أكاديمية وفنانة مُغتربة في قطر سويسريةٌ تبحثُ عن سِحر الشّرق في صحراء الخليج

بحيرة "أبو نخلة"، التي لا تبعد أكثر من 12 كيلومترا جنوب العاصمة القطرية الدوحة.

بحيرة "أبو نخلة"، التي لا تبعد أكثر من 12 كيلومترا جنوب العاصمة القطرية الدوحة.

( gulf-times.com)

تبذل الدكتورة السويسرية أنّا غريختينغ، الأكاديمية المُتخصّصة في الهندسة المِعمارية والتخطيط العِمراني، والفنانة مُتعددة المواهب، جهودا حثيثة من أجل تطوير استراتيجيات لإنقاذ بُحيرة "أبو نخلة" الصناعية في قطر، التي باتت فريدة بتنوعها البيئي وخصوبة نباتاتها النادرة.

تخصُص الدكتورة السويسرية أنّا غريختينغرابط خارجي Anna Grichting لا يختزل مواهبها وأبعادها المُتنوعة، فإلى جانب تحصيلها لأكاديمي الذي صقلته في جامعة هارفارد، حيث نالت شهادة الدكتوراه في التصميم (الديزاين) والتخطيط العمراني، تلعب هذه الفنانة المُرهفة الحسّ على مُربّعات الفن والعلوم والموسيقى، مُتنقلة من مُربّع إلى آخر بنفس السلاسة والإتقان: من الغناء إلى مخابر البحث في الجامعة، ومن حلبة الرقص إلى ضفاف البُحيرات المُهددة بالنضوب في صحاري الخليج العربي.

تنقلت ابنة كانتون "فالي" Valais بين البلدان وجابت القارات، إذ عاشت في الولايات المتحدة وبريطانيا وإيرلندا والخليج، كما شاركت في فرق بحوث في قبرص وكوريا وألمانيا. لكن ربّما يكون التدريس ولعها الأكبر. فقد عملت في جامعة جنيف ثم جامعة هارفارد، وأطلقت برنامجا تربويا لدى "جائزة أغا خان للهندسة المعمارية والتعليم" في جنيف، شمل رحلة علمية جابت البلقان في المناطق الحدودية، التي جرت فيها الحرب في تسعينات القرن الماضي، من أجل الدعوة للسلام. وأخيرا فاجأت أنّا، المُغتربة في قطر منذ أربع سنوات، المحيطين بها، بإطلاق "سي دي" سمّتهُ "جسور الصحراء".

مُحافظة على المنظومة البيئية...

من آخر أفكارها المُجددة، مشروع تطوير بحيرة "أبو نخلة"، التي لا تبعد أكثر من 12 كيلومترا جنوب العاصمة القطرية الدوحة. وقد تولت الطالبة في كلية الهندسة رنا سامح العماوي، الحاصلة على الماجستير في التصميم والتخطيط العمراني، العمل على هذا المشروع. وتابعت طالبات أخريات هذا الموضوع بواسطة الرسوم والخرائط، وليس فقط بالأبحاث النظرية.

وكانت "الهيئة العامة للأشغال" القطرية العملاقة، أعلنت قبل أكثر من سبعة أشهر أنها أوقفت ضخ المياه المستعملة في أكبر بحيرة صناعية في قطر مع أواخر العام الجاري، تمهيدا لإفراغها. وتقول الدكتورة أنّا في هذا الصدد "ما أن قرأتُ أن (بُحيرة) "أبو نخلة" سيتم إفراغها، حتى أدركتُ كم هو مُهم تطوير إستراتيجيات لإنقاذها". كانت وراء هذه الأفكار مُدرّسة التخطيط العمراني بـجامعة قطر، التي دأبت على حض طالباتها وطُلابها في كلية الهندسة، على استكشاف الاتجاهات الجديدة لتخطيط المناظر الطبيعية، وهو رافد من روافد التخطيط العمراني. ورأت الدكتورة أنّى في مشروع تهيئة بحيرة أبو نخلة، فرصة كبيرة للتجديد والتطوير البيئي.

لكن، ما هي "أبو نخلة" بالتحديد؟ هي بُحيرة أنشئت في عام 1982 على الحدود الجنوبية لقرية قديمة تحمل الإسم نفسه، وباتت فريدة بتنوعها البيئي وخصوبة نباتاتها النادرة. وتستقبل البحيرة التي تبلغ مساحتها تسعة كيلومترات مربعة، المياه من محطتي التطهير في جنوب الدوحة وغربها، وهي مياه مُعالجة مرتين. ولا يُعاد ضخ تلك المياه إلى مدينة الدوحة، إلا بعد تطهيرها مرة أخرى لتُستخدم لاحقا في غسل الرمل، وتبريد أجهزة التكييف المركزية، وريّ المساحات الخضراء، وغسل الشوارع، إلى جانب استخدامات صناعية أخرى.

لكن قسما من تلك المياه المُطهّرة يُهدَر، ولذا تُقدّم رنا العماوي حُججا عِلمية، بإشراف كل من د. أنّا غريختينغ ود. ياسر مغروب، من أجل استفادة قصوى من مياه أبو نخلة، خاصة بعدما عرف عدد السكان في قطر قفزة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. وأكدت د. أنّا أن مياه البحيرة صالحة للزراعة، ولكنها تحتاج لمزيد من التنقية، فهي في المستوى الثالث من التنقية ويمكن أن تصل للمستوى الرابع والخامس، مما يمكِّن من استخدامها في زراعة الأغذية. وتابعت مُشيرة إلى أن "زوار قطر الذين اعتادوا على الحياة بالقرب من المسطّحات المائية، يسألون عن مكبّ أبو نخلة فور وصولهم البلاد، لأنه مُسجل لديهم على لائحة المحميات الطبيعية العالمية".

بين الموسيقى والجامعة

شكلت د. أنّا غريختينغ مع عازفين وفنانين من سويسرا وسوريا والولايات المتحدة ومصر وقطر، مجموعة موسيقية سويسرية دولية، أطلقوا عليها اسم "جسور الصحراء". وأقامت المجموعة حفلا كبيرا في عام 2013 على خشبة مسرح قطر الوطني مزجت فيه بين الموسيقات، مما جعله نقطة التقاء بين الغربيين الحالمين بسحر الصحراء وفتنة الشرق التي ألهمتهم، عدة مقطوعات موسيقية جديدة نالت إعجاب الجمهور.

وتتميز هذه المجموعة بتفوق عازفيها من أمثال الشاعر وعازف الساكس السويسري الأمريكي شيو جيفري سولدر، وعازف العود السوري شادي فوزي، وعازف الكيبورد والبيانو الأمريكي فرانك وياكنس، وعازفة الباهورن السويسرية الأمريكية أليانا بوراني، بالإضافة للفنانة المُحترفة أنّا غريختينغ.

... وعلى الثروة المائية

الأرجح، أن المُدرّسة السويسرية كانت تُدرك أن قطر، البلد الذي يحوز على أعلى نسبة استهلاك فردي للماء في العالم (حوالي 500 لتر للشخص في اليوم)، يحتاج إلى التفكير ومعاودة التفكير في مصير تلك البحيرة، قبل اتخاذ أيّ قرار مصيري في شأنها. غير أن اللّافت، هو أن هذه الهواجس لم تحظ باهتمام الرأي العام، عدا قلة من حماة الطبيعة المنشغلين بالأضرار البيئية، التي يمكن أن يُسبِّبها القضاء على تلك البحيرة.

وقالت أنّا غريختينغ في هذا السياق لـ swissinfo.ch إن عددا من المشاريع التي اختارها الطلّاب مادة لأبحاثهم، تتعلق بمحاولة فهم المناطق القديمة من الدوحة، مثل القرية المهجورة القريبة من ضاحية الزُبارة، أو بحيرة أبو نخلة، أو المحمية الطبيعية، فيما اهتم طلاب آخرون بكيفية استثمار البنية الأساسية لاستخراج النفط من أجل إيجاد ملاجئ للأسماك، باعتبار أن الصيد ممنوع حول منصّات استخراج النفط والغاز، مما يجعلها تمثل مجالا لحماية أنواع من الأسماك.

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة أنّا، علينا أن نستكشف تقنيات وأنظمة جديدة وأن نُطور الوسائل البيئية، كأن نُنشئ مَثلا مركزا للأبحاث حول البحيرات في المناطق القاحلة، ليكون أداة مثالية للتعاون بين البلدان الخليجية في هذه المجالات. وضربت مَثلا بإمكانية إقامة نظام بيئي للريّ، يعتمد على الأشجار ذات الجذور العميقة التي تمتصّ الماء، وهي أشجار تُزرع على طول ضفاف البحيرة لمعالجة تسرّب المياه، بالاعتماد على الهندسة الإيكولوجية. كما يمكن الاستفادة من زيارة 240 نوعا من الطيور لهذه البحيرة في شهري نوفمبر وديسمبر من كل عام. أما الفائض الضخم من المياه المعالجة، فيمكن الاستفادة منه في إنشاء شلالات صناعية أو وادي صناعي، من دون أن تتكبد الدولة نفقات كبيرة.

حماية الطيور المهاجرة

منذ أن وطأت أقدام د. غريختينغ أرض قطر في 2011، تجولت على "غوغل إرث" لتتعرف على الموقع الذي أصبحت تقيم فيه، وهكذا اكتشفت "أبو نخلة". لكن قلما سألت أحدا عنها وأجاب بأنه يعرفها، عدا المولعين بمراقبة حركة الطيور المهاجرة، وخاصة... الصيادين. وهي تسعى حاليا لتحويلها إلى محمية بيئية مع إقامة بنية أساسية لسياحة إيكولوجية وحديقة نباتات، زيادة على مركز إقليمي خليجي مختص في دراسة البحيرات والسباخ، الطبيعية والصناعية منها على السواء.

وفي هذا الإطار، تعمل د. غريختينغ مع د. سيف الهاجري، رئيس جمعية "أصدقاء البيئةرابط خارجي" في قطر، على المحافظة على هذا المعلم المائي الذي تجاوز عمره ثلاثة عقود، وتحويله إلى محطة لأنواع نادرة من الطيور المهاجرة.

تجارب آسيوية

ومضت في شرحها قائلة: "من المعروف أن هناك نباتات تُنظف المياه الملوّثة، وأهل الذكر يُعرّفون هذا بمصطلح "المُعالجة البيولوجية" (bioremediation). وتستند غريختينغ على تجارب آسيوية مُماثلة لبحيرة أبو نخلة، لتزداد ثقة بوجاهة مشروع التطوير البيئي، ومن تلك التجارب وادي حنيفة في الرياض والوثبة في أبو ظبي وبوتراجايا في ماليزيا وبحيرة الحديقة في هونغ كونغ.

ومع أن "الهيئة العامة للأشغال" (قطرية حكومية) قرّرت وضع هذا المشروع على جدول أعمالها لإعادة تهيئة البحيرة، وفق المعايير البيئية، إلا أن غريختينغ تعتقد أن الوقت الذي يمضي ليس في صالح المشروع. وأضافت أن دور المعماريين والمتخصصين في التصميم (الدِّيزاين) "يتمثل في هذه المرحلة في تصوّر الأشكال الهندسية المستقبلية، بالاعتماد على ما هو متوافر لدينا من معلومات، سواء من خلال الزيارات الميدانية للموقع، أم من الدراسات السابقة".

ولا تملك مُحدثتنا أن لا تذكر تجربة رائدة في أمريكا وهي تدافع عن مشروع تهيئة أبو نخلة، إذ أنها عايشت قرار العدول عن هدم شبكة خطوط السكة الحديدية المُعلقة في منطقة "الضفة الغربية" أو West Side بمانهاتن، والتي كانت تُدعى "الخط المُعلق" أو High Line لأنها شبكة مُعلقة فوق الشوارع. فقبل 15 عاما كانت تلك الشبكة العتيقة المخصصة لقطارات نقل السلع على وشك أن تُمحى من الوجود، غير أن شخصين فقط اجتمعا وقررا الحؤول دون هدم تلك القطعة الجميلة من التراث، فشكلا حولهما مجموعات غير ربحية تحت اسم "أصدقاء الخط المُعلق"، وأطلقا مسابقة دولية لاختيار أفضل فكرة للحفاظ على ذلك المعلم، وها هو اليوم بات حديقة عمومية من أجمل ما في نيويورك من حدائق.

الأكاديمية والفنانة السويسرية أنّا غريختينغ، المُغتربة في قطر منذ أربع سنوات، أطلقت "سي دي" بعنوان "جسور الصحراء".

(qu.edu.qa)

دورٌ لمواقع التواصل

وتحرص د. أنّا على إشراك الشباب واستثمار الفسحة الواسعة التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي للفت الانتباه إلى أهمية مشروع أبو نخلة، مُشيرة إلى أنها ستبني على خلاصات دراسة رنا العماوي لتطوير الأفكار وتصور بدائل بيئية جديدة، لاسيما أن فكرة إنشاء مجموعة "أصدقاء أبو نخلة" بدأت تسري بين أفراد الجماعة. وإذا ما فعلنا ذلك، نُساهم في تهيئة تلك البحيرة والأراضي الرطبة المحيطة بها، على نحو لا يُساهم في تحقيق الأمن الغذائي والمائي للبلد فحسب، وإنما أيضا في استدامة النمو الاجتماعي وتحسين المناطق الكائنة في محيط الدوحة. فباستخدام مياه مُطهرة، يمكن خلق شبكة خضراء تؤثر إيجابا على المنطقة المجاورة بأسْرها.

وختمت قائلة "التنوع البيئي مهم وضروري، لكن التنوع البيئي في الوسط الحضري أهم وأكثر إلحاحا. وبما أن العمران يتوسع ويزحف يوما بعد آخر، علينا أن نُخطط للتنوع البيئي في وسطنا (المديني) أكثر من أيّ عصر مضى". ومن هذا المنطلق، تعكف حاليا مع طالباتها على دراسة البحيرات التي ستقيمها "الهيئة العامة للأشغالرابط خارجي" للتأكد من مدى مطابقتها للمعايير الإيكولوجية، خاصة في مستوى تصميم المناظر الطبيعية، وهي مشاريع يمكن أن تشمل إقامة وادٍ صناعي. وتعتقد مُحاورتنا أن المحافظة على المياه بواسطة البحيرات لا ينبغي أن يجعل منها مجرّد خزّانات لا حياة فيها، وإنما يمكن استخدامها في إجراء تجارب علمية متنوعة. وهي تشير في هذا السياق، إلى مشروع قائم بين "مركز دراسات علوم البيئة" في جامعة قطر ووزارة البيئة، بتمويل من "مؤسسة النفط القطرية"رابط خارجي QP أقيمت بموجبه منطقة حامية للسّلاحف على ساحل البحر، إذ تم إغلاق الشاطئ لإعطاء فرصة التوالد للسلاحف البحرية المهددة بالانقراض.

وتَضيف د. أنّا أن منطقة الخليج تعاني من شحّ مياه الأمطار، لكن لديها الكثير من المياه المُستعملة في الوقت نفسه، ولذلك، فإن إنشاء البحيرات أمر مهم. ففي أوروبا على سبيل المثال، يُستفاد من هذا النوع من البحيرات حتى لتوفير ماء الشرب.

×