Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

على خطى الديمقراطية في سويسرا (الحلقة الرابعة)


عندما يُمارس العلماء السويسريون السياسة



بقلم ستيفاني هيس، زيورخ




ينبغي أن يُستعاض بحلول جديدة عن أنظمة التدفئة القديمة، كما يطالب بعض الباحثون السويسريون. وقد اتُخِذت خطوة أولى في هذا الإتجاه بتجديد أحد المباني في مدينة زيورخ. فهذه الواجهة الزجاجية الحديثة تنتج طاقة شمسية. (Stephanie Hess)

ينبغي أن يُستعاض بحلول جديدة عن أنظمة التدفئة القديمة، كما يطالب بعض الباحثون السويسريون. وقد اتُخِذت خطوة أولى في هذا الإتجاه بتجديد أحد المباني في مدينة زيورخ. فهذه الواجهة الزجاجية الحديثة تنتج طاقة شمسية.

(Stephanie Hess)

تطالب مجموعة من علماء الطاقة الأجلاء في كانتون زيورخ بأن يتم استبدال المدافئ التقليدية التي تعمل بالبترول والغاز الطبيعي بأنظمة جديدة أكثر استدامة. ولقد حملوا رغبتهم هذه إلى برلمان الكانتون عن طريق حق ديمقراطي بسيط وعريق، ألا وهو حق المبادرة الفردية.

ينشر هذا المقال في إطار #DearDemocracy، المنصة التي تخصصها swissinfo.ch لقضايا وتطورات الديمقراطية المباشرة

في واقع الأمر، لا يمكن القول أن علماء سويسرا وباحثيها لا يبذلون جهداً. فبعضهم ينشر اكتشافات مذهلة من داخل مركز الأبحاث النووي "سيرن" (CERN) بمدينة جنيف، بينما يطور آخرون أجزاء هامة في الروبوتات، أو يطير حول العالم في طائرة تعمل بالطاقة الشمسية كما فعل بيرتران بيكار مؤخراً. إلا أن هذه العقول النافذة غالباً ما تبتعد عن الجدل السياسي. وإذا دخلوا في دائرة الضوء، فإنهم يدخلونها في أغلب الأحيان على أنهم خبراء محايدون.

أما اليوم، فقد قام نيكلاوس هالر، الحاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية، بتكوين جماعة في مدينة زيورخ تعتزم ممارسة السياسة بصورة فعالة. ولدى هالر البالغ من العمر 36 عاماً، قناعة بأن العلم هو أيضاً جزء من المجتمع وأن على الخبراء والخبيرات أن يُقدموا علمهم بصورة فعالة. 

دعم مُقدّم من أعلى جهة

يساند هالر 42 مختصاً، بينهم العديد من أساتذة الجامعات الذين يحظون بشهرة واسعة في مجالات تخصصية مختلفة، كذلك تسانده السيدة سارة شبرنجمان، عميدة المعهد الفدرالي التقني العالي بزيورخ (ETH)، والذي يعد رقم واحد في المعاهد العليا بسويسرا.

معاً يطالب هؤلاء بأن تُستبدل مدافئ الغاز والبترول في كانتون زيورخ بأنظمة أخرى لا ينبعث منها غاز ثاني أكسيد الكربون نتيجة احتراق المحروقات الحفرية، وهذا بحلول منتصف القرن الحالي. لأن "الجهود المبذولة لحماية المناخ ليست كافية، حتى في سويسرا"، كما يقول ريتو كنوتي، أستاذ وباحث علم المناخ، وأحد داعمي هذه الفكرة.

فهناك في مجال البناء منذ زمن طويل وسائل تكنولوجية تُمكِن من الإستغناء التام عن المحروقات الحفرية.

وعلى سبيل المثال، يظهر هذا بوضوح في ذلك البناء بمدينة زيورخ الذي قامت شركة "Viridén+Partner" بتعديل بنائه، بحيث تتكون واجهته بالكامل من وحدات توليد الطاقة الشمسية فقط (صورة).

وكي يقدم هالر هذه الفكرة، لجأ إلى أحد أبسط الأدوات الديمقراطية: فقد تقدم بمبادرة فردية. فكل شخص له حق التصويت في كانتون زيورخ يمكنه من خلال هذه الوسيلة أن يعرض رغبته على برلمان الكانتون، وأن يغير في النهاية قوانين بعينها، بل وحتى أحد بنود الدستور نفسه ـ إذا ما استطاع إقناع المجلس.

فزيورخ تُشكل مع كانتوني أبنزل رودس الداخلية، وغلاروس، الكانتونات السويسرية الثلاث (انظر النص المُؤطر أدناه)، التي تعرف استخدام هذه الأداة الديمقراطية. وكما يوضح توماس فيدمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة زيورخ، فقد نشأت أداة المبادرة الفردية في زيورخ في منتصف القرن التاسع عشر من خلال الحركة الديمقراطية التي قامت آنذاك. وقد فكرت تلك الحركة في الكيفية التي تتفادى بها السيطرة النخبوية لبعض العائلات الكبرى ـ فابتكرت المبادرة الفردية كإحدى الوسائل المستحدثة لممارسة الديمقراطية المباشرة.

وفي النهاية، تمت إضافة المبادرة الشعبية والمبادرة الفردية عام 1869 إلى الدستور. 

فرص نجاح ضعيفة

يُمكن لمن له حق التصويت في كانتون زيورخ أن يتقدم برغبته في صورة مبادرة فردية خطّية إلى المكتب الخاص ببرلمان الكانتون. ولا يتم فحص الطلبات مسبقاً، بل يتم تحويلها مباشرة إلى البرلمان. فإذا حظيت المبادرة المقدمة بدعم ثلث أعضاء البرلمان المكون من 180 عضواً، فإن هذا يعد موافقة مبدئية، مما يعني تحويل المبادرة إلى حكومة الكانتون.

أما إذا ما أخفقت المبادرة في الحصول على الدعم المبدئي للبرلمان، فإنه يتم الفراغ منها بشطبها. وهو المصير الذي واجهته أغلب المبادرات الفردية في العقود السابقة. إذ أنه يتم التقدم بحوالي عشرة إلى عشرين مبادرة كل عام. ولا تُحَوَل فعلياً إلى الحكومة سوى مبادرة واحدة إلى أربعة كأقصى حد. وهو ما حدث لمبادرة نيكلاوس هالر في خريف العام الماضي، حين حصل على الدعم المبدئي بـ 73 صوتاً.

وفي الشهور القادمة، سيقوم مجلس الوزراء بصياغة نموذج محتمل لتطبيق المبادرة. وهو ما سيتم التصويت عليه داخل برلمان الكانتون مجدداً.

أما أحد أهم الأسباب التي تكمن وراء ضعف قدرة المبادرات الفردية في كانتون زيورخ على النجاح فيكمن في أنها كثيراً ما تدور حول مشاكل فردية. أو أن هذه المبادرات إنما تتعلق برغبات تم تقنينها على المستوى الفدرالي ولا تقع بهذا في دائرة اختصاص برلمان الكانتون.

وهذا ما توضحه الحالات التالية التي وقعت في العام الماضي على سبيل المثال، فقد اتخذ برلمان كانتون زيورخ قراراً برفض مبادرات فردية كانت تهدف إلى تقليص شديد للمساحة الزمنية المخصصة لقرع أجراس الكنائس وكذلك لصوتها، كما طالبت مبادرة فردية أخرى بالقضاء على سرية البنوك في الداخل والخارج. 

المبادرة الفردية

تُعَد المبادرة الفردية إحدى الأدوات الخاصة جداً لممارسة الديمقراطية المباشرة في سويسرا. فهي تُمكن أحد الناخبين أو الناخبات من التأثير منفرداً على عملية إصدار القوانين.

وهذه الأداة الديمقراطية معروفة فقط في ثلاثة كانتونات، هي زيورخ، وغلاروس، وأبنزل رودس الداخلية.

ففي هذه الكانتونات الثلاثة يتقدم المواطن بطلب للمؤتمر البلدي (ما يسمى بالطلب المختصر Memorialantrag)، إذا ما طالب هذا المواطن بتعديل في أحد القوانين أو في دستور الكانتون. وكي يتم تمرير أي مبادرة فردية في كانتوني غلاروس وأبنزل رودس الداخلية، فلابد من حصولها على أغلبية أصوات المؤتمر البلدي.

أما في زيورخ فلابد من أن تقتنع أقلية من أعضاء برلمان الكانتون مبدئياً بهذا الطلب. وفي خطوة ثانية ينبغي أن تحظى المبادرة الفردية بموافقة أغلبية أعضاء برلمان الكانتون قبل أن تُعرض للتصويت الشعبي كما هو الحال في أغلب الأحيان.

ونظراً لأن المبادرات الفردية تشكل عبئاً على سير عمل المجلس وعلى الخدمات البرلمانية، فإن هذا يدفع للتساؤل: هل هذه الأداة السريعة والمباشرة لممارسة الديمقراطية مجدية أصلاً، إذا ما كانت الطلبات المقدمة قلما يتم تمريرها؟

أثر غير مباشر و"مستدام"

يقول السيد توماس فيدمر، أستاذ العلوم السياسية، "إذا نظرنا إلى النتيجة المباشرة فقط، لوجدنا أن مردود المبادرة الفردية محدود جداً بالفعل". فلقد مرت حوالي 15 عاماً منذ أن تمكنت إحدى المبادرات الفردية من التأثير على دستور الكانتون.

إلا أن فيدمر يؤكد كذلك على الأثر غير المباشر لتلك الأداة الديمقراطية. فمثل هذه المبادرات المقدمة يجعل المشكلات التي لم تكن معروفة من قبل تخرج من أعماق المجتمع إلى سطح الفضاء العام وتُحفزه لإدراة حوارا
حولها.

فكثيراً ما يرُد البرلمانيون في الكانتون - بعد مرور بعض الوقت - على رفض إحدى المبادرات الفردية بمقترح مضاد، وهو ما يعني أن أحد السياسيين يتقدم للمجلس بمبادرته الخاصة حول الموضوع ذاته والتي قد تحظى بموافقة الأغلبية.

كما يشير فيدمر إلى وظيفة أخرى للمبادرة الفردية وهي وظيفة الصمام. فالأداة الديمقراطية السريعة تتيح للمواطنين أن يجدوا بطريقة بسيطة آذاناً صاغية وفضاءاً للتعبير. "وفضلاً عن ذلك فإن مجرد وجود إمكانية للمشاركة في التأثير له أثر إيجابي"، كما يقول أستاذ العلوم السياسية توماس فيدمر.

ومن خلال المبادرة الفردية، يتمكن أشخاص ليس لديهم شبكة تُمَكِنهم من التواصل مع البرلمان من تقديم أفكار له ـ كما يوضح المهندس المعماري نيكلاوس هالر وفريقه. ويأمل هالر أن تحظى مبادرته بموافقة البرلمان بعد دراستها من قِبَل مجلس وزراء الكانتون. وسوف يُجرى التصويت عليها خلال الأشهر التسعة القادمة.

إلا أن نيكلاوس هالر لا يتوقع لنفسه الكثير من فرص النجاح. "الأفكار التي تحمل رؤى مستقبلية تستلزم دائماً العديد من المحاولات"، على حد قوله. وهو على استعداد لخوض هذه المحاولات. فمثلاً إذا رفض برلمان الكانتون مبادرته، وهو ما يتوقعه، فسوف يلجأ إلى أداة المبادرة الشعبية، وهي الحق الشعبي الأصيل رقم واحد. وهذا لأننا "يجب علينا أن نأخذ زمام المستقبل بيدنا. وبالتحديد الآن."

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo.ch

×