Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

وجهة نظر


بلورة ثقافة الشفافية والحوكمة الرشيدة.. بداية الحلّ!





بقلم: شاكر بوعجيلة - تونس

نجحت الحملة التي أطلقها عدد من النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي حول ملف الثروات الطبيعية في تونس وحملت شعار "وينو البترول" (أين البترول؟) في تحريك الرأي العام الوطني من جديد بعد أن ظنّ الكثيرون أنّه ملّ الشأن العام وهجر السياسة وقضاياها. إذ تحولت هذه الحملة إلى مطلب شعبي يُنادي بفتح ملفات الثروات الطبيعية وطرق استغلالها التي تفتقد حسب الكثيرين إلى الشفافية والحوكمة الرشيدة وتحوم حولها شبهات فساد وسوء تصرف وإخلالات شتى.

هذه الحملة الشعبية التي انخرط فيها التونسيون بكافة أطيافهم دفعت إلى إعادة فتح ملف استغلال الثروات الطبيعية وطرحت عدة أسئلة ظلت دون أجوبة تتعلق بطريقة إبرام الحكومة للعقود مع الشركات البترولية وطرق منحها لرخص التنقيب وتجديدها خاصة وأنّ الفصل الثالث عشر من الدستور يؤكد على سيادة الشعب على ثرواته "الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، تمارس الدولة السيادة عليها باسمه" وعلى وجوب إطلاعه على عقود استغلال ثرواته "تعرض عقود الإستثمار المتعلقة بها على اللجنة المختصة بمجلس نواب الشعب. وتُعرض الإتفاقيات التي تبرم في شأنها على المجلس للموافقة".

ولعلّ تزامن انطلاق هذه الحملة المطالبة للدولة بالشفافية وإطلاع الشعب التونسي على حقيقة موارده الطبيعية وآليات التصرف فيها مع تواصل التحركات الإجتماعية في بعض مناطق الجمهورية وخاصة في منطقة الفوار والحوض المنجمي بالجنوب الغربي، قد ساهم في إعطاء زخم لهذه الحملة التي اكتسبت بُعدا شعبيا وسياسيا تحولت بموجبها إلى ساحة للتجاذبات السياسية أعادتنا إلى فترة حكم الترويكا (الأحزاب الثلالثة التي شكلت حكومة ائتلافية في تونس بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011).

فقد اصطفّ حزب التيار الديمقراطي والمؤتمر من أجل الجمهورية والبناء الوطني إلى جانب هذه الحملة بينما عارضها حزب آفاق تونس وحركة النهضة و حزب نداء تونس الذي أصدر بيانا شديد اللهجة حذّر فيه من "العواقب الوخيمة الناجمة عن حملة التغليط الممنهجة (وينو البترول)"، واعتبر أنها "تسعى إلى إشعال نيران النعرات الجهوية والتفتين والتقسيم". وقد تعمّق هذا التجاذب من خلال التباين في ردود الفعل من تفريق قوات الأمن لوقفة حملة "وينو البترول" يوم السبت 6 يونيو 2015 بشارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة بين داعم لتصرف قوات الأمن ومعارض له وصل إلى حد دعوة أحزاب التيار الديمقراطي والمؤتمر من أجل الجمهورية والبناء الوطني إلى تنظيم وقفة عشية يوم السبت الموالي (13 يونيو) لدعم شباب الحملة الذين فرقتهم قوات الأمن.

بيّنت هذه الحملة قدرة شبكات التواصل الإجتماعي على تعبئة الرأي العام 

وبعيدا عن هذا التجاذب السياسي الذي ارتبطت به حملة "وينو البترول" في مرحلتها الحالية، يتعيّن أن تبقى هذه الحملة بعيدة عن أي تأثير وتوظيف سياسي. إذ يجب أن لا تنسى أن قوتها الأساسية وزخمها قد جاء من تحررها من السياسي وتركيزها على مطالب الشفافية والحوكمة الرشيدة .

إن نجاح هذه الحملة الداعية للتدقيق في ثروات البلاد الطبيعية من بترول وغاز طبيعي وملح وإطلاع الرأي العام على حقيقتها يعود أساسا إلى فقدان جزء هام من الشعب التونسي الثقة في طريقة إدارة الحكومات المتتالية لهذا الملف خاصة بعد كشف تقرير هيئة الرقابة المالية لسنة 2012 واللجنة الوطنية لتقصي الفساد والرشوة برئاسة المرحوم عبد الفتاح بن عمر عن وجود إخلالات كبيرة في عدة عقود وغياب للحوكمة وتضارب غير مفهوم في الأرقام. وهو ما ولّد حالة من الضبابية فتحت الباب للتأويلات التي عمقت الشعور لدى الأهالي في بعض الجهات بالحيف وبأنّ ثروات مناطقهم لا تُستغل بطريقة ناجعة.

وقد عجز للأسف وزير الصناعة والطاقة و المناجم زكريا أحمد في الردود التي قدمها خلال جلسة استماع عقدت يوم 7 يونيو 2015 في مجلس نواب الشعب من ملامسة جوهر إشكالية حملة "وينو البترول" وهو إطلاع الشعب التونسي على آليات تسيير واستغلال الطاقة في تونس بشكل شفاف، حيث اكتفى ببعض الإجابات التقنية غير الكافية عن كيفية منح الرخص والتجديد وبعض الشبهات التي تحُوم حول سوء الإستغلال وبإظهار ضرر هذه الحملة على الإستثمار في قطاع الطاقة.

يعكس نجاح هذه الحملة الشعبية "وينو البترول" كذلك تشكلّ وعي لدى جزء هام من الشعب التونسي بأنّ الحلّ الحقيقي للخروج من الأزمة الإجتماعية في تونس وحالة الإحتقان الإجتماعي الراهنة، يكمُن أساسا في بلورة ثقافة الشفافية والحوكمة الرشيدة التي مازالت مفقودة إلى حدّ بعيد في ملف الطاقة والثروات الباطنية وكذلك الإسراع بتطبيق ما جاء في الفصل السابع من الدستور الداعي إلى إرساء اللامركزية والحكم المحلي بما يُمكّن من توزيع عادل للثروات ويرسل إشارات إيجابية للتونسيين وخاصة أهالي المناطق المهمّشة بالأمل في إمكانية تغيير جهاتهم وإنصافهم ورفع الحيف الذي سُلّط عليهم لعقود، وهذا سيُسهم حتما في انحسار هذه التحركات الإجتماعية المتواترة حين يلمس الأهالي بأنّ الدولة مهتمة بتنمية مناطقهم من خلال إعادة استثمار جزء من تلك الثروات في جهاتهم.

إنّ تبنيّ هذه الرؤية التشاركيّة في معالجة ملف الثروات الباطنية من خلال إطلاع الشعب التونسي على حجمها وطريقة استغلالها وإعادة استثمارها بكلّ شفافية سيؤدي حتما لإعادة ثقة التونسي في طريقة إدارة الدولة لثرواته وحرصها على إنصافه من خلال تحقيق التنمية العادلة في الجهات التي حُرمت منها خلال العقود الماضية بفضل تبنيّ الدولة لخيارات مركزية أهملت هذه الجهات المنتجة والتي باتت ترى في هذه الثروات نقمة عوض أن تكون نعمة. ومن المهمّ في هذا الصدد الإنصات لأهالي منطقة الحوض المنجمي وتفهّم معاناتهم وشعورهم بالظلم من عدم قدرة الحكومات منذ الإستقلال على خلق نسيج صناعي وخدماتي يمكّن الجهة من الخروج من حالة التهميش التي تعانيها رغم الثروات الهائلة التي تنتجها من استخراج مادة الفسفاط وعجزها عن إيجاد بديل تنموي يُعاضد شركة فسفاط قفصة التي باتت عاجزة لوحدها عن استيعاب طلبات التشغيل وتطويق الإحتجاجات التي أصبحت تؤثر جديا على توازنها المالي.

لقد بيّنت هذه الحملة في جانب ثان منها قدرة شبكات التواصل الإجتماعي على تعبئة الرأي العام حيث تجاوز عدد المنخرطين في هذه الحملة رقم المليون وخاصة توجيه وسائل الإعلام التقليدية من إذاعات وقنوات تلفزيونية نحو القضايا الحقيقية للشعب التونسي وهو أمر يُعيد لنا الدور الذي اضطلعت به هذه الشبكات من فايسبوك و تويتر في إسقاط حكم بن علي، وهذا في حدّ ذاته يُعتبر إنجازا لأنّه يؤكد مرة أخرى على الدور الهام لشبكات التواصل الإجتماعي في خوض المعارك المواطنية المتحررة من سلطة المرجعيات السياسية التقليدية واللوبيات المالية التي تتحكم للأسف في جزء من المشهد الإعلامي في تونس.

إنّ نجاح هذه الحملة والتفاف جزء هام من المواطنين حولها يرجع بالأساس إلى عفويتها وتحررّها من ربقة الأحزاب السياسية و قدرتها في الآن نفسه على رسم تطلعات هذا الشعب في رؤية منوال تنمويّ بديل يحقق له العدالة الإجتماعية ويُسهم في تقليص الإختلال الجهوي الذي تعيشه تونس، وهو مطلب لايمكن أن يتحقق دون أن يدرك الشعب التونسي حجم ثروته وكيفية إداراتها واستغلالها وإعادة توزيعها، وهذه هي الرسالة الحقيقية من هذه الحملة التي من المؤمل أن تلتقطها الحكومة وكافة الطبقة السياسية وتعمل على معالجتها دون مكابرة وعناد.

الأفكار الواردة في هذا المقال لا تعبّر سوى عن آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر swissinfo.ch.

تستضيف swissinfo.ch من حين لآخر بعض المُساهمات الخارجية المختارة. وسوف ننشر بانتظام نصوصا مختارة لخبراء، وصانعي قرار، ومراقبين متميّزين، لتقديم وجهات نظر تتسم بالعمق والجدّة والطرافة حول سويسرا أو بعض القضايا المثيرة ذات العلاقة بهذا البلد. ويبقى الهدف في نهاية المطاف تفعيل الحوار ومزيد إثراء النقاش العام.

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×