تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

أكبر مشاركة عربية منذ بداية مهرجان زيورخ قراءة مُربِكة للحروب الصليبية.. و"نشيد رولاند" بألحان خليجية.. وحرب لبنان وتداعياتها

بقلم

بسبعة عروض وسبعة وعشرين فنانًا وفنانة قدموا من ست دول عربية، سُجّلت هذا العام أكبر مشاركة عربية في فعاليات مهرجان زيورخ الدولي للفنون المسرحية منذ إنطلاقته الأولى في العام 1980.

ممثلون فوق ركح وفي الخلفية ديكور ضخم

مشهد من مسرحية "نشيد رولاند" للمخرج المصري وائل شوقي.

(swissinfo.ch)

على مدى أكثر من أسبوعين، عرض أكثر من أربعمئة فنان وفنانة قدموا من خمسة وثلاثين بلداً من مختلف القارات، خمسين عملاً من الفنون المسرحية المعاصرة، وذلك في إطار «مهرجان زيورخ الدولي للفنون المسرحيةرابط خارجي» الذي انطلق على ضفاف بحيرة زيورخ يوم السابع عشر من أغسطس الماضي واختتم عروضه يوم الثالث من أيلول الجاري.

تميزت معظم البلدان التي انحدر منها المشاركون بأنها بلدان حروب أو أزمات، جاءوا منها ليعرضوا على الجمهور السويسري بشكلٍ فني جانبًا من ثقافة بلدانهم بعيداً عن الأطر الدعائية والإعلامية المنمطة، المبتورة أو المشوهة، وليكتسب الجمهور السويسري فرصةً لمتابعة الأزمات والمآسي والثقافات من زوايا نظرٍ جديدة، خصوصًا أن لقاءات ونقاشات عامة شهدها المهرجان مع الكثير من الفنانين بعد تقديم عروضهم وتسنّى خلالها للجمهور الإدلاء بالرأي وطرح الأسئلة.

أكبر مشاركة عربية حتى الآن 

شهد المهرجان هذا العام أوسع مشاركة عربية منذ دورته الأولى في 1980 حيث شارك سبعة وعشرون فنّانًا وفنانة يتحدرون من ست دول عربية هي مصر وسوريا وتونس ولبنان والبحرين والإمارات، فقدّموا سبعة أعمالٍ تراوحت بين الغناء ومسرح الدمى والرقص التعبيري والمسرح التمثيلي. عن المشاركة العربية التي أخذت بالتوسع منذ العام 2008، قال مدير المهرجان السيد ساندرو لونين لـ swissinfo.ch: «لقد سعينا في السنوات الأخيرة أن نعرض بانتظام أعمالاً من المنطقة العربية. أن نفرد لمسرح العالم العربي مكانًا هامًّا في المهرجان، كان دائمًا موضع اهتمامٍ كبير بالنسبة لنا، ففي البلدان العربية كما في المهجر أعمالٌ عربية تجديدية إبداعية من حيث الشكل وتغييرية ذات أبعاد خطيرة من حيث المحتوى».

وائل شوقي، المخرج المصري الشاب المقيم في الولايات المتحدة.

(swissinfo.ch)

أبرز الأعمال العربية المشاركة كانت للمُخرجَين؛ المصري وائل شوقي واللبناني ربيع مروّة حيث قدم شوقي عملين تناولا الحروب الصليبية بينما قدّم مروّة عملاً تناول تداعيات الحرب في لبنان. «رواية» الكاتب اللبناني أمين معلوف «الحروب الصليبية كما رآها العرب» كانت الأساس الذي اعتمده شوقي في عمله «كباريه الحروب الصليبية» وعرض فيه مسار تلك الحروب من خلال فيلم دمى متحركة يتكون من ثلاثة أجزاء تستغرق ثلاث ساعاتٍ ونصف، وهي: «ملف عرض الرعب»، «الطريق إلى القاهرة»، و«أسرار كربلاء»، ذلك «ليس لأن رواية معلوف التي تستند على كتب المؤرخين العرب هي الرواية الصحيحة، بل لأنها رواية من واجهُوا هذه الحروب وتم تهميش روايتهم من قبل الغرب»، على حد تعبير شوقي الذي «لا يؤمن بالتاريخ، بل بتفسير الناس له».

swissinfo.ch التقت المخرج المصري وسألته عن وصف الصحافة السويسرية له بأنه «متخصّص في قلب رؤى العالم رأسًا على عقب» وما إذا كان جَعْلُ السائد بصورة معكوسة هو الصحيح بالضرورة، فقال: «أنا لا أعتقد أن قلب السائد هو المغزى من ذلك العمل، الفكرة هي أقرب إلى محاولة لتحليل التاريخ الإنساني وشطب الصور النمطية المستقرة في الذاكرة الجمعية. ولكي نتمكن من إجراء عملية التحليل، لابد من تفكيك مفردات التاريخ وإعادة تجميعه بصورة جديدة مبتكرة». وعن مدى تقبل الجمهور الغربي لفكرة تأويل التاريخ قال وائل شوقي: "هذه الفكرة لاقت إقبالاً لدى الجمهور بشكل عام، سواء الغربي أو الشرقي. ذلك لأن فكرة التاريخ المغلوط -والمدون غالبا من المنتصر- باتت معروفة لدى الجميع".

العمل الثاني لشوقي كان «نشيد رولاند» الذي شاع في فترة الحروب الصليبية كإحدى وسائل التجنيد والتعبئة. اعتمد شوقي في ذلك على ترجمة الدكتور سهيل زكار صاحب «الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبية» وقدَّم النشيد بقالب غنائي تراثي عربي خليجي يُسمّى «الفجيري» وأدّاه عشرون فنّانًا من البحرين والإمارات العربية المتحدة، وقد ذكر التقرير الختامي للمهرجان أن الغناء "أدهش الجمهور وسلط ضوءاً مُربكًا على الحروب الصليبية".

"لا أسعى للقيام بثورة من خلال المسرح"

شارك المخرج اللبناني ربيع مروة في ثلاث مناسبات في مهرجان زيورخ الدولي للفنون المسرحية.

(swissinfo.ch)

«ريما كامل»، كان العمل الذي كتبه وأخرجه ربيع مروة وقدمته منفردةً المغنية اللبنانية ريما خشيش والذي يستعرض من خلال مواد أرشيفية سيرتها الفنية في العقدين الأولين من حياتها ويحمل اسمها الفني السابق الذي سمّاها به الموسيقار محمد عبد الوهاب. غير أن مروة ينفذ من الهم الشخصي إلى الهم العام فيتناول الحرب وتداعياتها من خلال تسليط الضوء على طفولة ريما المهجّرة من قريتها بفعل الإحتلال الإسرائيلي، كما يتناول ظواهر اجتماعية بعضها رافقت الحرب الأهلية وبعضها الآخر مألوف.

ربيع مروة هو الفنان العربي الوحيد حتى الآن الذي تكررت مشاركاته في المهرجان للمرة الثالثة، ولكن مضمون عناوينه المسرحية في المرات الثلاث كان الحرب. swissinfo.ch سألته عن مدى تفاعل الجمهور السويسري مع هذا الموضوع في كل مرة، فقال: «بالنسبة لي، الجمهور ليس كتلةً واحدة، سواءٌ كان ذلك في زيورخ أم في برلين أم في بيروت. أنا لا أؤمن بصفاتٍ نمطية للجمهور، لأنني أرى أنه يتكون من أفراد «سياسيين» -بالمعنى الأرسطي العام للكلمة- وإن هؤلاء الأفراد كل له ردة فعله المختلفة. لذلك فإنني عندما أفكر بأعمالي لا أفكر بنوعية الجمهور الذي سيحضر».

وعن علاقته بالمهرجان وأهمية المشاركة فيه قال: «هي علاقتي المهنية الصحيحة مع مديره ساندرو لونين والمبنية على خياراته الشخصية وخيارات المهرجان التي توافق المستوى الذي أحب أن أراه في مهرجانات أخرى. من ناحية ثانية فإن المهرجان يتميز بعلاقته العضوية مع سكان المدينة الذين يلتقون على مساحة عامة من العشب الأخضر أمام البحيرة، هذه العلاقة تُشعرك بنوع مختلف عن العلاقة مع المهرجانات الأخرى التي تقتصر على حضور المختصين أو التي تتحول إلى حالة سياحية، كما في مهرجان أفينيون (في فرنسا). في مهرجان زيورخ، أنت تتفاعل مع سكان المدينة نفسها. ومن ناحية ثالثة فإنني ألمس في المهرجان ومديره ما يهمني في كل مهرجانٍ أشارك فيه، وهو ألّا أُدعى على أساسٍ جيوسياسي محض وإنما على أساس تقييم العمل على المستويين الفني والجمالي. يهمني أن أُدعى كفرد وكإنسانٍ عاملٍ في حقل الفن».

وعن قدرة المسرح على كسر القيود والضوابط والتفلت من الرقابة أشار إلى أنه «لا يسعى للقيام بثورة من خلال المسرح، وموضوع الرقابة لا يخص المسرح وحده لأنه متعلق ببنية البلدان التي تفرضها وعقلية مجتمعاتها. هذه البلدان تفرض قيوداً على كل الحركة الثقافية الإبداعية وحتى الإجتماعية والسياسية، لكنني كغيري ممن أعرفهم في مجالات مختلفة لديَّ طريقتي في التفلت من الرقابة». ولفت الانتباه إلى أنه «باستثناء العمل الذي قدّمتُه مؤخراً في مهرجان زيورخ مع الفنانة ريما خشيش وسنقدمه قريبًا في بيروت، عرضتُ كل أعمالي هناك قبل أن أعرضها في الخارج، وذلك دون حذف ولا حتى حرفٍ واحد».

ممثلة لبنانية جالسة فوق كرسي على خشبة المسرح في زيورخ

لقطة من مسرحية «ريما كامل»، التي كتبها وأخرجها اللبناني ربيع مروة وقدمتها منفردةً المغنية اللبنانية ريما خشيش.

(swissinfo.ch)

"أهمّ وأصدق طريقة تواصل بين الشعوب"

الفنانة ريما خشيش من جهتها أكدت نية العرض في بيروت واعتبرت أن «عرض أي عمل خارج بيئته فقط، لا يُعَدّ كسراً للقيود» وعبرت عن سعادتها البالغة بمشاركتها الأولى في المهرجان «رغم أن الوقت لم يسمح لي بحضور عروضٍ أخرى»، لكن الجديد في الأمر بالنسبة لها «أنها شاركت في مسرحية وليس في حفل غنائي كما تعودْتُ طوال حياتي».

وعن كيفية جعل المسرح أداةً أكثر فاعلية في التبادل الثقافي بين الشعوب قالت: «إن الفنون على أنواعها هي أهم وأصدق طريقة تواصل بين الشعوب والثقافات المختلفة، لقد اختبرت ذلك في كل جولاتي خارج الدول العربية والتي كنت أقدم فيها غناءً تراثيًّا صعبًا، لكن التجاوب كان عظيمًا باستمرار رغم عدم فهم الجمهور للكلمات. في المسرح كنت أعتقد أن الأمر أكثر صعوبة، خصوصًا وأن الموضوع شخصي جداً ومرتبط بلبنان كثيراً، لذلك لم أكن قادرة على توقع ردة فعل الجمهور الغربي، التجاوب كان رائعًا وأحاسيسنا لامست بعضها وتفاعلت».

تمثلت المشاركات العربية الأربعة الأخرى في مساهمتين من تونس، الأولى لـ «صوت ثورة الياسمين» المغنية آمال مثلوثي، والثانية لوحة راقصة لمصمّم الرقص التونسي المغترب في فرنسا رضوان المؤدب تتناول حالة الإغتراب والتنازع في الهوية،كما تمثلت في مشاركتين من سوريا ولبنان، الأولى جاءت من خلال لوحة «الإقتلاع والتشريد»، وهي لوحة راقصة تعبيرية للفنان السوري المقيم في فرنسا مثقال الزغير، والثانية لوحة راقصة تعبيرية أيضًا للفنانة اللبنانية دانيا حَمّود، وكانت إدارة المهرجان قد رشحت عمل الزغير لـ «جائزة الجمهور» و لـ «الجائزة التشجيعية» بينما رشحت عمل حَمّود لـ «الجائزة التقديرية»، لكن لم يحظَ أيٌّ منهما بالجائزة.

في نهاية المطاف، يبقى «صراع الحضارات» و«تلاقح الحضارات» خطان يتسابقان في عالم اليوم، الأول تتجلى ذروته في ساحات الحروب والنزاعات والثاني في المهرجانات والملتقيات الدولية بين صنّاع السلام الساعين إلى ثقافة تعايش عالمية جديدة بين بني البشر.

المهرجان في سطور

يُعَد مهرجان زيورخ الدولي للمسرحرابط خارجي واحداً من أهم المهرجانات الأوروبية للفنون المسرحية المعاصرة  تنظمه دائرة الثقافة في مدينة زيورخ وينعقد بشكلٍ متواصل صيف كل سنة منذ العام 1980 على مساحة مفتوحة حوّلته إلى ملتقى جماهيري لسكان المدينة على مدى أيام انعقاده.

بلغ عدد زوار المهرجان هذا العام أكثر 130 ألف زائر، 26000 منهم اقتنوا بطاقات وحضروا عروضًا فنية، وقد شكل هذا العدد ما نسبته 86% من الطاقة الإستيعابية لصالات العرض.

ضم المهرجان أربعة عشر صالة عرض إلى جانب شوارعه التي احتضنت موسيقيين وفناني سيرك وألعاب بهلوانية شكلت متعة لجمهور الوافدين كما ضم العديد من المطاعم والمقاهي والمرافق الصحية وزودت جميع مرافقه بكل ما يحتاجه ذوي الإحتياجات الخاصة.

بلغت موازنة المهرجان لهذا العام أربعة ملايين ونصف المليون فرنك سويسري جاءت بشكلٍ رئيسي من دائرة الثقافة في الكانتون وبنك زيورخ وشركة إعادة التأمين (Swiss Re) وأكثر من ثلاثين مؤسسة عامة وخاصة قدمت مساعدات عينية ولوجستية بالإضافة إلى دعم أعمال فنية محددة من السفارة الفرنسية في سويسرا والمعهد الثقافي الإيطالي في زيورخ.

يقدم بنك زيورخ في ختام كل دورة ثلاث جوائز نقدية؛ الأولى «تقديرية» للفنانين الشباب وتبلغ خمسة آلاف فرنك، والثانية عشرة آلاف فرنك يصوت فيها الجمهور على عدد معيّن من الأعمال المرشحة، وذلك بواسطة بطاقات تصويت خاصة، أما الثالثة فهي جائزة «تشجيعية» تخصص لإعانة الفائزين على التفرغ لأعمال فنية أخرى وتبلغ ثلاثين ألفًا من الفرنكات.

ضم المهرجان العديد من الفعاليات الخاصة بالعوائل الراغبة بالحضور مع أطفالها، وكان بعض هذه العروض مجانيًّا. أما الدخول إلى المهرجان وحضور المناقشات مع الفنانين والفنانات فكان مجانيًّا أيضا.

نهاية الإطار التوضيحي

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×