Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

استخدام آليات الديمقراطية المباشرة


هل تحوّلت الشركات الخاصة في سويسرا إلى فاعل سياسي مؤثّر؟



بقلم أوليفيي بوشار




 انظر لغات أخرى 5  لغات أخرى 5
وظّف كارل شفيري، الذي ظل على رأس مجموعة "دينّير" الناشطة في مجال التجارة بالتجزئة حتى عام 1998، الحقوق الشعبية على نطاق واسع. (RDB)

وظّف كارل شفيري، الذي ظل على رأس مجموعة "دينّير" الناشطة في مجال التجارة بالتجزئة حتى عام 1998، الحقوق الشعبية على نطاق واسع.

(RDB)

 تتميّز المبادرة الشعبية "تحسين الخدمات العامة" التي سيجري التصويت عليها يوم 5 يونيو 2016 عن غيرها بكونها أُطلقت بمبادرة من شركة خاصة. ويندّد بعض المعارضين بهذا التمشّي الذي ينعدم فيه نسبيا الطابع الديمقراطي. أمّا الخبراء المتخصصون في الديمقراطية الذين تحدثت إليهم swissinfo.ch، فكانت مواقفهم أكثر دقة وتفصيل. 

مبادرة "تحسين الخدمات العامة" أطلقتها مجلات مدافعة عن المستهلكين في مناطق لغوية مختلفة. وهذا التمشّي غير عادي في تاريخ المبادرات الشعبية، التي تبادر بإطلاقها في العادة الأحزاب السياسية او الجمعيات المدنية. ولكن إذا كان هذا التمشي غير شائع، فإنه لا يعني أنه غير مسبوق في التاريخ السياسي السويسري. فقبل أكثر من عشرين عاما، أطلقت سلسلة متاجر "دينّير" للبيع بالتجزئة العديد من المبادرات وروّجت لها.

لكن استخدام أدوات الديمقراطية المباشرة من قبل شركات خاصة لا تجد الاستحسان لدى الجميع. كما هو الحال بالنسبة للنائب الاشتراكي رودجر نوردمان الذي يقول مندّدا: "هذا التمشي مثير للنقاش، حيث أن هذه المبادرة تفتقر إلى أساس ديمقراطي، كما لا يوجد داخل اللجنة المشرفة عليها أي توازن. وعادة عندما يقوم حزب سياسي أو جمعية مدنية بإطلاق مبادرة، تكون هناك مناقشات وسجالات، وتعقد جمعيات عمومية، ... اما في هذه الحالة، فلا شيء من ذلك قد حدث. لقد أتخذ القرار داخل مكتب مغلق. إنه تمش غريب بالنسبة لمبادرة شعبية!".  

ويقول النائب الاشتراكي: "في العادة، الجمعيات والاحزاب التي تطلق مبادرات يكون لها عدد مهمّ من الاعضاء ما يضفي نوعا من الشرعية الديمقراطية على النص الذي تصيغه. اما بالنسبة لمبادرة "تحسين الخدمات العامة"، فالمشكلة أننا لا نعلم بالضبط لا مصالح ولا أجندة هذه المجلاّت التي تقف وراءها. فلو أطلق مستوردو السيارات مبادرة لبناء المزيد من الطرقات. في هذه الحالة، الأمر واضح على الأقل".    

عامل نجاح أكثر منه إعاقة

يضفي الخبراء في مجال الديمقراطية المباشرة نوعا من النسبية على هذه المشكلة. ويقول باسكال سياريني، أستاذ علوم السياسية بجامعة جنيف: "صحيح، نحن متعوّدون أكثر على رؤية أحزاب سياسية او جمعيات مدنية تبادر بإطلاق مبادرات. ولكن إذا كانت الفكرة جيّدة، ويصوّت لها الناخبون، فحقا ليس في الأمر ما يثير الاستغراب أو الصدمة".   

أما بالنسبة لأندرياس غروس، النائب الاشتراكي السابق، والمؤلف لعدّة كتب حول الحياة السياسية في سويسرا، فالشركات تتمتّع بنفس الحقوق التي لدى غيرها، ويؤكّد أن "الشركات مكوّنة من عدد محدود من الأشخاص الذين بإمكانهم إطلاق مبادرات مثل أي مجموعة أخرى من الأشخاص. وبالتأكيد، عندما تطلق شركات خاصة مبادرات نفكّر مباشرة في المصالح الخاصة التي دفعتها لذلك. ولكن الامر لا يتعدّى كونه أحد العوائق. في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كان إسم دينّير عنصر نجاح أكثر منه عنصر إعاقة بالنسبة للمبادرات. 

 مبادرات "دينّير"

تأسست سلسلة المراكز التجارية للبيع بالتجزئة، دينّير، في نهاية القرن التاسع عشر، وظلت لفترة طويلة الموزّع التجاري السويسري الثالث، بعد العملاقيْن ميغرو وكوب.

كان على راس دينّير بين عامي 1951 و1998 كارل شفيري، الذي نجح في جعل مجموعة "دينّير" رائدة في مجال التجارة بالتجزئة بأسعار مخفّضة.

على المستوى السياسي، أطلق كارل شفيري ستّ مبادرات شعبية على المستوى الفدرالي بين عامي 1972 و2000، وعلى وجه الخصوص من أجل خفض تكاليف الرعاية الصحية، والتشجيع على إنشاء مساكن، ومكافحة العصابات، أو تسريع إجراءات الديمقراطية المباشرة. لكن تلك المبادرات جميعها رفضت بفارق اصوات كبيرا جدا.

لكن استفتاءاتها الأربعة في المقابل أيّدها الناخبون، بما في ذلك الإستفتاء الذي هاجم في عام 1968 القانون الفدرالي المنظّم للضريبة على التبغ. ومنذ 2007، أصبح دينّير تابعا لسلسلة ميغرو

ويتفق برونو كوفمان، رئيس تحرير منصة people2power المتخصصة في الديمقراطية المباشرة والتي يستضيفها موقع swissinfo.ch مع هذه الآراء حيث يقول: "لا أرى هنا أي مشكلة من حيث المبدأ، لأن هناك شفافية حول الدوافع التي تقف وراء لجنة المبادرة، وايضا لأن هناك داخل هذه الشركات المبادرة مواطنين الذين يهتمون بالموضوع ويرغبون في المشاركة في دعم الخدمات العامة بسبب مصالحهم الاقتصادية الخاصة". 

مع ذلك، لدى برونو كوفمان تحفّظ، ويشرح ذلك قائلا: "في سويسرا، ليس هناك تمسّك بالشفافية في تمويل الأنشطة السياسية عموما، وفي الحملات الانتخابية على وجه الخصوص. وهذا يمنع المواطنين من التوصّل إلى فهم دقيق لكيفية استخدام شخص او مجموعة ما لمبادرة شعبية".

 ليس مبررا للإقصاء

ولكن في الواقع، لماذا ينظر إلى شركة ما على أنها أقلّ ديمقراطية من جمعية هي لا تمثّل في النهاية سوى الأعضاء المنخرطين فيها وليس كل المواطنين؟ 

ويجيب برونو كوفمان: "من حيث التمتّع بالحقوق الشعبية، لا أميّز بين المنظمات الربحية وغير الربحية. وصفة التمثيلية ليست قيمة ميكانيكية، بل هي نتيجة إلتقاء بين مصالح مختلفة. وحق المبادرة أوالمطالبة بإستفتاء هو حق متاح لجميع المواطنين بغض النظر عن اشكال انتظامهم او الطريقة التي يريدون أن يكونوا ممثلين بها. وفي نهاية المطاف، المواطنون الذين هم أعضاء في اللجان المشرفة على المبادرات او الاستفتاءات، هم الأشخاص المستفيدين من هذه الحقوق".

من جهته، يعتقد أندرياس غروس أن "ما هو حاسم ليس التمثيل، ولكن لأي حد يتوافق موقف ما مع المصلحة العامة. وفي الواقع كل المجموعات تمثّل مصالح محددة تسعى إلى الدفاع عنها على المستوى السياسي، سواء تعلّق الامر بالمراكز التجارية التي تبيع بالتجزئة، أو بالمدافعين عن المستهلكين، أو حتى المنظمات الصديقة للبيئة، حتى وإن اختلفت وتنوّعت أشكال الإنتظام".

ويضيف غروس: "ما يفرّق بينها تقريبا، هو مدى توافق مصالحها الخاصة مع المصلحة المشتركة. ولكن التقديرات هنا تظل نسبية ولا يمكن أن تكون مبررا للإقصاء والإستبعاد". 

 حدود التأثير

في المستقبل، هل سيُسجّل استخدام أكبر من الشركات لأدوات الديمقراطية المباشرة؟ هذا أمر غير مستبعد. ويقول أستاذ العلوم السياسية باسكال سياريني: "كل الروابط أو الجمعيات المهنية الكبرى، مثل رابطة الشركات السويسرية أصبحت تجد صعوبة أكثر فأكثر في التوفيق بين مصالح اعضائها. ومن هناك، أصبحت الشركات تميل إلى العمل منفردة من اجل تحقيق أهدافها الخاصة. ويبقى أن نرى إذا ما كانت هذه الشركات قادرة على جمع التوقيعات اللازمة. وحتى الآن لم تقدر على فعل ذلك سوى الأحزاب والجمعيات المدنية التي لديها القدرة المالية والبشرية، وايضا الهيكلة الإدارية والتنظيمية المناسبة".      

من جهته، يرى برونو كوفمان كذلك، وجود قيود وحدود لمساعي هذه الشركات لتوظيف ادوات الديمقراطية المباشرة. ولا يعتقد هذا الاخير "في زيادة كبيرة في هذه المبادرات، لأنه ليس من السهل ابدا، على الأقل على المستوى الفدرالي، لجمع ما يكفي من التوقيعات، خاصة إذا كانت هذه الشركة أو تلك غير معتادة على القيام بلك، وإذا ما أبدى عدد كبير من المواطنين ريبة وشك او عارضوا استخدام آليات الديمقراطية المباشرة من طرف الشركات الخاصة". 

يشكّ أندرياس غروس كذلك في حدوث توسع في استخدام الديمقراطية المباشرة من طرف فاعلين اقتصاديين. وبالنسبة لغروس: "يمكن للمرء أن يتصوّر إطلاق مبادرة لكل مجموعة من الشركات. ولكن هذا الامر يبدو مستبعدا، لأن هذه الدوائر تمتلك قنوات وقدرة على التأثير وعلى إسماع صوتها إلى الحكومة وإلى البرلمان والإدارة. ومثل رجال الأعمال هؤلاء يمتلكون ما يكفي من النفوذ، وبالتالي ينبغي عليهم في المستقبل عدم الإلتجاء إلى الحقوق الشعبية إلا في الحالات النادرة". 


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch

×