Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

آليات الديمقراطية المباشرة


الإقتصاد مُستفيد بارز من انخراط المواطنين في العملية السياسية


بقلم أورس غايزر


مواطنون سويسريون من كانتون برن يدلون بأصواتهم في استفتاء عام أجري يوم 18 مايو 2014 حول موضوعات شتى من بينها منع المدانين في قضايا إساءة للأطفال من العمل معهم مرة أخرى، ومبادرة "من أجل اأجور عادلة"، وصفقة اقتناء طائرات "غريبن" السويدية الصنع لصالح الجيش. (Keystone)

مواطنون سويسريون من كانتون برن يدلون بأصواتهم في استفتاء عام أجري يوم 18 مايو 2014 حول موضوعات شتى من بينها منع المدانين في قضايا إساءة للأطفال من العمل معهم مرة أخرى، ومبادرة "من أجل اأجور عادلة"، وصفقة اقتناء طائرات "غريبن" السويدية الصنع لصالح الجيش.

(Keystone)

وفي مقابلة خص بها swissinfo.ch، يقول ستوتزر إن مقارنة دولية أنجزها المعهد الدولي لتطوير الإدارة في لوزان (IDM) أظهرت أن البلدان التي تتبع في إدارة شؤونها أنماطا من الديمقراطية المباشرة تحقق نتائج جيّدة من حيث الرفاه الإقتصادي والقدرة التنافسية.

كما يعتقد ستوتزر، أستاذ الإقتصاد في جامعة بازل، أن الإستقرار السياسي "ضروري وحيوي لجذب الإستثمارات والمساهمة في الإزدهار الإقتصادي". 

swissinfo.ch: كيف تتعامل الدوائر الإقتصادية مع الديمقراطية المباشرة في سويسرا؟

ألواس ستوتزر: لا تُعاني الشركات من تأثيرات سلبية بسبب الديمقراطية المباشرة كما هي ممارسة في سويسرا، بل هي على العكس تستفيد من مزاياها.

وهذا الرأي يستند إلى ما ورد في تقرير التنافسية العالمية على سبيل المثال، الذي يقيّم نوعية الأنظمة والخدمات والبنية التحتية والتعليم والقوى العاملة المحتملة فضلا عن سبل الحصول على رؤوس الأموال.

وإذا نظرنا إلى البنية التحتية والخدمات العامة من جهة ما هي جزءٌ من البيئة المؤسساتية الشاملة، في هذه الحالة، أعتقد، وبعبارات عامة جدا، أنه لا يُمكن للشركات أن تتعايش بشكل جيّد جدا مع الديمقراطية المباشرة فحسب، بل إنها توفّر لها أفضل الظروف الملائمة لتحقيق الأرباح التي تسعى لها وإنجاز الانشطة المبتكرة التي تريد أيضا.

swissinfo.ch: كيف يقيس علم الإقتصاد مزايا الديمقراطية المباشرة؟  

 ألواس ستوتزر: عبر ارساء علاقة تناظرية على سبيل المثال بين الإستخدام الفعّال للموارد وصرف التمويلات العامة وتوجيهها بكفاءة. في سويسرا، الناخبون على المستويْين البلدي والكانتوني هم الذين يُقررون مثلا بشأن إمكانية تشييد مدرسة أو مسبح عام.

إقامة بنية تحتية جديدة في بعض الحالات، قد لا يكلّف إلا مبلغا محدودا من أموال دافعي الضرائب، ولكن انظر إلى ألمانيا وإسبانيا حيث تخرج تكاليف تشييد المطارات مثلا عن السيطرة، أو يتعطّل إنجاز المشاريع أو تظلّ غير مكتملة. ونفس الشيء، يمكن ملاحظة تأثير الديمقراطية المباشرة على مستوى معدّلات الضرائب أيضا، ولكن بدرجة أقلّ.

إذا كان دافع الضرائب واثقا من قدرته على التحكّم في اختيارات الدولة، فإنه قد يكون مستعدا لتخصيص المزيد من الموارد، مقابل الحصول على المزيد من الخدمات: دفع ضريبة عالية مقابل بناء قاعة تسمح للجمهور بالإلتقاء والتجمّع في ظروف مريحة على سبيل المثال. ولكن إذا كانت الثقة منعدمة في السياسيين، فقد لا يكون المواطن مستعدا للمساهمة.

ويبيّن المثال اليوناني والإسباني والإيطالي إلى أي حدّ تعتبر السياسة المالية المستدامة والديْن العام المنخفض، أمريْن بالغيْ الأهمية لإيجاد وضعية مناسبة لازدهار الإقتصاد.

أما الشركات التي تخطط وبشكل مسبق لعدة سنوات للإستثمار في منشآت جديدة، فقد تفقد الثقة في حكومات تعهّدت بدفع معاشات كبار السن، ولكنها تلتجئ - للقيام بذلك -  إلى مراكمة الديون. أما في سويسرا، فإن مستوى الديْن العام يظل منخفضا نسبيا. 

swissinfo.ch: وماذا عن العيوب المُحتملة للديمقراطية المباشرة (الإقتراع العام ومشاركة المواطن المباشرة في صناعة القرار) بالنسبة للإقتصاد؟  

ألواس ستوتزر: هذا لا يعني أنه ليس هناك حالة من الضبابية وعدم اليقين أيضا في سويسرا. ولكن يجب النظر إلى ذلك من منظور مقارن. بعد تصويت الناخبين العام الماضي لصالح فرض قيود على هجرة مواطني الإتحاد الأوروبي إلى سويسرا في استفتاء شعبي، ساد نوع من الغموض.

 لكن عدم اليقين القانوني هذه يمكن في بعض الأحيان أن يكون أسوأ في ظل النظام البرلماني المحض الذي يميل إلى إدخال تغييرات متسارعة – في أغلب الأحيان أكثر مما يحصل في ظل الديمقراطية المباشرة -.

وقد يبدو عدم اليقين أكثر وضوحا في الوقت الراهن في سويسرا. ويمثّل هذا تناقضا صارخا مع السمة الرئيسية للنظام الإقتصادي والسياسي المستقرّ في سويسرا. 

swissinfo.ch: إلى أي حدّ يُسبب العدد المتزايد من المبادرات الشعبية قلقا وإنزعاجا للدوائر الإقتصادية، خاصة تلك المبادرات التي ليست "صديقة" للنشاط الإقتصادي؟ 

ألواس ستوتزر: بداية دعونا نرى من هم الإقتصاديون؟ وما حدود المجال الذي يسمى اقتصادا. وهل المبادرات التي ينظر إليها على أنها متعارضة مع المصلحة الإقتصادية هي تلك التي تنتقدها رابطة أرباب العمل السويسريين، أكبر مجموعة للمصالح الإقتصادية في البلاد.

لكن المستهلكين، ودافعي الضرائب والعمال الذين يشاركون في تمويل صناديق نظام التأمينات الإجتماعية هم أيضا جزء من النسيج الإقتصادي؟ 

الأسواق المالية أيضا هي أحد العوامل التي يجب ان تؤخذ في الإعتبار. ولكن من المفارقة، أنه لم تكن هناك ردود فعل كبيرة على النتائج التي لم تكن متوقعة في استفتاء "ضد الهجرة الجماعية".

وقد مثّلت انعكاسات استفتاء الهجرة مشكلة في المقام الأوّل للشركات الصغرى والمتوسطة، لأنه ليس لديها فروع في الخارج، كما أنه ليس من السهل بالنسبة لها ترحيل أنشطتها إلى بلد آخر. 

في المقابل بالإمكان القول أن كثرة المبادرات هي دليل على وجود توتّرات داخل المجتمع، وأن الإستفتاءات هي الطريقة المنظمة والمعقولة لإيجاد حلول لتصريف تلك التوترات.

 في البلدان المجاورة، مثل ألمانيا والنمسا وفرنسا، يقود فشل سياسات الهجرة في أغلب الأحيان إلى احتجاجات عامة، أو إلى توسّع صفوف المناصرين لليمين المتطرّف أو إلى ظهور مشكلات من نوع آخر.

في ظل النمط السويسري للديمقراطية المباشرة، أدّى التصويت الأخير "ضد الهجرة الجماعية" إلى حالة من عدم اليقين السياسي ستكون له انعكاسات اقتصادية. 

swissinfo.ch :  لماذا يمثّل اليمين المتطرّف مشكلة للإقتصاد في أي بلد؟ 

ألواس ستوتزر: يمكن النظر إلى وجود التطرّف في أي مجتمع كمؤشّر على أن المشكلات السياسية والإجتماعية لم يتم التعامل معها بطريقة بناءة ومنتجة. فالفشل في معالجة قضايا الهجرة والإندماج يؤدي إلى أعمال الشغب والإضطرابات الإجتماعية التي تؤدي بدورها إلى إعاقة الإقتصاد وتباطؤ النموّ والإضرار بالتماسك الإجتماعي.

 swissinfo.ch: هل يُساء تقدير فوائد الديمقراطية المباشرة مثلما يشير إلى ذلك خبراء الإقتصاد السياسي؟ 

ألواس ستوتزر: هذا أمرٌ محتمل جدا، لسبب بسيط هو أن النظام الديمقراطي يؤثّر على العملية السياسية حيث لا يقتصر الأمر على قيام الناخبين بإيداع قرارهم داخل صناديق الإقتراع. فالأفراد أو مجموعات الضغط لهم أيضا رأي في اقتراح وصياغة القوانين الجديدة أو تعديل ما هو نافذ منها.

لذلك فإن السياسيين أو الأحزاب المشاركة في العملية السياسية يكونون حريصين ولهم ما يكفي من الدوافع لاقتراح حلول فعالة تكون موضع توافق.

خلاف ذلك، سوف تواجه الإصلاحات القانونية خطر طرحها في استفتاءات عامة، وتأخير تنفيذها. ونتيجة لذلك، تتجه الإصلاحات أكثر نحو التوافق، وتكون مدعومة عموما من نسبة كبيرة من المواطنين بدلا من أن تكون مدعومة من أغلبية ضيقة داخل البرلمان. 

swissinfo.ch: هل يقدّر المواطنون السويسريون فوائد الديمقراطية المباشرة حق قدرها؟

 ألواس ستوتزر: هناك أدلّة كافية تظهر إلى أي حد توفر المواطنين في سويسرا عموما على فهم جيّد لنظام الديمقراطية المباشرة والفوائد التي يجنيها الإقتصاد منه.

قبل بضع سنوات، تقدّم حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) بمبادرة شعبية سعى من خلالها إلى تسريع عملية الديمقراطية المباشرة من خلال تجاوز البرلمان، لكن الناخبون رفضوا بنسبة كبيرة هذا المقترح، في إشارة وتأكيد منهم على أهميّة الدور الذي يحتفظ به البرلمان في الديمقراطية المباشرة.

فالبرلمان يُناقش المقترحات السياسية، ويوضّح أسباب التأييد ومبررات الرفض. فيما يلعب الساسة دور الخبراء. 

swissinfo.ch: إلى أي حدّ تضمن الديمقراطية المباشرة بقاء السياسيين على اتصال بالشواغل اليومية للمجتمع عموما، وبالمصلحة الإقتصادية؟ 

ألواس ستوتزر: يُظهر التوجه الحالي نحو برلمان أكثر مهنية وأثر مركزية حجم الصعوبات. لقد أصبح أكثر صعوبة بالنسبة للدوائر الإقتصادية القيام بأدوار نشطة في الحياة السياسية.

فمن المهمّ أن يكون الساسة الأعضاء في البرلمان الفدرالي على درجة من المصداقية وقادرين على شرح القضايا المطروحة للمواطنين وإبراز مثلا كم هي مُكلفة مبادرة شعبية معيّنة من الناحية الإقتصادية.

في هذا السياق، سبق لرجل أعمال بارز هو بيتر سبوهلر أن تنازل على عضويته في البرلمان لانه شعر أن تلك المهمّة تطلّب جهدا ووقتا كبيربيْن.

 كذلك من أسباب عدم وجود مرشّحين رفيعي المستوى للمهمّات السياسية هي الحقيقة المتمثلة في أن عددا متزايدا من كبار المسؤولين التنفيذيين في المؤسسات والشركات الإقتصادية أضحوا من الأجانب وخاصة صلب الشركات متعددة الجنسيات التي يُوجد مقرها في سويسرا.

كما أن أي مهمّة سياسية على المستوى الفدرالي أصبحت تتطلّب دواما كاملا، بل إن العديد من القضايا التي كان يتم التعامل معها على المستويين البلدي والكانتوني، أصبحت الآن من مطروحة على الأجندة الوطنية.

المسائل الإقتصادية وصناديق الإقتراع

 على مدى العقد الماضي، كان للناخبين السويسريين القول الفصل في العديد من القضايا التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالإقتصاد.

في عام 2014، صوّت الناخبون بأغلبية ضئيلة جدا لإعادة العمل بنظام الحصص للحد من هجرة رعايا دول الإتحاد الأوروبي إلى سويسرا. 

في عام 2013، أقرّت مبادرة تهدف إلى وضع سقف لأجور كبار موظّفي وأعضاء مجالس إدارة الشركات الكبرى التي يُوجد مقرّها في سويسرا. 

في المقابل، رفضت بشكل واضح مبادرة تقدّم بها أنصار البيئة تدعو إلى الربط بين تراجع معدلات الهجرة والحد من النمو الديمغرافي. 

كذلك رفض الناخبون مبادرات عدّة تقدّم بها الحزب الإشتراكي (يسار وسط)، من بينها مبادرة تدعو إلى أن لا تتجاوز أجور كبار الموظفين في الحد الأقصى اثنى عشر مرة قيمة الأجر الأدنى داخل نفس المؤسسة، وأخرى تدعو إلى العمل بأجر أدنى على المستوى الوطني، وثالثة تدعو إلى إلغاء المزايا والإعفاءات الضريبية التي يتمتّع بها الأثرياء الاجانب. 

قبل ثلاث سنوات، لقيت مبادرة تقدمت بها مجموعة من النقابات تدعو إلى تمديد العطل مدفوعة الأجر إلى ستّة أسابيع في العام نفس المصير.

بإستثناء مرة واحدة، تمت الموافقة على جميع المبادرات بشأن الإتفاقيات الثنائية بين سويسرا والإتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية. 


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

×