Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

سويسرا.. مثال يُقتدى به؟


الديمقراطية المباشرة تثير اهتماما مُتزايدا في العالم



بقلم جون-ميشيل بيرتو




في مايو 2012، تابع نائب المستشار النمساوي باهتمام مراسم التصويت الشعبي برفع الأيدي (Landsgemeinde) في غلاروس، وهي إحدى الأشكال الأكثر تقليدية لممارسة الديمقراطية المباشرة السويسرية. (Keystone)

في مايو 2012، تابع نائب المستشار النمساوي باهتمام مراسم التصويت الشعبي برفع الأيدي (Landsgemeinde) في غلاروس، وهي إحدى الأشكال الأكثر تقليدية لممارسة الديمقراطية المباشرة السويسرية.

(Keystone)

أصبحت سويسرا في الفترة الأخيرة وجهة محبذة لصنف جديد من السياحة حيث يُبدي سياسيون أجانب يقدمون بالخصوص من البلدان الناطقة بالألمانية اهتماما كبيرا بالديمقراطية المباشرة. فهل ستتحول إلى "منتج" تصديري سويسري ناجح؟

في الحادي عشر من مارس 2012، قدم وفد من مقاطعة بادن – فورتمبرغ الألمانية إلى سويسرا لمتابعة سير اقتراع فدرالي عن كثب. وفي السادس من شهر مايو الموالي، حضر ميكائيل سبينديليغر، نائب المستشار النمساوي رفقة ديديي بوركهالتر، وزير الخارجية السويسري فعاليات التصويت الشعبي المباشر (يُعرف بتسمية Landsgemeinde) في مدينة غلاروس. وفي يونيو الماضي، نظم كانتون آرغاو بالإشتراك مع مقاطعة بادن – فورتمبرغ الألمانية مؤتمرا حول الديمقراطية في مدينة آراو.

من جهته، عبر كورت بيك، الوزير الرئيس لمقاطعة رينانيا – بالاتيناتو عن الرغبة في القدوم إلى الكنفدرالية لمتابعة سير التصويت الفدرالي المقرر إجراؤه يوم 23 سبتمبر الجاري. وبموازاة ذلك، سيؤدي زيارة عمل إلى "مركز دراسات الديمقراطية" ZDA في مدينة آراو.

خارج أوروبا

وفي حوار مع swissinfo.ch، أشار أوفيه سيردولت، الخبير في العلوم السياسية لدى مركز دراسات الديمقراطية إلى أن "بلدان الإتحاد الأوروبي المجاورة ليست هي الوحيدة المهتمة بالنموذج السويسري للديمقراطية. فالبلدان النائية مثل الأوروغواي مهتمة أيضا.. وسيقدم قريبا وفد من البلد الأمريكي اللاتيني لزيارتنا في إطار رحلة تنظمها مؤسسة الحضور السويسري".

إلى حدود عام 1920، كانت سويسرا البلد الوحيد في أوروبا الغربية الذي تتوافر فيه أدوات  لممارسة الديمقراطية المباشرة. أما اليوم، وطبقا لدراسة جديدة أعدها "مركز دراسات الديمقراطية" التابع لجامعة زيورخ، هناك ثلاثة بلدان خرى فحسب يُمكن فيها تنظيم انتخابات على المستوى الوطني في أعقاب جمع العدد الكافي (يُحدده كل بلد على حدة) من التوقيعات من المواطنين وهي إمارة الليختنشتاين (جارة سويسرا الشرقية) وإيطاليا وإمارة سان مارينو.

أما في بقية أنحاء العالم، فلا توجد هذه الإمكانية إلا في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. ومنذ التسعينات، أصبحت متاحة أيضا في 14 بلدا تخلت عن الشيوعية في أوروبا الشرقية (مثل ليتوانيا ولاتفيا والمجر). أما في أمريكا اللاتينية، فهي متاحة في الأوروغواي وكولومبيا وفينزويلا. لذلك فإنه "ليس من باب المصادفة أن يُلقب الأوروغواي بسويسرا أمريكا اللاتينية"، مثلما يُعلق الباحث سيردولت التي شارك في تأليف الدراسة.

مُحبطون من الديمقراطية التمثيلية

من وجهة نظر سيردولت، يبدو أن "شيئا من الإحباط تجاه الديمقراطيات التمثيلية" (أو النيابية) هو أحد الأسباب الكامنة وراء اهتمام أطراف خارجية بالديمقراطية المباشرة في سويسرا. إذ يشعر العديد من المواطنين في عدد من بلدان العالم أنهم لم يعودوا ممثلين من طرف الساسة المنتخبين في البرلمان، وهم يريدون أن يكون صوتهم مسموعا أكثر في الشأن العام وأن يُشاركوا مباشرة في اتخاذ القرار.

في السياق نفسه، يرى أندرياس غروس، النائب عن الحزب الإشتراكي أن "جميع الديمقراطيات تمر بأزمة. فالديمقراطية عملية تعلم مستمر إلا أنها في الوقت الحالي ذات طابع تراجعي أكثر مما هي تقدمية"، فمنذ عدة أعوام "هناك عملية إفراغ حقيقية للديمقراطية"، على حد قوله.  

وحسب رأي عضو مجلس النواب السويسري، فإن جميع الديمقراطيات القائمة أصبحت تتسم بمزيد من السلطوية حيث تتجه السلطة أكثر فأكثر باتجاه السلطة التنفيذية. من جهة أخرى، تفقد الدولة – الأمة المزيد من الإستقلالية (في اتخاذ القرار والتصرف) دون أن يتم إقرار ديمقراطية عابرة للبلدان. لذلك يزداد الناس اقتناعا بأن الإنتخابات لوحدها لم تعد تكفي، مثلما يستنتج الخبير في المسائل الديمقراطية.

ومن وجهة نظر سيردولت، لعبت الأزمة القائمة في أوروبا دورا في نمو هذه الظاهرة، "ففي البلدان الأوروبية، يُنظر بشيء من الإعجاب إلى سويسرا البلد غير العضو في الإتحاد الأوروبي. وفي ألمانيا لا يمر أي حوار سياسي تلفزيوني دون أن تتم الإشارة فيه إلى سويسرا التي (توجد في وضع جيد) بفضل ديمقراطيتها المباشرة. كما يُتساءل عن إمكانية تقليدها".

أندرياس غروس ينظر إلى المسألة من زاوية أخرى ويقول: "ليس هناك إعجاب بسويسرا بل عدم فهم لها. فسويسرا تعتبر بلدا غريبا كما أن المعرفة بها سيئة جدا. لذا من الواجب العمل على توضيح أن الديمقراطية المباشرة ثمينة".

الإفتقار إلى محكمة دستورية

في معرض السلبيات أو النقائص، يُشير المنتقدون للديمقراطية المباشرة إلى بعض المخاطر التي قد تنجم عن عدد من المبادرات الشعبية، مثلما هو الحال بالنسبة للمبادرة المتعلقة بطرد الأجانب الذين يرتكبون جرائم حيث يعسر تطبيقها لانتهاكها بعض بنود الدستور أو الحقوق الإنسانية، لكن أندرياس غروس يرد قائلا: "هذا ليس خطرا مترتبا عن الديمقراطية المباشرة في حد ذاتها، بل هو نقص مرتبط بالطريقة التي اعتمدت بها في سويسرا".

ومنذ أن شهدت سويسرا في السنوات الأخيرة "تغييرا في أسلوب اللعب حيث انتقل التركيز من الكرة إلى البشر" على حد تعبير النائب الإشتراكي، انكشفت نقطة الضعف المتمثلة في أن الديمقراطية المباشرة ليست محمية دستوريا "من ديكتاتورية الأغلبية"، إلا أن هذا ليس ذنب الديمقراطية المباشرة، يضيف غروس.

هل يعني هذا أن سويسرا تحتاج لإنشاء هيكل قضائي رفيع يُراقب مدى ملاءمة المبادرات الشعبية لمقتضيات الدستور أي إلى محكمة دستورية؟ في تصريحات إلى swissinfo.ch، قال سيريل ريبيتشيش، القاضي في المحكمة الدستورية السلوفينية: "أنا مقتنع بأن الأمر يتطلب محكمة من هذا القبيل في نظام ديمقراطي"، مع العلم أنه يمكن للشعب إطلاق مبادرات واستفتاءات في سلوفينيا.

في السياق نفسه، قال أندرياس غروس: "منذ سنوات وأنا أقول إنه يتوجب إنشاء محكمة دستورية وأن الديمقراطية المباشرة تحتاج إلى تحسين. فعلى مدى مائة عام، ورغم بعض الإستثناءات كحق النساء في التصويت، لم تشهد المزيد من التحسين والتطوير. لهذا السبب، هناك حاجة كبيرة للإصلاح في سويسرا".

مجموعات المجتمع المدني أكثر نجاحا

على صعيد آخر، أجرت الدراسة التي قام مركز ZDA تحليلا للإستخدام الفعلي لأدوات الديمقراطية المباشرة، واتضح أن مجموعات المجتمع المدني – وخاصة منها المنظمات المعنية بالدفاع عن البيئة والنقابات والهيئات المنافحة عن المصالح الإقتصادية أيضا – هي الأكثر نجاحا في هذا المجال. ويُشدد أوفي سيردولت على أنها هي "الأكثر استخداما للديمقراطية المباشرة في سويسرا أيضا".

بالعودة إلى السياق التاريخي، تم استخدام الديمقراطية المباشرة في بداية الأمر من طرف أحزاب المعارضة بوصفها أداة في سياق الصراع من أجل السلطة "وفي سويسرا أيضا، كان الأمر على هذه الشاكلة لفترة طويلة، لكن بقدر ما تطول فترة وجود الديمقراطية المباشرة، بقدر ما تُصبح جزءا من المجتمع المدني"، وهو نفس التوجه الذي سُجّل على المستوى الدولي من طرف المراقبين.

على صعيد آخر، يشرح سيردولت أنه بإمكان "سياح الديمقراطية" أن يتعلموا من تجربتنا، لكنهم لا يرغبون في اعتماد النموذج السويسري دون تغيير أو تحوير، ويقول: "الزوار كلهم سياسيون محترفون، ويرون أيضا مخاطر في الديمقراطية المباشرة. فهم يؤيدون مشاركة سياسية أكبر للشعب لكن بقدر أقل من الإلزام مقارنة بسويسرا. فعندنا يتم تطبيق القرارات التي تصدر عن صناديق الإقتراع، أما في ألمانيا فإن "الإستشارات الشعبية" ليست ملزمة إلى هذا الحد".

في سياق آخر، تدعم سويسرا على سبيل المثال اجتماعات يعقدها معارضون سوريون في برلين للتحاور بشأن بلورة برنامج لمرحلة ما بعد الأسد. فهل يُمكن أن يتصور المرء أن بإمكان "سوريا ما بعد الأسد" الإستفادة من نفس الديمقراطية المباشرة الممارسة في سويسرا؟ يجيب أوفي سيردولت مُنبها: "نتعامل بحذر شديد مع مسألة نقل الديمقراطية المباشرة أو النظام الفدرالي دون تغيير. فمسارات الدمقرطة مثلما هو الحال في سوريا تستمر لأكثر من جيل"، على حد قوله.

المبادرة المواطنية الأوروبية

يسعى الإتحاد الأوروبي منذ فترة إلى تعزيز وزيادة انخراط مواطنين الدول الأعضاء السبع والعشرين في العملية السياسية.

بدأ العمل رسميا بالمبادرة الشعبية الأوروبية التي تضمنتها معاهدة لشبونة يوم 1 أبريل 2012.

توفر هذه الآلية لمليون مواطن أوروبي ينتمون إلى ربع دول الإتحاد إمكانية دعوة المفوضية الأوروبية (أعلى جهاز تنفيذي في الإتحاد) إلى إعداد تشريع جديد بخصوص موضوع يحظى باهتمامهم.

النظام الديمقراطي السويسري

في نظام سياسي يعتمد الديمقراطية المباشرة، تكون السلطة بيد الشعب الذي يتخذ القرارات بنفسه.

في نظام يعتمد الديمقراطية التمثيلية، يفوض الشعب سلطته إلى ممثلين عنه ينتخبهم.

في سويسرا، تمثل المبادرة الشعبية والإستفتاء الإختياري الأداتين الرئيسيتين للديمقراطية المباشرة.

توفر المبادرة الشعبية لمائة ألف (100000) مواطن إمكانية اقتراح إدخال تحوير على الدستور الفدرالي. في المقابل، يسمح الإستفتاء الإختياري لخمسين ألف (50000) مواطن بطلب إجراء تصويت على قانون تم إقراره من طرف البرلمان.

يتوفر النظام السياسي السويسري في نفس الوقت على عناصر من الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية في نفس الوقت. ولهذا السبب، يتحدث خبراء السياسة في بعض الأحيان عن ديمقراطية شبه مباشرة. 


(نقله إلى العربية وعالجه: كمال الضيف) , swissinfo.ch



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×