Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

منتدى دولي في تونس


"الديمقراطية التشاركية مسألة ترتبِط بالعقليات"



بقلم كمال الضيف - جنيف




 انظر لغات أخرى 2  لغات أخرى 2

على عكس بلدان الربيع العربي الأخرى، نجحت تونس في تجاوز مطبات المرحلة الإنتقالية التي تلت الإطاحة بنظام بن علي. في هذا السياق، يؤكِّـد الخبير القانوني عياض بن عاشور، الذي لعب دورا مهمّـا في عملية الإعداد للإصلاحات السياسية، أن تاريخ البلد وتجربته السابقة في البحث عن الوفاق وممارسة "الديمقراطية التشاركية"، تفسِّـر هذا النجاح الذي لا زال هشّـا.

طغت مشاعر الفرحة والتأثر على أعضاء المجلس الوطني التأسيسي إثر مصادقة 200 نائب (من جملة 217) في وقت متأخر من ليلة 26 يناير 2014 على النص النهائي للدستور الجديد للجمهورية التونسية. (Keystone)

طغت مشاعر الفرحة والتأثر على أعضاء المجلس الوطني التأسيسي إثر مصادقة 200 نائب (من جملة 217) في وقت متأخر من ليلة 26 يناير 2014 على النص النهائي للدستور الجديد للجمهورية التونسية.

(Keystone)

رغم التهديدات الأمنية، تواصل تونس مسيرتها نحو الديمقراطية بكتابة دستور جديد وانتخاب برلمان ورئيس دائمين. في الحوار التالي، يسلِّـط الدكتور عياض بن عاشور، الذي ترأس الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي في فترة دقيقة من هذا المسار، الضوء على خصوصيات التجربة التونسية.

swissinfo.ch: في عام 2011، أشرفتم على تسيير هذه الهيئة المكلَّـفة بإعداد الإصلاحات السياسية. ما هي أبرز الدروس التي تستخلصونها من هذه التجربة الفريدة؟

عياض بن عاشور: لقد كنا في فترة ثورية، وفي مثل هذه الحالات لا يُـمكن للقانون أن يُـسيِّـر الواقع بشكل كامل، لكن ليس بالإمكان أبدا الاستغناء عن القانون، حتى في الحِـقب الثورية! نتيجة لهذين الاستنتاجين، كان لدينا آنذاك ما يُـشبه البرلمان من خلال الهيئة العليا. لقد كانت مشكّلة من أحزاب تتمتّـع بهالة لا شك فيها، لأنها قاومت دكتاتورية بن علي، بعض النظر عن أيديولوجياتها. لقد مارسوا جميعا المعارضة ثم تجمّـعوا لفترة ما بعد إضراب الجوع الذي نُـظم في شهر أكتوبر 2005 (بمشاركة معارضين من شتى الاتجاهات، يمينا ويسارا – التحرير)، من خلال هيئة مشتركة عادت للالتقاء في وقت لاحق لدى إعداد الدستور الجديد. وفي الواقع، كانت الهيئة العليا التي لا تتمتع بأي شرعية انتخابية، مبنية على التوافق.

الدرس الكبير الذي أستخلصه، هو أن توفُّـر هذا التوافق في المرحلة التي سبقت الثورة، أفادنا كثيرا. فهذه التجربة الديمقراطية التشاركية، هي التي تفسِّـر كيف نجحنا لاحقا في عبور هذه المرحلة الإنتقالية وتوصلنا إلى بلورة الدستور الجديد، الذي لا جدال في أنه دستور ديمقراطي، رغم وجود حزب إسلامي في السلطة!

سبعة أشهر من النقاشات والتجاذبات السياسية

14 يناير 2011: بعد أربعة أسابيع من المظاهرات والمواجهات مع قوات الأمن، غادر الرئيس السابق بن علي تونس ليُـقيم مع زوجته وبعض أفراد عائلته في المملكة العربية السعودية.

15 يناير 2011: عياض بن عاشور يقبَل عرض رئيس الحكومة بترأس لجنة الإصلاح السياسي، التي أسنِـدت لها مهمّـة تنقية دستور 2002 من الشوائب والقيام بمراجعة لأهم القوانين التي تنظِّم الحياة العامة والعملية السياسية في البلاد.

3 مارس 2011: بعد ضغط قوي من طرف الشارع والقوى السياسية والمركزية النقابية، أعلن رئيس الفترة الانتقالية الأولى وقف العمل للدستور وإنشاء "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" وأوضح أنها ستقوم بإعداد الإطار القانوني والقانون الانتخابي، تمهيدا لانتخاب المجلس التأسيسي الجديد.

بلغ عدد أعضاء الهيئة برئاسة بن عاشور 151 شخصا وضمت في صفوفها رجال قانون وممثلين بدرجات متفاوتة عن الأحزاب السياسية والجهات والشباب ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات المهنية، على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين وجمعيات القضاة، إضافة إلى شخصيات مستقلة.

13 أكتوبر 2011: بعد 7 أشهر من النقاشات والهزات، اختتمت الهيئة العليا أعمالها ذات الطابع السياسي والقانوني للمرحلة الانتقالية الأولى وتمكنت من بلورة القواعد التي تنظم انتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، كما انتخبت أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ونظِّـمت طريقة عملها.

23 أكتوبر 2011: تنظيم أول انتخابات حرة وديمقراطية في تونس لانتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية الجديدة وعددهم 217.

26 يناير 2014: صادق المجلس الوطني التأسيسي بأغلبية ساحقة من أعضائه (200 على 217) على نص الدستور التونسي الجديد.

26 أكتوبر 2014: تم انتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب (البرلمان الجديد) وتحصّـل حزب نداء تونس، الذي تأسس في يونيو 2012 (يضم في صفوفه أعضاء من الحزب الحاكم السابق ونقابيين وشخصيات يسارية ومستقلة) على 86 مقعدا، فيما تحصل حزب حركة النهضة (إسلامي) على 69 مقعدا.

18 ديسمبر 2014: انتُـخب الباجي قايد السبسي (88 عاما)، الذي ترأس الحكومة من مارس إلى ديسمبر 2011 وعمل وزيرا في حكومات بورقيبة، رئيسا للجمهورية بـ 55،68% من الأصوات.

5 فبراير 2015: تحصلت الحكومة الجديدة برئاسة الحبيب الصيد على ثقة مجلس نواب الشعب وضمت في صفوفها وزراء ينتمون إلى حزب نداء تونس وثلاثة أحزاب أخرى ذات توجهات ليبرالية ومحافظة، إضافة إلى بعض المستقلين.

swissinfo.ch: ما هو السر الكامن وراء هذا الاستثناء التونسي وسط عالم عربي مُـضطرب ومفتقر في معظم الأحيان إلى الحدود الدنيا من الديمقراطية؟

عياض بن عاشور: يتحدّر السر الكامن وراء ما يُـسمى بـ "الإستثناء التونسي"، من جملة من العناصر. أولا، هناك تجربة (الرئيس السابق) بورقيبة، الذي بثّ في بلادنا (رغم الطابع السلطوي لحُـكمه) إصلاحات حداثية عميقة جدا، وخاصة فيما يتعلق بقانون العائلة وتحرير المرأة وتعصير العقول. هذه الإصلاحات انغرست بشكل عميق جدا في العقل المدني التونسي الجديد من خلال القوانين أساسا، ولكن في العقليات أيضا.

هذا الميراث استعدناه! وبالفعل، دافع التونسيون بعد الثورة وبطريقة تكاد تكون عاطفية، عن مكتسبات المرأة. فعلى الرغم من تديُّـنهم العميق، احتفظ التونسيون من بورقيبة برفض أي خلط بين السياسي والدِّيني، لذلك منذ أن بدأ الجناح الراديكالي في الحزب الأغلبي (حركة النهضة – التحرير) في تحريك برامجه الكبرى لأسلمة الدولة والمجتمع، ردّت أغلبية المجتمع الفِـعل على الفور.

إن حظ تونس يتمثل في أنها مرت بتجربة إصلاحية طويلة تعود إلى القرن التاسع عشر، بل إن بورقيبة نفسه يندرج في مسار أطول بكثير، يبدأ مع القانون الأساسي الذي صدر في عام 1857، ثم مع أول دستور تونسي في عام 1861. لذلك، نحن نتوفر على تقليد إصلاحي ودستوري ودولتي شكّـل القاعدة الصلبة، التي استندت إليها تحركات المجتمع التونسي بوجه حكومة حاول جناحها الراديكالي على الأقل، أسلمة الدولة والمجتمع. وإذا ما تسنى لنا في نهاية المطاف الحصول على دستور ديمقراطي، فإن ذلك يعود إلى أن تونس كان لديها ما يكفي من الميراث التاريخي لتستنجد به في مواجهة هذه المحاولات.

swissinfo.ch: في نص نُـشر مؤخرا، أكّـدتم أن دستور 27 يناير 2014، "يبقى قبل كل شيء نتيجة للمواطنة الوليدة" في تونس. هل تعتقدون أن هذه الحيوية المواطنية ستتواصل وتتوسع؟

عياض بن عاشور: لقد قمنا بممارسة هذه التجربة للعملية الديمقراطية بأسلوب تلقائي، لأن المجتمع تعرض للاستفزاز من طرف هذه المحاولات الرامية إلى الأسلمة، ولأن نقاشا ديمقراطيا واسعا ترتّـب عنها.

لهذا السبب، قلتُ في المقال الذي أشرتم إليه، إنها كانت نتاجا لمواطنة وليدة، ذلك أن المواطنة تعني حرية الشخص المعني بالقانون وحرية كل فردٍ يتعين عليه تأكيد حضوره بوجه الدولة. هنا بتعلق الأمر بتوازنٍ دقيق يعسُـر العثور عليه – باستثناء الأنظمة الديمقراطية – ما بين القناعات الفردية والقناعات الجماعية من جهة، وبين حرية الفرد وسلطة الدولة من جهة أخرى. لهذا السبب، تحدثت عن "مواطنة وليدة". لقد تمكّـنا من الحصول على حرية الفرد تجاه الدولة والمجتمع، ولكننا لم نعثر بعدُ على نقطة التوازن.

عياض بن عاشور

من مواليد 1 يونيو 1945 في المرسى، الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية. رجل قانون تونسي متخصص في القانون العام والنظريات السياسية الإسلامية.

شغل منصب عميد كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية في تونس (1993 – 1999) وهو عضو في معهد القانون الدولي وعمل خبيرا ضمن لجنة الخبراء، التي كُـلِّـفت من طرف برنامج الأمم المتحدة للإنماء بإعداد التقرير الخاص بالتنمية البشرية في العالم العربي في عام 2007.

يوم 15 يناير 2011، تم اختياره لترأس اللجنة الوطنية للإصلاحات السياسية، التي تحولت بعد شهرين إلى الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، التي أنجزت معظم الأعمال السياسية والقانونية، التي أسفرت عن انتخاب هيئة تأسيسية جديدة في أكتوبر 2011.

نشر العديد من الكتُـب المعمّقة والعشرات من المقالات العِـلمية المحكّـمة. وهو يهتم بالخصوص بموضوع العلاقات القائمة بين الإسلام والممارسة السياسية، الذي خصص له في السنوات الأخيرة كتابين نشرا بالفرنسية: "في أسُـس الأرثودوكسية السُـنية (2008)" و"الفاتحة الثانية، الإسلام وفِكر حقوق الإنسان (2011)".

swissinfo.ch: على مدى السنوات الأخيرة، طُـرحت في تونس العديد من الأفكار الرامية إلى توسيع مشاركة المواطنين في عملية القرار (تم تخصيص باب في الدستور للحكم المحلي وأصبح بإمكان الرئيس اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي..) هل يُـنتظر أن تتطور هذه المقاربة التشاركية على المستويين المحلي والجهوي؟

عياض بن عاشور: المسائل التي أشرتم إليها هنا ليست سوى تقنيات قانونية، لكن الديمقراطية التشاركية ليست قضية قانونية، بل مشكلة ترتبط بالعقليات والتجارب. فالقانون لا يُـنشئ الظاهرة، لكنه ينظمها في وقت لاحق. ذلك أن العقل الجمعي (أو الأغلبي) لشعب ما، هو الذي يُـنشئ الظاهرة.

إذا ما استمرت العقليات على وضعها الحالي، فبإمكانك أن تُـعدّ أفضل الدساتير وأحسن القوانين في العالم، لكنك لن تتوصل إلى شيء، بل بالعكس فمن الممكن أن تزيد المشكلة تعقيدا. سأُعطيك مثلا: الديمقراطية المحلية والسلطة المحلية أمر جيِّـد، لكن بشرط أن تتوفّـر وحدة المجتمع القادرة على الصمود بوجه الانقسامات، أي أن تكون عوامل الوِحدة أكبر من عوامل التفرقة وأن يكون الرفاه متاحا أكثر من الفقر، لكننا رأينا خلال الأعوام الأخيرة، عودة ظاهرة القبلية، التي خلناها اختفت للبروز من جديد.

فإذا ما فتحتَ الطريق واسعا دون الإنتباه ودون أخذ الحيطة للحُـكم المحلي، فبإمكانك تشجيع هذا الصِّـنف من الإنقسامات الذي يُـمكن أن يتسم تاليا بقدر أكبر من الخطورة.

swissinfo.ch: في منتصف شهر مايو 2015، ستحتضن تونس الدورة الخامسة للمنتدى العالمي حول الديمقراطية المباشرة الحديثة. ما الذي يُـمكن أن تضيفه تظاهرة من هذا القبيل للديناميكيات الجارية حاليا في البلد؟

عياض بن عاشور: أعتقد أن هذا الصنف من التظاهرات، في ظل التغطية الإعلامية التي تصاحبها، لا يمكن إلا أن يفيد البلد، لأن إصلاح العقليات لا يتم إلا عن طريق التواصل والإعلام. فعلى سبيل المثال، كلما ازداد الإعلام عن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة الشعبية والانتخابات، كلما ترسخت في أذهان الناس ومنحتهم مستوى أعلى من الوعي. إنه مسار طويل جدا لا يمكن معاينته على الفور، لكن منتدى مثل هذا، سيكون مفيدا لتونس في ظل الاهتمام الإعلامي الذي سيُـحيط به على المستوى الوطني والدولي.

swissinfo.ch



وصلات

×