تاريخ نفق غوتهارد للسكك الحديدية ـ معجزة الديمقراطية المباشرة



بقلم
سيبيلا بوندولفي Sibilla Bondolfi




عمال خلال بناء وتشييد أوّل نفق للسكك الحديدية بالغوتهارد. وفي القرن التاسع عشر كانت العلاقة وثيقة بين النقل الحديدي والديمقراطية المباشرة.

عمال خلال بناء وتشييد أوّل نفق للسكك الحديدية بالغوتهارد. وفي القرن التاسع عشر كانت العلاقة وثيقة بين النقل الحديدي والديمقراطية المباشرة.

(sbb)

لقد انجزت سويسرا ببنائها لنفق قاعدة غوتهارد ليس فقط أحد أطول أنفاق العالم، وإنما أيضاً أحد أكثر أنفاق العالم كُلفةً. وفِي الحادي عشر من ديسمبر الجاري دخل الجدول الجديد لمواعيد انطلاق القطارات حيّز التنفيذ. أما كون الشعب قد وافق على هذا المشروع العملاق الذي تكلف المليارات وذلك من خلال عدة استفتاءات شعبية، فإن هذا بحق إحدى معجزات الديمقراطية المباشرة.

هذه المساهمة هي جزء من منصة DearDemocracyرابط خارجي#، المنصة التي تتيحها swissinfo.chرابط خارجي للحديث حول الديمقراطية المباشرة.

إن إنجاز المشروعات الكبرى في إحدى الدول التي تتمتع بالديمقراطية المباشرة كسويسرا لشيء من الصعوبة بمكان. ذلك أن الناخبين يمكنهم أن يقوِّضوا جهود أصحاب المبادرات عن طريق التقدم باقتراع. لهذا السبب كانت الفرحة غامرة حينما افتتح رئيس الكونفدرالية يوهان شنايدر أمان في يونيو الماضي رسمياً نفق سكك حديد غوتهارد الجديد البالغ طوله 57 كيلو مترا والمتكون من أنبوبين. ولقد شهد الافتتاح العديد من رؤساء ورؤساء حكومات دول أوروبية، كما حضرته كوكبة ضخمة من رجال الإعلام. وكان لهذا الإفتتاح صدى إيجابيٌ على مستوى العالم، بل أن بعض المحللين قد احتفلوا بهذا الحدث كنصر للديمقراطية المباشرة في سويسرا. 

أما المؤرخ غيورغ كرايسرابط خارجي من جامعة بازل فيرى في إتمام "مشروع القرن" أكثر من مجرد "معجزة" و"نصر". إن كرايس يُسمي الأمر "حسن حظ" أن وافق الناخبون السويسريون على إنشاء أطول نفق في العالم بنسبة تقارب الـ 64٪‏. ذلك أن الشعب يتجه عادةً نحو عرقلة المشروعات التي تنبع من "التكنوقراط" ومن "أباطرة المال" ومن الحكومة، لإن هناك رفض عام لما يفعله "هؤلاء الذين بيدهم زمام الأمور". 

لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للغوتهارد: ففي عام 1992 أعطى الناخبون الضوء الأخضر لمشروع تصل ميزانيته الإجمالية إلى عشرة مليارات فرنك. ويتعلّق الأمر بخط السكك الحديدية الجديد عبر جبال الألب (Neat). ويشكل عِمَاد هذا الخط أنبوب جديد للسكك الحديدية يخترق جبال الألب، والذي بفضله لم تعد القطارات مجبرة على عبور أية مرتفعات بعد ذلك. وفِي عام 1998 وافق الناخبون على رفع ميزانية الخط الجديد ليصل إلى 15،5 مليار فرنك. وحالياً تُقدر التكلفة الفعلية بحوالي 24 مليار، منها 12 مليار فرنك لنفق قاعدة غوتهارد وحدها.

إن إنجاز نفق الغوتهارد بالرغم من الديمقراطية المباشرة ليرجع إلى عدة أسباب، منها الاستعداد للتوصل لحلول وسط بين المناطق المختلفة، وهو ما تتميز به سويسرا الفدرالية: ذلك أن مشروع الغوتهارد لم يقتصر فقط على المحور الرئيسي وإنما تعداه إلى خط لوتشبرغ في غرب سويسرا، وإلى تحسينات أقل في الطرق المؤدية إلى الغوتهارد من شرق سويسرا. 

وهناك مثال آخر: فقد كان كانتون أوري يطالب عبثاً بمد نفق الغوتهارد ليصل إلى بحيرة أورنر، لهذا السبب ولإظهار حسن النوايا تم بناء وصلة قبل مدخل النفق، إذا ما تقرر مده مرة أخرى.

 وصفة للنجاح: إدماج المعارضة

يمكن بصفة عامة القول بأن الخوف من إجراء استفتاء (مضادٍ) ناجح يؤدي في نظم الديمقراطية المباشرة كما هو الحال في سويسرا إلى أن تعتمد المشروعات الكبرى ـ كنفق قاعدة غوتهارد ـ منذ البداية على التعاون. "إن نية السلطات في وضع مسودة غير قابلة للرفض بموجب استفتاء جديد، يُعقد الأمر إلا أنه يُحد من وطأة المعارضة"، على حد قول عالم السياسة كلود لونشام. "فبدون استفتاء شعبي كانت الاستعدادات لبناء خط السكك الحديدية الجديد عبر جبال الالب (Neat) أبسط وأقل كُلفة. لكن هذا الخط كان سيواجه - كما هو الحال في جميع المشروعات الكبرى - معارضة ضارية.

وهذا يصل بنا إلى السر الثاني وراء إنجاز نفق الغوتهارد بالرغم من الديمقراطية المباشرة: وهو إدماج المعارضة. "إن الديمقراطية المباشرة تقوم باستشراف المعارضة المُحتملة وإدماجها وتمنع بهذه الآلية العرقلة المُحتملة للمشروعات الكبرى"، كما يوضح لونشام. 

جوزيف زيمب

جوزيف زيمب

(wikipedia)

وهناك مثال ثالث على نجاح هذه الاستراتيجية، يعود أيضاً لتاريخ السكك الحديدية في سويسرا: ألا وهو تأميم السكك الحديدية السويسرية. ففي عام 1891 فشل هذا المشروع في الحصول على موافقة الناخبين، حين قُدِم للاقتراع في المرة الأولى، مما أسفر عنه استقالة وزير السكك الحديدية حينئذٍ. ولتفادي حدوث أزمة وزارية، تم انتخاب محامي معارضي السكك الحديدية في الحكومة الإتحادية. وفي أثناء فترة تقلده لمنصبه وافق الناخبون السويسريون في نهاية الأمر على تأميم الخمس شركات الرئيسية التي كانت تسير السكك الحديدية عام 1898.

"يرى خبراء السياسة أن الديمقراطية المباشرة في طور نموها كانت هي السبب في دمج المعارضة آنذاك"، كما يوضح لونشام.

 وطبقاً لما يصرح به لونشام الباحث في علم السياسة وابن مدينة برن، فقد كان هناك في سويسرا في القرن التاسع عشر بصفة عامة إرتباط وثيق بين تاريخ السكك الحديدية وبين التحول من ديمقراطية مُمَثِلة إلى ديمقراطية مباشرة. وكمثال على هذا يذكر لونشام حقبة الحركة الديمقراطية حوالي عام 1860. "لقد عممت هذه الحركة الحقوق الشعبية بناء على التجارب السلبية المتعلقة بالحق في تقديم إلتماسات".

 بمعنى: أنه لَمّا كان الحق في تقديم الإلتماسات غير كافٍ كما يتضح لنا، فقد جاءت من هنا فكرة التقدم بمبادرات. "وقد كان الأمر الحاسم آنذاك هو التخطيط لخط سكك حديدية بين برن وبيل، والتي كانت محل خلاف. وكانت المعارضة هي أول من طالب عام 1862 بإجراء إستفتاء"، كما يقول لونشام.

 وفي عام 1874 تم ترسيخ الإستفتاء الإختياري في الدستور الإتحادي. وهو الأمر الذي غَيَّر قواعد اللعبة في الديمقراطيات البرلمانية، كما يقرر لونشام.

نفق قاعدة غوتهارد الجديد 

إن نفق قاعدة غوتهارد هو أول وصلة سكك حديدية عابرة لجبال الألب بدون أية إرتفاعات تُذكر. إنه يُقَصِر زمن الرحلة بين زيورخ وميلانو بحوالي نصف ساعة. وفي يونيو 2016 تم تدشين النفق الذي يبلغ 57 كيلو متر طولاً. وقد استغرق البناء 17 سنة وتكلف 12 مليار فرنك. ويمثل نفق قاعدة غوتهارد جزءاَ من السكك الحديدية الجديدة عبر جبال الألب (Neat). واعتباراً من الحادي عشر من ديسمبر 2016 دخل نفق قاعدة غوتهارد الخدمة وفقاً لجدول مواعيد السكك الحديدية الجديد.

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×