ديمقراطية مباشرة رقمية هؤلاء السياسيون السويسريون أدركوا أهمية "تويتر"



بقلم
أدريان فيشتر Adrienne Fichter




يكفي إلقاء نظرة على أعضاء البرلمان السويسري لمعرفة مدى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي لهم. 

يكفي إلقاء نظرة على أعضاء البرلمان السويسري لمعرفة مدى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي لهم. 

(Keystone)

يتحدث العالم بأسره الآن عن تويتر والفضل يرجع للتغريدات المتواصلة للرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، والتي كثيراً ما تكون محل خلاف. كما أصبحت خدمة الرسائل القصيرة هذه مُحببةً لدى السياسيين السويسريين. إلا أن العديد من أعضاء البرلمان الفدرالي لا زالوا يستخدمون شبكة التواصل هذه كوسيلة إتصال من جانب واحد. فمن يستمع حقاً للمواطنين؟ فيما يلي نميط اللثام عن هذا الأمر، في تصنيفنا للحوار الذي يُعتبر الأول من نوعه على مستوى سويسرا.

لم يعد امتلاك حساب على موقع تويتر شيئاً نادراً لدى رجال ونساء السياسة السويسريين في عام 2017. فقد أعلن الكثير من أعضاء البرلمان الفدرالي عن قرارات هامة عبر خدمة الرسائل القصيرة، بل إن بعض هؤلاء البرلمانيين قدم نفسه بالصور أثناء الحملات الإنتخابية من خلال تويتر.  

كذلك، أطلق بعضهم العنان لمشاعرهم الغاضبة على هذه الشبكة للتواصل الإجتماعي، كما تُظهر التغريدة التالية (باللغة الألمانية) التي أرسلها إيريك نوسباوماررابط خارجي، عضو مجلس النواب عن الحزب الإشتراكي:

ويجري التغريد على تويتر على قدم وساق، خاصة أثناء جلسات العمل السنوية الأربعة للبرلمان. فتحت وسم #parlCH ، الذي أصبح متداولاً بين مستخدمي تويتر السويسريين، يقوم أعضاء البرلمان بالتعليق على الأعمال السياسية الجارية. كما يعبّرون عن إستيائهم، حينما لا تسير الإقتراعات في المجالس على ما يرام. كما أنهم لا يترددون في تسجيل التصرفات غير المتوقعة من طرف خصومهم السياسيين بكاميرات هواتفهم الذكية.

فها هي تغريدة (بالألمانية) أرسلتها جاكلين بدرانرابط خارجي، عضوة مجلس النواب عن الحزب الإشتراكي، وتناولت فيها فاعلية إحتجاجية قامت بها كتلة حزب الشعب السويسري برفع لافتات داخل البرلمان: 

ليس هناك شك في أن تويتر يحظى بشعبية لدى ممثلي الشعب السويسري، خاصة بسبب سهولة التواصل مع رجال الإعلام، ذلك أن "تويتر يُعتبر شكبة تواصل مضاعفة وجبارة، يشترك فيها الكثير من الصحفيين أيضاً"، كما تقول خبيرة الإتصال ماري ـ كريستين شيندلر.

إلا أن خدمة التدوين المُوجزة هذه يُمكنها أن تصيب أعضاء البرلمان الفدرالي بالإدمان أيضا، وهذا أمر أصبح معلوما للجمهور. فقد أصيبت النائبة ناتالي ريكليرابط خارجي المنتمية إلى حزب الشعب السويسري (يمين متشدد) بإنهاك جسدي في عام 2012. وبعد أن نشرت على صفحتها أن "العمل، السياسية، فيسبوك، وتويتر ـ لقد كنت دائماً متوقدة الذهن. وكان الإنفصال والراحة هما الإستثناء"، ابتعدت لفترة طويلة عن شبكات التواصل الإجتماعي. واليوم عادت ريكلي لنشاطها وصنفت كواحدة من أكثر أعضاء البرلمان تأثيراً، بل جاءت في المركز الخامس.

"التأثير" لا يعني في هذا السياق السلطة أو القدرة على إثبات الرأي في النقاشات السياسية. ففي الآونة الأخيرة أصبح خبراء وكالة كوبليه Kublé للتواصل الإجتماعي يقيسون مدى التأثير السياسي بمؤشر أداء كلو Klout (أنظر الإطار المصاحب) وهذا في سياق تصنيف "مؤَثِر einflussreich.ch"رابط خارجي الذي استطاع أن يحتل مكانه هامة وإن ظل محل خلاف. في المقابل، لا يُتيح لنا مؤشر أداء كلو ولا المؤشرات الأخرى التي يتناولها الإعلام (كعدد المتابعين مثلاً) نتائج تكشف بحق عمَّن استطاع بالفعل فهم وسائل التواصل الإجتماعي.

ذلك لأن تويتر وفيسبوك يُعدّان وسيلتي نقاش بامتياز وليستا قناتين لإجراء حوار من طرف واحد. "الكثير من اللاعبين السياسيين برأيي لديهم فهم خاطئ لشبكات التواصل الإجتماعي. ذلك أنهم يستخدمونها في المقام الأول كوسائل لإيصال الرسائل الرسمية، أي بنفس استخدامهم لوسائل الإعلام التقليدية"، على حد قول كريستيان شينكل، مديرقسم التواصل الإلكتروني بمعهد الإعلام في لوتسرن.

إلا أن متابعي تويتر لا يريدون أن يكونوا فقط مستقبلين. فهم "يريدون أن يشاركوا أيضاً في الحوار"، كما يقول شينكل. فبعد مرور عشر سنوات على ميلاد تويتر، لا زال تبادل المعلومات أمرا غير بديهي لدى السياسيين. فالكثيرين منهم لايزالون داخل الفضاء الإلكتروني في حالة إرسال أيضاً، وهذا يوازي دورهم في الواقع. والأهم هنا هو السؤال: إلى أي مدى يمتلك البرلمانيون القدرة على إجراء حوارات إلكترونية؟

لهذا الغرض قامت swissinfo.ch بتقييم حسابات خمسين من أعضاء البرلمان تحصلوا على أعلى أداء على "مؤشر كلو" (انظر الإطار المصاحب). والسؤال: هل لدى ممثلي الشعب الذين يغردون بنجاح الإستعداد أيضا لإجراء حوار؟ صاحب المركز الأول يؤكد هذه النظرية.

(swissinfo.ch)

 فأكثر أعضاء البرلمان الفدرالي تأثيراً هو كذلك السياسي صاحب القدرة الأكبر على إجراء حوار، ألا وهو فيليب نانترمودرابط خارجي، وهو عضو البرلمان عن الحزب الليبرالي الراديكالي، البالغ من العمر 32 عاماً والمنحدر من كانتون فو. فهو يجيب بنسبة 59% من "التغريدات الحوارية" على أسئلة وتعليقات المستخدمين الآخرين، والتي تعد النسبة الأكبر. وقد أظهر نانترمود سعادة بحصوله على المركز الأول في هذا المنبر.

وبالنسبة إليه، فالأمر واضح، إذ ينبغي أن يقترن التواجد على شبكات التواصل الإجتماعي مع الإستعداد للإجابة على الأسئلة، كما أكد لـ swissinfo.ch. فالحوار مع الآخرين هو شيء أساسي لديه، وهذا هو بحسب رأيه "المبدأ الأساسي في السياسة".. "فأنت لا تسير في الشارع صامتاً، حينماً يحييك أحدهم أو يطرح عليك سؤالاً. فلماذا يكون الأمر مختلفاً داخل الفضاء الإلكتروني؟"

وعلى سبيل المثال، هكذا "يُغرّد" فيليب نانترمود، عضو البرلمان الفدرالي عن الحزب البرجوازي مع متابعيه:

(swissinfo.ch)

لكن المراكز التالية ليست دائماً متطابقة مع تصنيف "مؤثر". بمعنى أن السياسيين الذين يُحِدثون الكثير من الصدى طبقاً لمؤشر كلو للأداء، ليسوا بالضرورة مستمعون جيّدون. فعضوة البرلمان الفدرالي عن الحزب الإشتراكي بكانتون زيورخ مين لي مارتي مثلاً تلي نانترمود في الترتيب. إذ تحتل المركز السابع في تصنيف "مؤثر einflussreich.ch". وذلك لأن مين لي مارتيرابط خارجي تُجري حوارات بنسبة تقدر بـ 54% من جميع التغريدات، أي بنسبة تفوق المتوسط، مع مستخدمين آخرين. وهي ترى أن ردها على التفاعلات الصادرة من المتصلين بها  على شبكة التواصل الإجتماعي أمر بديهي. وتقول: "أنا أقوم بهذا بصورة واعية، ذلك أنني أرى أن شبكات التواصل الإجتماعي تصبح عديمة الجدوى بدون الحوار. وما أتجاهله هو فقط الإهانات والإستفزازات".

من ناحية أخرى، نجد أن كلا من عضو البرلمان الفدرالي ماتياس إبيشررابط خارجي عن الحزب الإشتراكي، ومارتين كانديناسرابط خارجي، عضو البرلمان الفدرالي عن الحزب الديمقراطي المسيحي، ليس لديهم ميل كبير لإجراء حوار مع متابعيهم على تويتر. وقد جاءوا في المراتب الأخيرة على تقييم swissinfo.ch. صحيح أن إسهاماتهم على تويتر تحدث بعضا من الصدى لدى متابعيهم، إلا أن ردود أفعال المتابعين لا يبدو أنها تحظى بأي اهتمام لدى كلا السياسيين.

سيرة ذاتية موجزة للكاتبة

شغلت أدريان فيشتر منصب رئاسة تحرير صحيفة نويه تسورخر تسايتونغ (تصدر بالألمانية في مدينة زيورخ) على شبكات التواصل الإجتماعي وتعمل حالياً كصحفية حرة على شبكة الإنترنت.

تتناول فيشتر على منصة #DearDemocracy التي تصدرها swissinfo.ch، الديمقراطية الرقمية المباشرة، خاصة التأثير الذي تحدثه التكنولوجيا الرقمية على منهج ومسار الديمقراطية المباشرة.

في المقام الأول، تقوم بدراسة أثر وسائل التواصل الإجتماعي على الإنتخابات والإقتراعات، وعلى مشاركة المواطنين الرقمية، وعلى الحكومة الإلكترونية وعلى كل من الوسائل التكنولوجية التي تدفع بالمواطنين للتفاعل والمشاركة (Civic Tech) والبيانات الرقمية المفتوحة (Open data).

في العصر الذي يتم فيه التداول السريع للأخبار الملفقة وتنتشر فيه روبوتات (بوتات) الإنترنت، بل وفي العصر الذي يمارس فيه دونالد ترامب السياسة بصورة مبالغ فيها على تويتر، في هذا العصر يصبح التناول السياسي للتحول الرقمي ذا أهمية متزايدة.

ونحن هنا في #DearDemocracy نلقي الضوء على التوجهات والفرص والمخاطر والردود السياسية عليها.

أما بالنسبة لماتياس إبيشر، يلعب عاملان يتعلقان بالوقت وبالإستراتيجية دوراً هاماً. "إنني أقوم بهذا وأنا على وعيٍ تام وهذا منذ البداية. فالردود عندي محلها الرسائل الإلكترونية. والإستثناء يكون فقط في حالة وجود أقوال خاطئة داخل التعليقات على تويتر أو فيسبوك. مثلاً حينما ادَّعى أحدهم، أنني ذو تأثير كبير على المستوى الأوروبي، فحينها تفاعلت معه. وكثيراً ما أُوكل عني آخرين للقيام بهذه المهمة".

كذلك الأمر بالنسبة كانديناس، فالتخلي عن الحوار لديه هو قرار واعٍ: "فعندما يبدأ المرء في هذا الأمر، فإن الجميع سينتظرون حدوثه، وسيزداد عدد الذين يتحاورون معك. وببساطة ليس لدي وقت لهذا". 

يعد عامل الوقت أحد أهم الأسباب التي يُعزى إليها تخلي العديد من أعضاء البرلمان عن الحوار الإلكتروني.

في المقابل، يُمكن أن يؤثر الإمتناع المستمر عن الرد على شبكات التواصل الإجتماعي سلباً على المدى البعيد على سمعة السياسي، على حد قول كريستيان شينكل، الذي يتولى تأهيل الصحفيين في معهد الإعلام بمدينة لوتسرن. ويضيف أنها عملية استثمار للكثير من الوقت، تلك التي يحتاجها الحفاظ على الحسابات على شبكات التواصل الإجتماعي.

شينكل أضاف "إن من يكرِّس نفسه بهذه الطريقة للتواجد على شبكات التواصل الإجتماعي، فإنه على المدى البعيد يستطيع بناء الكثير من العلاقات. وهذا يتطلب استراتيجية واضحة للتواصل على هذه الشبكات وفي المقام الأول الكثير الكثير من الوقت. ومن لا يعي هذا الأمر، فالأفضل له أن يتخلى عن الإلتزام بالتواجد على شبكات التواصل الإجتماعي".

بدورها، ترى خبيرة التواصل ماري ـ كريستين شيندلر أن التنازل عن التواجد على شبكات التواصل الإجتماعي شيء مشروع، خاصة إذا ما كان الأمر ناتجا عن قرار واعٍ من قِبل أحد السياسيين وكان هذا القرار قائماً على استراتيجية للتواصل. كما أن الإطار المحدد بـ 140 حرفاً قد يمثل عائقاً أمام إدراة حوار يتلاءم والمشكلات السياسية. وفي هذا الصدد، تقول شيندلر: "إن تويتر لا يتلاءم بالضرورة مع السياسة. فبعض الموضوعات شديدة التعقيد بحيث لا يمكن تناولها بحروف معدودة. كذلك فإن الإستفزازات تمثل صعوبة إضافية في حياة بعض السياسيين". على الجانب الآخر، يشعر عضو البرلمان عن الحزب الإشتراكي توماس إبيشر أن حاجز الـ 140 حرفاً للتغريدة الواحدة لا يُمثل عائقاً بوجه الحوار وإنما بالعكس: "فالـ 140 حرفاً تتناسب مع طبيعتي. فالتعبير عن موضوع بما قلَّ ودلَّ يروق لي".

رغم كل شيء، يبقى البريد الإلكتروني متربّعا على عرش التواصل لدى السياسيين السويسريين، كما تثبت عدة أبحاث صاحبت كتابة هذا المقال. فقد رد جميع أعضاء البرلمان على الطلبات الصحفية التي وُجّهت إليهم في غضون 15 دقيقة. 

كيف قمنا بالقياس؟

قامت swissinfo.ch بتقييم حوارات خمسين من أعضاء البرلمان الفيدرالي السويسري على تويتر خلال الفترة من الأول من يونيو 2016 وحتى السابع عشر من يناير 2017. وقد اخترنا هؤلاء البرلمانيين الذين حصلوا على أعلى معدلات على "مؤشر كلو لقياس الأداء Klout-Score". ويعد هذا هو الفيصل في قياس التأثير الرقمي على تويتر. فبجانب عدد وأهمية المتابعين فإنه يقيس عدد التفاعلات التي تُحدثها كل تغريدة. وهذا التصنيف يحظى بشعبية كبيرة، إلا أنه كذلك محل خلاف. ذلك أن الإمكانات المختلفة للتأثير عليه، مثل تسجيل الدخول على klout.com والدمج بينه وبين شبكات تواصل إجتماعي أخرى تُظهر فرصاً للتلاعب في النتائج.

ولقد استُخدِمت "الحوارات" كمعيار لقياس قدرة كل من البرلمانيين على النقاش، وهذا طبقاً لتعريف أدوات التحليل المتوفرة على FanpageKarma.net. فإن هذه الصفحة تقيس "نسبة الإجابات على التغريدات التي تحمل الرمز @، أي تلك التغريدات التي تمثل تفاعلاً مع حسابات أخرى على تويتر".

وكلما زاد معدل الحوارات، كلما اعتبر المستخدم منخرطاً أكثر في النقاشات مع الآخرين. وقد حصل فيليب نانترمود على أعلى مرتبة بين السياسيين السويسريين وهذا بنسبة وصلت لـ 59%. وبمعنى آخر: فإن حوالي ثلثي عدد تغريداته تمثل حوارات مع مستخدمين آخرين.

ولقد استغنينا عن إجراء مقارنة مماثلة على صفحات البرلمانيين السويسريين على فيسبوك. وكان السبب: إن معظم أدوات القياس المستخدمة لم يكن لديها القدرة على تقييم السلوك التفاعلي لمديري الصفحات.

هل تواصلت يوما مع أحد السياسيين على تويتر وهل حصلت على رد؟ شاركنا رأيك.

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×