Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

حـالة خاصة


أبنـزل.. نموذجٌ للتغيير الحضاري في سويسرا



بقلم ألكسندر تولي




أرنولد كولر، أمام مقر إقامته في شتاسنيغ، بنصف كانتون أبنزل رودس الداخلية (swissinfo.ch)

أرنولد كولر، أمام مقر إقامته في شتاسنيغ، بنصف كانتون أبنزل رودس الداخلية

(swissinfo.ch)

غالبا ما يقترن اسم أبنزل بالجُـبنة التي تشتهر بها هذه المنطقة الواقعة شمال شرقي سويسرا. ولكن بمناسبة الذكرى الخمس مائة على التحاق الكانتون الثالث عشر في الكنفدرلية، شدّد وزير العدل السابق أرنولد كولّـِر على أن أبنزل يمثل أيضا نموذجا للدّيمقراطية الحيّة.

من حديقة شاليه إقامته الذي يُهدي للناظر إطلالة رائعة على جبال إيبنآلب، يتأمل وزير العدل السويسري السابق، أرنولد كولّـِر، في الطابع المُميّز لأبنزل، ويستعيد ذكرى تقسيم الكانتون إلى جزئين في عام 1597 لأسباب دينية.

swissinfo.ch: كيف تُفسِّرون للأجانب وجود نصفي كانتون في أبنزل؟

أرنولد كولّـِر: إن أبنزل، وخصوصا أبنزل رودس الداخلية، مسقط رأسي وبلدي الصغير، يمثل نموذجا مُصغرا للإستثناء السويسري وسط أوروبا، لاسيّما من حيث عدد السكان. فنحن نُعتبر إلى حد كبير أصغر الكانتونات، لأن عدد ساكنة رودس الداخلية لا يتجاوز 15000 نسمة، مقابل 52000 في رودس الخارجية.  

فهو بالتالي نصف كانتون صغير، ولكنه مبدع للغاية. والأهم من ذلك، أن لديه تاريخ عظيم. كمْ سمِعت من سويسريين هنا وهناك: "إن 15000 نسمة يعادل الكثافة السكانية لبلدية حديثة بالنسبة لنا". هذا رُبما صحيح، ولكن [أحدث البلديات] قد لا تتمتع بضمير مدني مُماثل لأهل أبنزل!

في عام 1513، عندما كُنّا لانزال مُتّحِدين، أصبحنا العضو الثالث عشر في الكنفدرالية السويسرية. وقد أثّرت هذه القرون من الإستقلال بشكل كبير على طبيعة السكان. نحن نتمتَّعُ هنا بقدر هام من حرية الإختيار والإصرار. ثم لدينا، بطبيعة الحال، مناظر خلابة. وهذه الميزات المُجتمعة والمُتناسقة هي التي شكّلت طبع الناس هنا.

swissinfo.ch: يُقال إن أهل أبنزل يتّسمون بالعناد والقسوة، وهنالك أيضا المثل الشهير الذي يقول: "والدي من أبنزل، ويأكل الجبنة بصحنها"، فهل يعني ذلك أنه كان فقيرا جدا لدرجة استخدام الخبز كصحن لتناول الوجبات؟

أرنولد كولّـِر:  لقد كان أبنزل، وخاصة رودس الداخلية، دولة زراعية حتى الحرب العالمية الثانية، أي أنها كانت منطقة فقيرة بالأحرى. وخلافا لغلاروس وكانتونات أخرى، لا ترتفع جبالنا بحدة إلى علو 2000 متر. ولئن كانت تزخر بمناظر طبيعية ساحرة، فإن المزارع المتواجدة على أراضيها كانت صغيرة الحجم جدا، وتُوفر بالكاد لقمة العيش لعائلة واحدة.

لم يكن هناك سوى صناعة الألبان والأعلاف، وتربية الخنازير تبعا لذلك. وكانت النساء تمارس التطريز، غير أن القطاع اجتاز أزمة خطيرة في القرن التاسع عشر، وقسوة المرحلة أثـّـرت بطبيعة الحال على طبع السكان، لذلك أصبحوا عنيدين. وحتى وقت قريب، كان كانتوننا يُعتبر هشّا من الناحية المالية، أما اليوم، فقد تحسّنت الأوضاع نوعا ما، وبات يُصنّفُ ضمن الكانتونات التي تتمتع بقوة مالية متوسطة.

swissinfo.ch: لماذا عارض أبنزل مرحلة التصنيع لمدة طويلة في منتصف القرن التاسع عشر؟ هل كان أهله يفضلون العمل في المنزل بدل المعمل؟

أرنولد كولّـِر: هنا، يجب التمييز مُجددا بين رودس الخارجية ورودس الداخلية. ففي القرن التاسع عشر، كانت رودس الخارجية من بين أولى الكانتونات الصناعية الكبرى في البلاد، بينما ظلت رودس الداخلية منطقة زراعية حتى الحرب العالمية الثانية.

لقد وضع عالمُ الإجتماع ماكس فيبر النظرية القائلة ان الدّيانة البروتستانتية تُشجّع تطوير المهارات البشرية ونشاطات التصنيع. في المقابل، كانت الديانة الكاثوليكية دائما تخشى بعض الشيء من العلاقة بالمال والثروة. وبالنسبة لي، ليس من قبيل المصادفة أن تكون ردوس الخارجية (البروتستانتية) قد أصبحت من أولى الكانتونات الصناعية، وأن تكون رودس الداخلية (الكاثوليكية) قد ظلت زراعية لفترة طويلة.

أرنولد كولّـِر

هو من مواليد أبنزل رودس الداخلية عام 1933. درس الإقتصاد في جامعة سانت غالن، والحقوق في جامعة فريبورغ حيث حصل على شهادة الدكتوراه عام 1966.

بعد قضائه سنة في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، عُين بروفيسورا في القانون الأوروبي والدولي بجامعة سانت غالن عام 1972، إلى أن انتُخب عضوا في الحكومة الفدرالية عام 1986.

في عام 1971، انتُخب نائبا في مجلس النواب (الغرفة السفلى في البرلمان الفدرالي) عن الحزب الديمقراطي المسيحي.

شغل منصب وزير العدل في نصف كانتون أبنزل رودس الداخلية من 1973 إلى 1986.

بعد انضمامه إلى الحكومة الفدرالية في عام 1986، أصبح وزيرا للدفاع لمدة عامين، ثم تسلم حقيبة وزارة العدل في عام 1989 إلى أن انسحب من الحكومة عام 1999. وتولّى الرئاسة الدورية للكنفدرالية في عام 1990 ثم في 1997.

swissinfo.ch: في مقال نُشر له مؤخرا، كتب وزير المالية السابق هانس-رودولف ميرتس أن المسؤول عن خزانة أبنزل اكتفى في القرن التاسع بتوقيع تعهد خطي بالتسديد بدلا من دفع الضرائب المفروضة من قبل دير سانت غالن. هل هذا النوع من التمرد من سمات أهل أبنزل تحديدا؟

أرنولد كولّـِر: نعم، كان أبنزل حينها تابعا لدير سانت غالن، واندلعت حروب الإستقلال ضد الأمير القس وحلفائه النمساويين. وعندما طالب هؤلاء بضرائب ورسوم طائلة، انتفض أهل أبنزل في عامي 1403 و1405، ما سمح لهم بنيل استقلالهم.

swissinfo.ch: انقسم أبنزل إلى منطقتين في عام 1597 لأسباب دينية. واليوم، كيف لايزال هذا التقسيم بين نصف كانتون أبنزل رودس الداخلية ونصف كانتون أبنزل رودس الخارجية صامدا في عصر العولمة؟

أرنولد كولّـِر: ورد في ميثاق التقسيم عام 1597 الإستنتاج التالي: "سيظل [الفصل قائما] طالما ناسب [هذا الوضع] كلا الطرفين". وبالتالي، لم يتم استبعاد إعادة توحيدهما. ولكن الإنقسام الطائفي كان يتجلّى بالفعل في الحياة اليومية. وحتى الحرب العالمية الثانية، كانت العلاقة بين الجانبين تقوم على مُجرد تعايش بسيط. كانا يعيشان جنبا إلى جنب، ولكن لا يتحدثان كثيرا إلى بعضهم البعض، كما لم تكن هناك أي جمعيات مُشتركة بينهما.

رودس الداخلية كانت تتعاون أكثر مع سانت غالن وليس مع رودس الخارجية. والجمعية المشتركة الوحيدة بينهما كانت تخص الضباط، غير أنها كانت تتألف أساسا من مواطنين من رودس الخارجية، لأن أهل رودس الداخلية لم يكن لديهم إلا عدد قليل من الضباط.

swissinfo.ch: ولكن، بالمقارنة مع كانتونات أخرى، لم تندلع أبدا حرب دينية بين منطقتي أبنزل...

أرنولد كولّـِر: لقد كان التقسيم في حد ذاته تحرك حضاري جدا، إذا ما تذكّرنا الحروب الدينية التي اتخذت في تلك الفترة بُعدَ الحروب الأهلية، وفي سويسرا أيضا. كما أن إمكانية التقسيم قد أتيحت بفضل الوساطة السويسرية.؟؟؟

swissinfo.ch: كيف فسّرتم لمحاوريكم الأجانب رفض الناخبين في نصف الكانتون الذين تنتمون إليه منح النساء حق التصويت في عام 1990؟

أرنولد كولّـِر: لقد تعيّن علي شرح ذلك في جامعة بيركلي [الأمريكية] التي كانت تقدمية للغاية. ولم تكن هذه مأمورية سهلة. لذلك أجبت على هذا السؤال بقدر طفيف من السخرية قائلا: "أشرحوا لي إذن عقوبة الإعدام!" (يضحك). فهذه ممارسات رجعية لم يعد لها اليوم تفسير في العالم المتحضر.

ولكن كان هنالك بطبيعة الحال أسباب مثل ضرورة الحفاظ على "اللاندسغيمايندي" [الجمعية الشعبية للكانتون أو للبلدية]. وفي عقد الثمانينات، أتذكر أن شابات كُنّ قد أجبن في استطلاع للآراء: "لا، نحن لا نريد حقّ التصويت، من أجل لاندسغيمايندي".

وهذه الجمعية الشعبية التي تلتئم في وسط المدينة ليست فقط حدثا سياسيا بل اجتماعيا أيضا. فالناس يجتمعون لإنتخاب الحكومة وللتصويت على القوانين. ويصعب شرح هذا الأمر لأناس لم يعيشوا مثل هذه التجربة عن كثب.

swissinfo.ch: وكيف كانت ردة فعلكم عندما فرضت المحكمة الفدرالية في العام نفسه منح حق التصويت للنساء، لتُلغي بذلك نتيجة تصويت لاندسغيمايندي الكانتون؟

أرنولد كولّـِر: كانت مفاجأة كبيرة، وكأنه حكم ورد في الكتاب المقدس. كان تقبّل الأمر صعبا بالأحرى في رودس الخارجية، ولكن في رودس الداخلية، اجتمع السكان نساءً ورجالاً بمناسبة لاندسغيمايندي بالفعل عام 1991، وكأن هذا الأمر كان دائما شيئا اعتياديا.

وأنا قلت دائما: إن حكم المحكمة الفدرالية كان خاطئا من الناحية القانونية، ولكنه حقق معجزة بالفعل من الناحية السياسية. وبفضل ذلك، أثرنا الإهتمام وجلبنا إلينا أنظار العالم بأسره، وقدم الصحافيون لزيارتنا من كل مكان. ولئن كانت لاندسغيمايندي ممارسة حية بالفعل، فقد كانت تتوفر على وضع شبيه تقريبا بالمتاحف. لذلك فإن الحكم كان له دور تحريري.


(نقلته إلى العربية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch



وصلات

×