Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

إلغاء الوجود الفلسطيني .. هل هو الهدف؟

في الوقت الذي يتركز فيه الإهتمام الدولي على تداعيات فضيحة السجون العراقية، تشهد الأراضي الفلسطينية كارثة إنسانية غير مسبوقة..

ويرى خبير فلسطيني أن عمليات التدمير للبيوت وجرف الأراضي الزراعية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي ليست سوى "مظهر من مظاهر وأدوات إلغاء الوجود الفلسطيني"..

تُـنبّـئ أرقام الأرض الفلسطينية، لاسيما في قطاع غزة، عما هو أكثر من مواجهة دموية ضحاياها في الأرواح وأسبابها في العنف والعنف المضاد لتتعدّاها إلى مساحة من الدمار المنهجي الذي يطال المكان بشجره وحجره قبل بشره.

ويبدو أن قصف المدافع وصور الضحايا، يخفي خلفه أنباء غير تلك التي تحملها كتب الإعلام وتصريحات السياسيين من الجانبين.

وفي الوقت الذي تشخص فيه العيون، وترتفع فيه الحناجر محذرة من سقوط المزيد من الضحايا وارتفاع حصيلة الخسائر، تمضي بصمت عملية تدمير مستمرة تنشب مخالبها في منازل الفلسطينيين ومساكنهم، مسجلة هجرة جديدة نحو المجهول.

وعلى مدار الأعوام الأربعة الماضية من عمر الانتفاضة، راحت جرافات الجيش الإسرائيلي وطائراته وقذائف مدافعه تدك عاما بعد عام، وشهرا بعد شهر، ويوما بعد يوم في أساسات البنيان الفلسطيني.

غزة.. خراب على خراب

بالرغم من أن الحصيلة متتالية ومتراكمة، فإن الإحصاءات المتوفرة تشير إلى نتائج مريعة في خسائر الممتلكات من منازل ومبان عامة وبنية تحتية، فضلا عن الخسارة المباشرة في الزراعة ومساحة الأراضي والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على عميلة التدمير القائمة.

وإن كانت مجمل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تتعرض لمثل هذا التدمير، فإن نتائج الخسائر في قطاع غزة، وبالذات في المنطقة الجنوبية برفح وخان يونس، تفوق المناطق الأخرى بكثير.

ولم يعد الحديث محصورا في أهداف الجيش الإسرائيلي المُـعلنة بإقامة مناطق عازلة، ونصب حاميات للمستوطنات اليهودية، وقطع الطرق على المقاتلين الفلسطينيين، بل إن العملية تحولت، بشهادة الشهود، إلى سياسة فعلية لترك قطاع غزة خرابا على خراب.

وتُـفيد أرقام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، زميل لجنة الحقوقيين الدولية (مقرها جنيف)، أن الجيش الإسرائيلي دمر حتى نهاية شهر أبريل الماضي نحو 2100 منزل في قطاع غزة منذ بداية الانتفاضة، كان نصيب رفح منها 1100 ونحو 700 في خان يونس ومخيمها وباقي مناطق القطاع.

ويضاف إلى هذه القائمة 2500 منزلا آخر دمّـرت بشكل جزئي، 1500 منها في رفح وحدها التي شهدت تدمير أحياء كاملة في المدينة التي تؤوي 145 ألف نسمة في نحو 22 ألف وحدة سكنية وفق آخر التقديرات الفلسطينية.

وترتّـب على ذلك تشريد نحو 50 ألف فلسطيني، جرى إخلاؤهم قسرا بعد أن دُمّـرت منازلهم، تمكّـن جزء بسيط منهم من استئجار شقق جديدة، في حين اضطرت الغالبية إلى الانتقال إلى منازل أقارب، وبقيت بعض العائلات تُـقيم حتى اللحظة في مرافق عامة وملاعب حيث تم بناء 18 شقة فقط.

تدمير منهجي غير معلن

ظلت عملية التدمير هذه تتطور شيئا فشيئا منذ اندلاع الانتفاضة في خريف عام 2000، إذ انطلقت الحملة تحت مسمى الاجتياحات العسكرية في مناطق الشريط الحدودي ومناطق المستوطنات، ومن ثم تضاعفت مع عمليات استهداف المطلوبين وهدم منازل عائلاتهم حتى أضحت أخيرا تأخذ شكل عمليات عقوبات جماعية شاملة.

وفي ذلك، تتحدث الأرقام عن نفسها، إذ تقلّـصت مساحة رفح من 17 ألف دونم عند توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 إلى 11 ألف دونم، وباتت الكثافة السكانية فيها تُـعادل تلك في مخيم جباليا المعروف بأنه المكان الأكثر اكتظاظا في العالم.

ويمكن للأمر أن يبدو أكثر تعاسة عندما تكشف تقارير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) أن رفح التي يُـشكّـل اللاجئون فيها نسبة 82% من سكانها، وحيث معدلات الفقر راحت تناهز عتبة 80%.

يقول خليل شاهين، مسؤول وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بغزة إن "استهداف رفح يهدف بشكل استراتيجي لاتخاذ إجراءات أكبر في مناطق أخري، لكن يظل الهدف الأساسي يتمثل في خلق مناطق عازلة وترك القطاع مدمرا خاليا من أي بنية تحتية".

ويضيف شاهين "المفارقة ليست فقط في انعدام آليات الردع لوقف هذا التدمير، وإنما في تشجيع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الذي يريد أن يترك غزة خالية من كل أشكال الحياة". وقدم شاهين أمثلة عديدة على الدمار الشامل في منطقة غرب رفح، حيث الشريط الحدودي من الغرب إلى الشرق عند بوابة صلاح الدين وتل زعرب.

وقال "لقد تم تدمير أحياء بكاملها مثل "بلوك أو" في مخيم رفح، حيث دمر تقريبا 70% من الوحدات السكنية بزوال 350 دمرت من أصل 450، وكذلك في منقطة "بلوك ج الصوفي"، حيث دمّـرت 60% من المساكن".

كذلك الأمر في منطقتي قشطة والشاعر، حيث أزيلت 60% من المساكن، وفي تل زعرب الذي دُمّـر تقريبا لتشكل شريط من منطقة عازلة على طول 4 كيلو وعمق يمتد من 70 مترا ليصل إلى 300 متر في مناطق كانت قبل وقت قصير تعُـج بالحياة.

إلغاء الوجود

شهد عام 2003 ارتفاعا ملحوظا، إذ تضاعفت عمليات الهدم اليومي وانتقلت من رفح إلى منطقة حاجز التفاح في خان يونس، حيث دُمّـر خلال عشرة أيام فقط نحو 100 منزل.

وفي نفس الوقت، تم تدشين أحياء استيطانية جديدة في نفية ديكاليم المقامة على أراضي خان يونس، حيث دُمّـر 300 منزلا فقط في منطقة المستوطنات، وجرى كذلك تجريف 23 ألف دونم من الأشجار المثمرة والخضروات تشكل 29% من الإنتاج الزراعي.

أما التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، فإنها تتساوى مع خطورة الانتهاك ذاته، إذ ارتفعت نسبة البطالة إلى 70%، وتأثرت مصادر الرزق بشكل مباشر، وارتفع معدل الفقر ليشمل 75% من سكان القطاع.

وحذر شاهين من مغبّـة التداعيات الاجتماعية المترتبة على الوضع القائم الحالي، وقال إن ارتفاع معدلات الفقر وازدياد نسبة البطالة والاكتظاظ السكاني "شكّـل حالة من الحرمان الاجتماعي تؤدي إلى مشاكل اجتماعية، لاسيما ارتفاع معدلات الجريمة".

وقال أحد الأكاديميين البارزين، والذي رفض الكشف عن هويته، إن "عملية التدمير هذه ليست سوى مظهرا من مظاهر وأدوات إلغاء الوجود الفلسطيني التي مارستها إسرائيل منذ قيامها". وأضاف "إنها دلائل سابقة في تاريخ الصراع، وتؤكّـد على إنكار متعمّـد للشخصية الفلسطينية وطمس معالم الوجود الفلسطيني، ولا اعتقد أنها توقفت أو ستتوقف، وإلى أين ستقود نتائجها".

هشام عبدالله - رام الله



وصلات

×