Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

وجهة نظر


دروس مُستفادة من وسط الحرائق





بقلم: برونو كوفمان، من الإسكندرية وأوسلو

في خِضَم الظلام الذي يُرخي ستاره على العديد من دول العالم العربي، يرى برونو كوفمان، خبير العلوم السياسية والكاتب والباحث في شؤون الصراعات، ورئيس تحرير موقع people2power.info، أنه توجد هناك "بعض المؤشرات المُشجّعة" باتجاه العملية الديمقراطية.

"إنها ليست سوى الخطوة الأولى، ولكنها مُهِمّة جداً"، كما تقول آمال المُعَلِّمي، في إشارة إلى فَوز قُرابة 20 إمرأة سعودية بِعُضوية المجالس البلدية في أول انتخابات بلدية شاركت فيها النساء تَرَشُحاً وانتخاباً في جميع أنحاء المملكة الغنية بالنفط في شبه الجزيرة العربية، والتي جَرَت يوم 12 ديسمبر الجاري.

مؤخراً، شاركت السيدة المُعلَّمي التي تَقود ما يُسمى بِالقِسم النسائي في مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني الذي يَقَع مَقَرّه في مدينة الرياض، في الإجتماع الدولي الأول لتعزيز سُلطة الشعب في مصر منذ استيلاء عبد الفتاح السيسي، القائد العام للقوات المسلحة السابق (والرئيس الحالي) على السلطات السياسية في عام 2013. وجَمَع هذا المؤتمر الدولي الذي حَمَل عنوان "الديمقراطية من أجل القرن الحادي والعشرين" والذي نظمته مكتبة الإسكندرية - إحدى المنارات الفكرية والثقافية في العالم العربي - حَشداً رائعاَ من الأشخاص المُروجين للديمقراطية، في وقتٍ تشهد فيه فكرة السلطة الحقيقية للشعب تراجُعاً كبيراً في المنطقة.

وكان عام 2015 الذي يُوشك على الإنتهاء قد قَّدم المزيد من أسوإ أعمال العُنف الطائفي والتَدَخُل الدولي والإستبداد السافر والأعمال الإرهابية في العديد من الدول العربية، بِضِمنِها المملكة العربية السعودية ومصر. وبحلول فصل الخريف، تطورت الأزمة القائمة التي نشأت مما يُسمى بالربيع العربي إلى أسوإ مِحنة للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، ليس في الشرق الأوسط فَحَسْب، لكن في أوروبا أيضاً. وكان ملايين الأشخاص قد فرّوا من مناطق الصراع في سوريا وأفغانستان والعراق، سالكين طُرُقاً خَطِرة ومُميتة عَبْر البحار والقارات في معظم الأحيان. ووفقاً للأخبار والعناوين الرئيسية في المنطقة، لن تكون لمُعظم الأشخاص القدرة على تحديد أي مؤشرات ديمقراطية وسط كل هذه الحرائق.

مع ذلك، سَمَحَ مؤتمر الديمقراطية الذي انعقد (من 9 إلى 11 ديسمبر 2015) في مكتبة الإسكندرية، تحت رعاية مديرها الدكتور إسماعيل سراج الدين في خطوة شجاعة، بِمُناقشة الخُبراء والساسة والصحفيين ونُشطاء المُجتمع المدني من مُختلف أنحاء الشرق الأوسط ودول عديدة أخرى، الخيارات والحدود الحالية لِسُلطة المواطن. وكشفت اللّجان وورش العمل المُختلفة في المؤتمر عن تطورات مُثيرة جداً للإهتمام، بما في ذلك مبادرات جديدة لإدخال الديمقراطية المباشرة في أفغانستان التي تعصف بها الحرب ومشروع لتعزيز الحُكم التشاركي محليا في الدول المُقسّمة والفاشلة تقريباً مثل ليبيا.

"نحن جميعاً مُنهَكون بعد أعوام من الإضطرابات"، كما قالت فريدة العلَاقي، الناشطة المُناهضة منذ زَمَن لحكم الدكتاتور السابق معمر القذافي في الإجتماع. "لقد حان الوقت الآن لبناء مجتمعاتنا من الصِفْر"، كما أضافت العلّاقي [التي تشغل حاليا مَنصب القائم بالأعمال في بعثة ليبيا لدى الإتحاد الأوروبي]. وقد بعثت حقيقة إمكانية انعقاد مثل هذا الحَدث المفتوح والحُرّ في مصر اليوم، إشارة تشجيع واضحة للعديد من مئات المشاركين من شتى أنحاء العالم. وخلال المحادثات الجانبية الخاصة التي جَرَت على مائدة العشاء، أعرَب المثقفون المصريون عن قلقهم بشأن التطبيق المَحدود لحقوق الإنسان وفُرَص الديمقراطية في ظل النظام الحالي. "لدينا مساحة كبيرة جداً للعمل طالما أننا لا نتعدى علانية الخطوط الحمراء المُتعلقة بالإسلام السياسي أو الخطابات المناهضة للجيش"، كما أكَّد أحد الناشطين.

وكانت المحادثات والمُداخلات والمُناقشات المُثيرة للإهتمام في مؤتمر الديمقراطية في الإسكندرية، ثاني أكبر المدن المصرية (بواقع 4.1 مليون نسمة)، قد أظهرت إمكانية حقيقية لسلطة الشعب في هذا الجُزء من العالم، على الرغم من السّمعة التي تُغَلِّف مجتمعات هذه المنطقة باعتبارها شديدة التَدَيُّن وتعتمد أساليب العصور الوسطى في قوانين العقوبات .

ولا يُمكن لشيء أن يؤكد هذا المنظور الإيجابي أكثر من حَدَثٍ تابعه العالم في الوقت نفسه على بُعد نحو 5000 كيلومتر شمال الاسكندرية، ألا وهو حَفْل تسليم جائزة نوبل للسلام لهذا العام في أوسلو. ومع توجهي على وجه السرعة صوب الشمال مُستقلاً طائرة أخذتني من الإسكندرية إلى إسطنبول، ومن ثَمَّ إلى أوسلو، وجدت نفسي جالساً بجوار نساء يتحَدَثْنَ بِجُرأة مِن مصر وإيران والعراق، يَعمَلْن كأستاذات وقادة أعمال في دول يُفترض أن لا يكون فيها للمرأة رأي مسموع كثيراً في الفضاءات العامة.

ومع وصولي إلى شتاء النرويج المُظلم في يوم ذكرى وفاة الصناعي السويدي الشهير ألفرد نوبل - راعي الجوائز الأكثر شهرة في العالم - التقيتُ بمئات النشطاء المُتحمسين للديمقراطية من تونس، التي مُنِحَت منظماتها الأربع التي شكلت ‘الرّباعي الراعي للحوار الوطني’ جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودها بالتوسط في الحوار بين المُجتمع المدني والمؤسسات الرَسمية. وفي طليعة التونسيين الذين حازوا على هذه الجائزة، وقف حسين عباسي، الرمز غيرالمتوقع للبلد العربي الأكثر نجاحاً قَدْر تَعَلُّق الأمر بالجهود الأخيرة المَبذولة لتحقيق الديمقراطية. وكان الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل والبالغ 68 عاماً من العمر يمثل واحدة من المنظمات الأربعة التي نَهَضَتْ ونَظَّمَت حواراً وطنياً في وقتٍ كانت فيه البلاد على شَفير حرب أهلية في عام 2013.

ومن خلال إطار هذا الحوار الوطني، توصلت تونس اليوم إلى تقاسم السُلطة وصياغة الدستور وحُكم الديمقراطية التشاركية. وكانت تونس قد وضعت في بداية العام الماضي (27 يناير 2014 - التحرير) دستورا جديداً (ديمقراطياً وحديثاً جداً) وثَبَّتَت في آخر السنة الماضية قادة في رئاسة الجمهورية والبرلمان تم انتخابهم بِحُرّية. وتقديراً لهذا الجُهد البالغ الأهمية لِجَعل سلطة الشعب حقيقة واقعة، تم مَنْح الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان جائزة نوبل للسلام عن استحقاق. وللمَرَّة الأولى في تاريخها المُمتَد لـ 114 عاما، خُصصت هذه الجائزة لعملية ديمقراطية وليس إلى شَخص أو منظمة بعينها.

ومع قُرب نهاية هذه "السنة المُروعة" بالنسبة للعالم العربي، تنبثق بعض الدروس المُستقاة من وسط كل هذا الإحراق. إذ يبرز هناك الآن زَخمٌ صوب الديمقراطية، تعكسه جائزة نوبل التونسية، والإجتماع المؤيد للديمقراطية في مصر وأيضاً تلك الخطوات الأولى التي اتخذتها النساء السعوديات للتصويت والفَوز في انتخابات المجالس البلدية للمرة الأولى في تاريخ بِلادهنّ. 

تستضيف swissinfo.ch من حين لآخر بعض المُساهمات الخارجية المختارة. وسوف ننشر بانتظام نصوصا مختارة لخبراء، وصانعي قرار، ومراقبين متميّزين، لتقديم وجهات نظر تتسم بالعمق والجدّة والطرافة حول سويسرا أو بعض القضايا المثيرة ذات العلاقة بهذا البلد. ويبقى الهدف في نهاية المطاف تفعيل الحوار ومزيد إثراء النقاش العام.

الأفكار الواردة في هذا المقال لا تعبّر سوى عن آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر swissinfo.ch.

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×