونالد ترامب في الوصول إلى البيت الأبيضرابط خارجي، ومساهمتها في زيادة شعبية المرشح الجمهوري من خلال دعم الأفكار الكاذبة على الموقع وعدم التصدي لها بالشكل المناسب. ومع إنكار مارك تسوكَّربيرغ المبدئي لتأثير المعلومات الكاذبة على الناخبين، لكن الرئيس التنفيذي لـ ‘فيسبوك’ أعلن لاحقاً عن خطط للحد من انتشار مثل هذه المعلومات على أكثر مواقع التواصل الإجتماعي شعبية في العالم.رابط خارجي

ولا تنفرد المواقع العملاقة مثل ‘فيسبوك’ و‘غوغل’ والأفراد المهووسون بالتكنولوجيا بإعلان الحرب على العناوين المضللة، إذ بادرت أطراف أخرى للتصدي لهذه الظاهرة أيضاً. مع ذلك، تحذر الجماعات التي بدأت بدراسة ظاهرة تنامي الأخبار المضللة قبل الإعلان عن النتائج غير المتوقعة للانتخابات الرئاسية الأمريكيةرابط خارجي من المعركة الشرسة التي يُواجهها الخبراء في التصدي للأخبار الوهمية.

"إنه [فبركة المعلومات] سباق بين الآلات والبشر تحكمه المتعة، أو الأجندة السياسية أو المال"، كما تقول كالينا بونتشيفارابط خارجي، الأستاذة في جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة.

ويكشف العمل المُنَفَّذ في هذا المجال من قبل علماء الكمبيوتر مثل بونتشيفا ووكالات الأنباء - بما في ذلك swissinfo.ch - مدى صعوبة مَنع انتشار الأكاذيب والأخبار المُحَرَّفة على المواقع الإجتماعية بشكل فعلي.

أخبار وهمية سويسرية الصنع

لم تنجُ سويسرا من ظهور مواقع الأخبار الوهمية، لكنها بقيت قليلة. ووفقاً لـ ليناردس أودريس فإن متتبعي هذه المواقع، والوصول إليها عن طريق محركات البحث محدود أيضاً. ومن المحتمل أن يرجع أحد أسباب ذلك إلى حجم البلد.

وكما يقول الباحث الإعلامي في جامعة زيورخ :"بالنسبة للأشخاص الذين يستهدفون كسب المال (من خلال الأخبار الكاذبة) لن يكون ذلك مُمكناً هنا" بالنظر لصغر حجم سوق الأخبار المحلية نسبياً.

أحد العوامل المرجحة الأخرى كما يقول، هو مستوى الإستقطاب المنخفض نسبيا في السياسة السويسرية، حيث يمثل التعصب الحزبي المفرط سمة للعديد من المواقع الإخبارية الوهمية، ولا سيما في الولايات المتحدة.

مع ذلك، يحذر أودريس من تنامي الإستقطاب السياسي في سويسرا أيضاً. ومع حصول المزيد من الأشخاص على أخبارهم اليوم من خلال وسائل الإعلام الإجتماعية، سوف يحتاج الخبراء إلى مراقبة كيفية تطور مشهد الأخبار المضللة عن كثب.

"من السهل إكتشاف مواقع الأخبار الوهمية التي تظهر فجأة لأغراض الحصول على المال"، كما تقول بونتشيفا. "لكن الأكثر صعوبة هي تلك التي تنشر مزاعم بأجندات خفية، لأنها أكثر دهاءً بكثير، ما يجعل اكتشافها بواسطة الآلات أكثر صعوبة بالتالي"، كما تضيف.

في نفس السياق، يحاول مشروع بحثي تقوده بونتشيفا مواجهة هذا التحدي. ويجمع هذا المشروع الذي يحمل اسم "Pheme"رابط خارجي والمُمَوَل من قبل المفوضية الأوروبية، خبراء في تكنولوجيا المعلومات والجامعات وكذلك swissinfo.ch، بهدف ابتكار تقنيات يمكن أن تساعد الصحفيين في العثور على المزاعم المنشورة المشكوك في صحتها وتقدير مدى مصداقيتها.

"نحن نحاول استخدام الكثير من الشائعات السابقة كبيانات تدريب لخوارزميات تعلم الآلة"، كما توضح بونتشيفا، وتقول: "نحن نعمل على تدريب نماذج لرصد آراء المستخدمين بشأن أحد المزاعم، وننتقي مدى إحتمالية صحة المعلومة أو خطأها بالإستناد على ذلك".

 الآلة تتعلم... ولكن ببطء

قد تبدو المسألة واضحة في ظاهرها، بيد أنَّ مهمة تدريب الآلات لإعطاء إشارة واضحة على مصداقية نص من عدمه لا تخلو من التعقيد. إذ يتعيّن على العلماء الجَمع بين النُهَج، واستخلاص كل من تاريخ شبكات التواصل الإجتماعي ومحتوى المشاركات الفردية، لاختيار أنماط لمحتوى موثوق به ومشكوك فيه على حد سواء، وفقاً لخبير البيانات بيير فاندَرغهاينست.

"لم ينجح أحد في حل هذه المشكلة بعدُ"، كما يقول الأستاذ في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان الذي يدرُس الكيفية التي تتطور بها المعلومات على مواقع مثل ويكيبيديا. "بإمكانك أن تقرأ أحد النصوص وتقرر ما إذا كان بوسعك الوثوق به، ولكن الآلة لا تتوفر على المنطق المعرفي للقيام بذلك".

بدورها تعترف بونتشيفا أيضاً بأن عملية تطوير هذه التقنية لا تزال في مراحلها الأولى."لقد مضت ثلاثة أعوام من التجارب ولا نزال بعيدين عن مستوى الموثوقية التي نحتاج إليه". مع ذلك، تعتقد الأستاذة في جامعة شيفيلد بأن الباحثين في مشروع Pheme قد أحرزوا تقدماً منذ بداية المشروع.

"التكنولوجيا تتحسن باستمرار وقد قمنا بدفع أحدث التقنيات في هذا المجال"، كما تقول، مشيرة الى مساهمة شركاء المشروع بكمية كبيرة من البيانات في هذا المجال أيضاً. "عندما بدأنا، لم تكن هناك الكثير من الشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي (بغية إستخدامها كبيانات للتدريب)".

وبالفعل، يواجه الباحثون كثيراً مشكلة انعدام فرص الوصول إلى البيانات المحفوظة لدى ‘فيسبوك’ أو غيرها من شبكات التواصل الإجتماعي. ولكن الحجم الهائل للمعلومات التي يتعيّن على عمالقة التكنولوجيا هذه التعامل معها هي مشكلة تواجهها هذه الشركات أيضاً بحسب بونتشيفا. ويعني هذا أن عليهم تطوير أنظمة تستطيع العثور على محتوى مشكوك فيه من بين الحجم الهائل للمساهمات التي يتشاركها المستخدمون كل يوم.

أدوات متباينة في فعاليتها

بالإضافة إلى ‘فيسبوك’ و‘غوغل’ التي أعلنت كلاهما عن خطط للحد من انتشار الأخبار الوهمية على مواقعها، يحاول المستخدمون من ذوي المهارات التقنية الرفيعة محاربة التضليل على الإنترنت بدورهم. ومن بين الحلول المقترحة التي ظهرت مع تحول الأخبار الكاذبة إلى عناوين الصدارة في أواخر هذا العام (2016) أداة تحمل تسمية BS Detectorرابط خارجي (كاشف الهراء) طورها أحد مصممي المواقع الإلكترونية في الولايات المتحدة.

أخبر دانييل سيرادسكي وسائل الإعلامرابط خارجي، أنه قام بتصميم هذا الملحق (البرنامج المساعد) لمتصفح غوغل كروم، الذي يكشف مصادر الأخبار "المشكوك فيها" ويحددها بالإستناد على قائمة من المواقع الإخبارية الوهمية "في غضون حوالي الساعة".

وكما يقول خبير البيانات بيير فاندَرغهاينست من المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان، يبدو هذا الأسلوب مشابهاً لنظام رصد البريد الألكتروني المزعج (غير المرغوب فيه) ولا يخلو من مواطن الضعف.

"يجب أن تكون لديك قائمة بجميع المواقع الإخبارية الوهمية المُحتملة الموجودة لكي يكون هذا الملحق فعالاً"، كما يقول. وحتى عندئذٍ، سوف يفشل هذا البرنامج في الكشف عن الشائعات التي بدأها مستخدمو وسائل الإعلام الاجتماعي وغير المرتبطة بمثل هذه المواقع، والتي ستتلقفها وكالات الأنباء الرئيسية لاحقاً.

رقابة

المسألة الأخرى تتعلق بكيفية الحفاظ على ثقة المستخدمين في نظام يقرر تلقائياً ماهية المشاركات المحتوية على معلومات كاذبة.

"ينبغي أن تكون شركات التكنولوجيا شفافة تماماً بالنسبة للكيفية التي تقرر بموجبها ما يجعل الموقع الإخباري وهمياً"، كما يقول ليناردس أودريسرابط خارجي الخبير السويسري في وسائل الإعلام بجامعة زيورخ.

بونتشيفا من جهتها توافقه الرأي تماماً. وهي تقول إن بإمكان موقع ‘فيسبوك’ - بغية تجنب أي اتهامات بالرقابة - أن يعطي المستخدمين خيار رؤية المحتوى المثير للجدل في تجهيز منفصل مشابه لأنظمة التنقيح لرصد الرسائل الإلكترونية غير المرغوب فيها، والتي يُمكن للناس الإطلاع عليها بحسب رغبتهم.

كذلك تحد مخاطر الرقابة من إحتمالية تقييد الدول للمعلومات. وبرأي أودريس، ليست هناك جدوى كثيرة من إدخال تشريعات جديدة، لافتا إلى أن قوانين القذف والتشهير الحالية - في سويسرا على الأقل - هي إحدى الوسائل للتعامل مع حالات الإدعاءات الكاذبة والتحريضية التي تستهدف أشخاصا أو مجموعات محددة، وبأنه من الأفضل أن تركز الحكومات اهتمامها على مجالات أخرى.

"ليس لدى شركات التكنولوجيا سوى القليل من الحوافز التجارية للحد من الأخبار الكاذبة"، كما يقول أودريس، الذي يشغل منصب نائب المدير في معهد بحوث المجال العام والمجتمعرابط خارجي. وعندما تنتشر مثل هذه القصص على نطاق واسع، فإنها تساعد على توليد إيرادات لمواقع التواصل الإجتماعي. وهكذا فإن بإمكان الدولة بحسب أودريس تقديم اعفاءات ضريبية مثلاً لتلك الشركات التي تتخذ خطوات مناسبة للتصدي لانتشار العناوين الإخبارية المُضللة.

 العامل الإنساني

من الواضح أن إشراك جهات فاعلة أخرى في هذه العملية مسألة مهمة. وبهذا الصدد، تقول شركة ‘فيسبوك’ أنها ستطلب المساعدة من المستخدمين ومن أطراف ثالثة، بما في ذلك منظمات التحقق من الحقيقة ووسائط الإعلام، للمساعدة في استئصال المشاركات المضللة. لكن الصحفيين أنفسهم يجب أن يكونوا جزءاً من الحل.

"المشكلة هي عندما يلتقط موقع (إخباري) موثوق معلومات كاذبة ويقوم بنشرها"، كما يقول بيير فاندَرغهاينست. "في تلك اللحظة، تكتسب هذه المعلومات ختم الأصالة، ولا بد من كسر هذه الدورة".

كاشف الوهم تحسّن ملحوظ في تقنيات كشف الأخبار الكاذبة

بقلم

أحرز مشروع يموّله الإتحاد الأوروبي يهدف إلى تطوير أداة لإكتشاف المعلومات الوهمية "الكثير من التقدّم"، ولكن هذه التقنية لا تزال في حاجة إلى تطوير أكثر.

ومع مواجهة أجهزة الإعلام لانخفاض الموارد التي تضمن وجودها، يريد أودريس رؤية "نقاش أوسع حول كيفية تعزيز الصحافة الجيدة في المجتمع"، مع تشديده على الدور البالغ الأهمية لخدمة البث المرئي والمسموع العام.

"انه إحد الركائز المهمة التي يحصل الناس من خلالها على معلومات متنوعة، عالية الجودة تم التوثق من مصداقيتها".

في نفس الوقت، يقع عبء التحقق من دقة الأخبار المنتشرة على شبكة الإنترنت على عاتق المستخدمين أيضاً. وفي هذا السياق، يشير أودريس إلى دراسات تظهر أن أقل من نصف الاشخاص المُستَطلَعة آراؤهم والذين يحصلون على أخبارهم من وسائل الإعلام الإجتماعية يهتمّون بمصدر المعلومات التي يقرأونها.

"هناك حاجة إلى التفكير الناقد"، كما يقول، مشيراً إلى وجود حاجة لتثقيف إعلامي أقوى للشباب، الذين - وبحسب دراسة حديثةرابط خارجي أجراها معهد رويترز - يشكلون الفئة العمرية الأكثر استهلاكاً للمعلومات من وسائل الإعلام الإجتماعية. وهو يعتقد أيضا أن دفع المال للحصول على الأخبار عبر الإنترنت قد يُساعد الناس على اتخاذ قرارات أكثر جدية بشأن المنافذ الإخبارية التي يودّون إستقاء معلوماتهم منها.

مع ذلك، وحتى مع تظافر جهود جميع القطاعات، لن يكون وقف انتشار المعلومات الخاطئة ممكناً بالكامل. كما ينصح أودريس بعدم توقع المعجزات على المدى القصير، مشيراً إلى الشائعات كـ"جزء من الطبيعة البشرية".

هذا الرأي يردده بيير فاندَرغهاينست أيضاً :"في النهاية لم يكن الإنترنت هو من إخترع نظريات المؤامرة"، بحسب الباحث في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان. "لقد ساهم فقط في إنتشارها بشكل أسرع، لأنك ستعرف عن [هذه النظريات] من ‘فيسبوك’ بدلاُ من سماعك عنها في المقصف المحلي"، على حد قوله.

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×