Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

أهداف الألفية في العالم العربي


تعليم البنات بين مطرقة الفقر وسندان الأعراف القبلية


بقلم محمد شريف (جنيف)، بالإشتراك مع محمود معروف (الرباط ) و عبد الكريم سلام (صنعاء)


 انظر لغات أخرى 2  لغات أخرى 2
فصل دراسي  في قرية الزيلعية، بمحافظة الحديدة،  جنوب اليمن 11 مارس 2012 (Reuters)

فصل دراسي  في قرية الزيلعية، بمحافظة الحديدة،  جنوب اليمن 11 مارس 2012

(Reuters)

تعاني الدول العربية في مجال تحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم، رغم الجهود التي بذلتها لتحقيق الهدف الثاني من أهداف الألفية، أي توفير التعليم الابتدائي للجميع. إذ تشير آخر الإحصائيات الى أنه "على العالم العربي أن يبذل مزيدا من الجهد لتمكين حوالي 5 ملايين طفل (61% من البنات) في سن التعليم الابتدائي من التمتع بهذا الحق". في التحقيق التالي، مراجعة لواقع هذا الملف في كل من المغرب واليمن.

من يتصفح التقارير الوطنية للدول العربية المتعلقة بتحقيق أهداف الألفية عموما، وهدف التعليم الإبتدائي للجميع، سيصادف التشديد المتكرر على الجهود المبذولة لبلوغ هذا الهدف. وهو ما يتم دعمه بأرقام كثيرا ما تكون قريبة من تحقيق المأمول، لكن في العديد من الحالات، تُقابل هذه المعطيات بتشكيك الاخصائيين ونشطاء المجتمع المدني. وهذا ما ينطبق على كل من المغرب واليمن.

إذ يقول أستاذ التعليم الابتدائي والباحث في مجال ثقافة الطفل بالمغرب محمد معاشب: "إن الأرقام الرسمية المقدمة لا تعبر بالضرورة عن واقع الأمور على الأرض. فمثلا فيما يخص نسبة 90% من تعميم التعليم الابتدائي، ليست هي نفسها في كل المناطق، فالأرقام تقترب من هذه النسبة في المناطق القريبة من المراكز الحضرية، وتقل بالتدريج حسب البعد منها".

في اليمن، يشير التقرير الأخير الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" في شقه المرتبط ببيانات وزارة التربية والتعليم لعام 2013 إلى أن "نسبة الإلتحاق بالمدارس بلغت 81% (90.3 بالنسبة للذكور، و 72.8% للإناث)"، إلا أن نفس التقرير يُشير في شقه المعتمد على المسح الوطني لمراقبة الحماية الإجتماعية، إلى أن "نسبة الإلتحاق بالتعليم هي في حدود 77.4 %"، وهي نسبة أقل بكثير من بيانات وزارة التربية والتعليم.

وأيا كانت الأرقام المعتمدة، فإن اليمن يُصنف في المرتبة 119 على المستوى العالمي من حيث تحقيق أهداف الألفية، وبالتالي فإنه لن يكون قادرا على تحقيق هدف تعميم التعليم للجميع مع حلول عام 2015. وفي هذا الصدد، يقول السيد عبده سيف، رئيس الفريق الإستشاري في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: "إن ورود اليمن في أسفل سلم التصنيف في كثير من المؤشرات، ناتج عن عوامل كثيرة اقتصادية وسياسية واجتماعية أدت إلى بقاء حوالي مليون طفل في سن الدراسة، غير ملتحق بالتعليم الأساسي".

أما في المغرب الذي يحظى بسياسة عمومية تولي أهمية لجانب تعميم التعليم، وحيث تبذل منظمات المجتمع المدني والهيئات الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، كاليونيسيف، واليونسكو جهودا حثيثة لتحقيق مبدإ تعميم التعليم للجميع (إلى حد تكهن البعض إمكانية تحقيق البلد للهدف مع حلول عام 2015)، فإن الواقع يشير إلى احتمال بقاء نسبة ضئيلة غير مستفيدة من هذا الحق مع حلول العام المقبل، أغلبيتها من بنات الأرياف. أما أغلب النقائص، فهي "تتركز أساسا في العالم القروي،  أما الأسباب المؤثرة في ذلك، إلى جانب العراقيل الثقافية التي تفضل تعليم الذكور على البنات، هي في الأساس مادية وذات طابع اقتصادي"، كما يقول محمد معاشب الباحث في مجال ثقافة الطفل. 

هدف "التعليم الإبتدائي للجميع" في العالم العربي

أشاد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بان كي مون في تقرير عام 2014 بتحقيق الدول النامية قفزة في مجال التسجيل في مراحل التعليم الابتدائي للفترة الممتدة بين عامي 2000 و 2012 من 83% الى 90%، لكن اليمن (بحوالي 857 الف طفل خارج المدرسة حسب تقرير اليونيسكو لعام 2012)، يأتي في آخر ترتيب الدول العربية، مسبوقا بالعراق ب 500 الف ثم مصر 368 الف، فالسعودية 318 الف، فالمغرب 134 الف. وهو ما يجعل متوسط التسجيل في التعليم الابتدائي في عموم العالم العربي في حدود 69%. وإذا كانت كل من اليمن والمغرب في مجموعة الدول التي يُشكك في قدرتها على تحقيق الهدف مع حلول العام 2015، فإن مستوى الإنجاز في دول أخرى مثل الكويت والسعودية وعُمان والجزائر وقطر وتونس تجاوز 90%.

في مجال المساوة بين البنين والبنات في التعليم، نجد أن بلدانا مثل العراق وعمان وسوريا تأتي في مؤخرة الترتيب العربي بنسبة ثلاث بنات مقابل ولد واحد خارج المدرسة. أما في الجزائر واليمن فتصل النسبة إلى حوالي الثلثين.

في المقابل، سجلت البنات تفوقا على البنين في العالم العربي من حيث المثابرة على إنهاء الصف الابتدائي، إذا ما كُتب لهن الإلتحاق بصفوف التعليم.

فيما يتعلق بظاهرة التسرب المدرسي، تسجل كل من جيبوتي وموريتانيا والمغرب والسودان معدلات تسرب تتراوح على التوالي بين 36% و 9%. في المقابل، تمكنت دول مثل الجزائر والكويت وفلسطين وسوريا وتونس والإمارات من التغلب على هذه الإشكالية من خلال الإبقاء على تلاميذها حتى الصف الإبتدائي الأخير.

ضحية الإرث الثقافي والنقص في الإمكانيات

عموما، يُعاني كل من المغرب واليمن من ظاهرة عدم المساواة بين الجنسين في مجال التعليم. وعادة ما يؤدي تداخل العوامل الثقافية والإجتماعية التي تحد من تعليم البنات وبالأخص في الأرياف، على مضاعفة ما يُعاني منه الذكور في تلك المناطق من نقص في الإمكانيات المادية، ومن تراجع في جودة التعليم، وضعف في البنية التحتية من طرق وكهرباء، وبُعد المدارس القروية عن التجمعات السكنية.

وفي هذا السياق، يقول محمد معاشب، الباحث في مجال ثقافة الطفل: "في بعض الحالات لا يكون نظام المدرسة داخليا إلا إذا كانت تبعد بأكثر من 20 كيلومترا عن التجمع السكني، وهذا ما يثني عائلات كثيرة عن إرسال بناتها إلى المدرسة".

من جهته، يُلاحظ عبد الهادي واكريمي، رئيس "جمعية الإمام مالك للمدرسة العتيقة "تام تركا أزرو" بقرية "أوناين" بالمغرب (تقع على بعد 380 كلم إلى الجنوب الغربي عن العاصمة الرباط) أنه "إلى جانب عامل البعد الذي يدفع الأب الى الخوف على إرسال ابنته للتعليم، هناك أيضا العامل الإقتصادي المرتبط بضعف دخل الآباء. لذا يفضل الأب تغطية تكاليف الدراسة لفائدة الولد، والتضحية بحق البنت في ذلك. فرسوم التسجيل، على سبيل المثال، في الإعدادية الوحيدة بالمنطقة التي تشتمل على نظام داخلي تبلع 400 درهم (أي حوالي 55 دولارا)".

في المقابل، تُعاني بنات الأرياف في اليمن أكثر من نظيراتهن في المغرب "بسب تدخل القبيلة بشيوخها ورموزها، وبسبب الإعلاء من التقاليد الإجتماعية الرافضة للتعليم، إضافة الى النقص في الموارد وضعف البنية التحتية"، كما يقول عبده سيف رئيس الفريق الإستشاري في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وهذا ما تؤكده الدكتورة إشراق الحكيمي، وكيل وزارة التربية والتعليم لقطاع تعليم البنات في اليمن. فإلى جانب الفقر، هناك "العادات والتقاليد وقلة الوعي لدى الأسرة بأهمية التعليم عموما، وتعليم البنات بالخصوص، يجعل بعضها تعتبر أن تعليم الفتاة لا جدوى منه، وأن مكانها الطبيعي هو البيت، وتحمل الأعباء المنزلية"، على حد قولها.

إضافة إلى ذلك، أشارت المسؤولة اليمنية إلى "قلة المدارس الخاصة بتعليم الفتاة في أغلب الريف اليمني والتي غالبا ما تكون مدارس مختلطة تضطر بعض الآباء لحرمان الفتاة من التعليم". ومن العقبات الأخرى التي تقف في وجه تعليم البنات في الأرياف، عددت الدكتورة الحكيمي "ندرة المعلمات اللواتي يقبلن التدريس في المناطق الريفية، وظاهرة الزواج المبكر بين سن 12 و 18 سنة الأمر الذي يؤدي إلى حرمان الفتاة من إكمال تعليمها، وتفشي ظاهرة العنف ضد المرأة والفتاة".

في السياق، يشير تقرير صادر عن معهد اليونسكو للإحصاء إلى أن الفجوة بين الجنسين في اليمن "تزايدت بشكل ثابت بزيادة معدلات الإلتحاق الصافي بالمدارس في الفترة ما بين 1999 الى 2011. ومع أن تعليم البنات شهد ارتفاعا في السنوات الأخيرة، وتضاءل الفارق في عدد الفتيات  (33%) والذكور (28%) خارج المدرسة، إلا أن التقرير أعرب عن القلق بسبب تراجع نسبة التحاق الذكور بالمدرسة في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يعني أن الأرقام المعبِّرة عن الفجوة بين الجنسين في التعليم قد لا تعكس تحقيق تقدم حقيقي في تعليم البنات". وهو ما يدفع الأخصائيين إلى القول بأن اليمن لن يستطيع تحقيق المساواة بين الجنسين في مجال التعليم. 

هدف "التعليم الابتدائي للجميع" في العالم

عرف العالم تقدما كبيرا في تخفيض نسبة الأطفال غير الملتحقين بسلك التعليم من حوالي 100 مليون في عام 2000 إلى 60 مليون في عام 2007.

في السنوات اللاجقة، سُجّل بعض الركود حيث تشير تقديرات عام 2012 إلى أن العدد الإجمالي للأطفال في سن التعليم الذين لا يزالون خارج المدرسة يناهز 58 مليون طفل.

قفزت نسبة التحاق الأطفال في سن الدراسة بالمدارس في البلدان النامية، في الفترة ما بين 2000 و 2012 من 83 الى 90%، أي أن طفلا من بين عشرة في سن الدراسة لا زال خارج المدرسة.

50% من الأطفال الذين لم يلتحقوا بسلك التعليم يعيشون في بلدان تشهد صراعات أو نزاعات مسلحة.

تتوزع النسب كالآتي: 44% في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وحوالي 19% في جنوب آسيا و14% في غرب آسيا وشمال افريقيا.

على مستوى العالم، ظلت نسبة الأمية بالنسبة للبالغين في عام 2012 في حدود 781 مليون. وتُقدر في صفوف الشباب ما بين 15 و 24 عاما بحوالي 126 مليون أمي. وتشكل النساء حوالي 60% من مجموع الأمييين في العالم.

في مجال المساواة بين الجنسين في الحصول على التعليم الابتدائي، لا زالت المناطق الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء، و أوقيانوسيا، وغرب آسيا، وشمال أفريقيا تعاني في هذا المجال رغم التقدم الكبير الذي تم إحرازه في السنتين الأخيرتين. ويزداد الفارق اتساعا عندما يتعلق الأمر بالتعليم المتوسط أو العالي.

تأثير الصراعات المسلحة

إذا كان المغرب قد استطاع البقاء في مأمن نسبي حتى الآن عن زوابع الربيع العربي، فإن اليمن دخل في دوامة الصراعات السياسية والأهلية ودوامة محاربة الإرهاب والقاعدة منذ عام 2011.

وقد كان لهذه المواجهات المزمنة، سواء تعلق الأمر بالحوثيين في شمال شرق البلاد، أو بالإنتفاضة الشعبية في العاصمة صنعاء والعديد من المدن الرئيسية ضد نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، أو من قبل المطالبين بالإنفصال من جديد في الجنوب، تأثير سلبي على تحقيق أهداف الألفية عموما، وعلى طموحات تحقيق التعليم للجميع والمساواة بين الجنسين في هذا المجال بالخصوص.

إذ أشارت تقارير وزارة التربية والتعليم اليمنية لعام 2013، الى أن هذه الأحداث أدت إلى احتلال أكثر من 150 مدرسة (34 منها من قبل القوات المسلحة الحكومية)، أو إلى استخدامها من أجل إيواء النازحين.
كما تعذر وصول التلاميذ إلى بعض المدارس وهو ما "أثر على سير عملية التدريس بالنسبة لحوالي 100 الف طالب"، دائما حسب معطيات الوزارة.

تجارب محلية وعملية

وفيما تتجه الأنظار لمعرفة ما ستسفر عنه المشاورات الجارية على المستوى العالمي لتحديد أهداف جديدة لما بعد عام 2015، وكيفية معالجة قصور بعض الدول في تحقيق الأهداف السابقة،بادرت منظمات المجتمع المدني في المغرب واليمن إلى اتخاذ خطوات عملية لتطبيق حلول محلية، تارة بمساعدة دولية، وتارة أخرى بدونها، من أجل تدارك النقص المسجل في مجال تحقيق التعليم للجميع والمساواة بين الجنسين في هذا الإطار.

من بين الحلول المحلية للتغلب على تعليم البنين والبنات في المناطق الريفية المغربية، هناك تجربة " المدرسة الجماعاتية"، وهي عبارة عن مراكز قروية يتم تحويلها إلى أقسام للدراسة وأخرى داخلية للتلاميذ مع توفير خدمة النقل (من وإلى هذه المراكز)، إلا أن الباحث محمد معاشب يقول: "" إن هذه التجربة، تُطرَحُ عدة تساؤلات، حول تقييم مدى تحقيقها للأهداف التي وُضعت لها"، ويرى أنها "تجربة لم تُعط حقها، ولم تستمر".

المثل الثاني في المغرب يتمثل في تجربة "جمعية الإمام مالك للمدرسة العتيقة "تام تركا آزرو" بمنطقة أوناين، التي تقدم برنامجا تعليميا شبيها بالمدارس العمومية، ولكن تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تؤطر التعليم العتيق وبرامج محو الأمية في المملكة، وتركز أكثر على تعليم القرآن. وإذا كانت هذه التجربة التي تقتصر حاليا على ثلاثة فصول يوجد فيها حوالي 60 تلميذ أو تلميذة، "ناجحة"، حسب تقييم رئيس الجمعية عبد الهادي واكريمي "بسبب الحصول على منحة تقدر بـ 150 درهم في الشهر (حوالي 20 دولارا) لكل تلميذ"، فإن السيد واكريمي يعترف بأن هذا المسار التعليمي الذي يختتم بالحصول على شهادة إنهاء المستوى الإبتدائي يُعاني من "نقص في جودة التعليم، وتعذر الحصول على معلمين ذوي كفاءة. يُضاف إى ذلك أن المنطقة لا تضم سوى إعدادية واحدة مما يحد من طموحات من يرغب في الإستمرار في الدراسة".

هناك أيضا تجربة تعليم اللغة الأمازيغية، التي بدأ العمل بها منذ عام 2003 باعتبارها وسيلة لزيادة الاهتمام بالأقليات العرقية واللغوية، ويبدو أنها سمحت، حسب تقرير لليونسكو، بـ "تخفيض نسبة الأطفال الذين لم يُقيدوا أبدا بالمدارس".

القبيلة هي السبب.. وقد تصبح الحل

في اليمن، قامت إحدى منظمات المجتمع المدني وهي "الإئتلاف اليمني للتعليم للجميع" بخطوة أولى من نوعها لمعالجة مسألة مُعارضة القبائل لتعليم البنات، وذلك من خلال تشجيعها القبائل على توقيع وثيقة تتعهد القبيلة بموجبها بتعليم الفتاة، حتى لا تُلصق بها صفة العيب لعدم الإيفاء بوعود تحقيق أهداف الألفية. وهذا ما حصل لأول مرة في 13 فبراير 2014 مع مشايخ وأهالي مديرية همدان المشرفة على مدخل مدينة صنعاء.

طبقا للإتفاق، تتعهد القبيلة بمنح فتيات المنطقة حق التعليم بعد أن كن يُحرمن منه بدافع الخوف عليهن من العيب والعار. وبما أن القبائل لها قوانينها وأعرافها، وكثيرا ما ترفض الإنصياع لقوانين الدولة المركزية، فإن الملمح الجميل في تجربة الإئتلاف اليمني للتعليم للجميع، هو أنه حــوّل صفة العيب التي كانت تمنع القبيلة بموجبها الفتيات من التعليم، إلى صفة العيب التي قد توصف بها القبيلة إن هي رفضت السماح للبنات بالإلتحاق بالتعليم. وقد أجريت النجربة بعدُ من خلال شراكة مع اليونسكو والحكومة اليمنية ومشائخ قرية "الحاوري" التابعة لمديرية همدان. ويبدو الإئتلاف واثقا من أن هذا الصنف من الإتفاقيات "سيتم توسيعها مستقبلا ونشرها بين قبائل أخرى في اليمن".

×