Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

إيران والولايات المتحدة


"التطبيع سيفرضُ تعديلا في العلاقات الجيوسياسية بالشرق الأوسط"


بقلم محمد شريف - جنيف


عامل يمر على دراجته أمام مبنى المفاعل الرئيسي في محطة الطاقة النووية الواقعة في ضواحي مدينة بوشهر جنوب غرب إيران (صورة من الأرشيف) (Keystone)

عامل يمر على دراجته أمام مبنى المفاعل الرئيسي في محطة الطاقة النووية الواقعة في ضواحي مدينة بوشهر جنوب غرب إيران (صورة من الأرشيف)

(Keystone)

استئناف المفاوضات بخصوص الملف النووي الإيراني في جنيف بعد الإنفراج في العلاقات بين طهران وواشنطن "عامل سيفرض تعديلات في العلاقات الجيوسياسية بالمنطقة"، ونتيجة "أملتها رغبة الشعب الإيراني في التخلص من عبء العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران". هذا هو الرأي الذي عبّر عنه أستاذ العلاقات الدولية في جنيف الدكتور محمد رضا جليلي في حديث مع swissinfo.ch.

جرت التحضيرات منذ أسبوع بقصر الأمم المتحدة في جنيف لعقد الجولة الجديدة من المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد، والتي تضم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا.

هذا الاجتماع الذي سيتواصل يومي 15 و16 أكتوبر 2013 ترى فيه إيران فرصة للتوصل إلى "خارطة طريق" من أجل رفع العقوبات الأممية المفروضة عليها، وبداية "جولة مفاوضات جدية" لحل خلافاتها القائمة بخصوص أبعاد برنامجها النووي، الذي تعتبره برنامجا نوويا مدنيا، بينما تتهمها بعض القوى الغربية بتطوير أطماع عسكرية.

الأستاذ في العلاقات الدولية والخبير بالشأن الإيراني الدكتور محمد رضا جليلي، يُحلل في الحوار التالي مع swissinfo.ch أبعاد هذا التقارب الأمريكي الإيراني، ومدى تأثيره على العلاقات بين القوى الإقليمية، وما الذي يمكن توقعه من هذه الجولة من المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، أم أن كل هذا ما هو إلا مجرد مناورة جديدة لربح مزيد من الوقت في ملف طُرح للنقاش منذ عام 2005؟

swissinfo.ch: ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن جولة جديدة من المفاوضات بخصوص الملف النووي الإيراني. ما الذي يجب توقعه من هذه الجولة بالتحديد؟

محمد رضا جليلي: بعد عملية الإغراء التي قام بها الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني في نيويورك على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، بدأت تهب ريح تفاؤل، مهدت لها الظروف الدولية التي أصبحت أكثر ملائمة مما كان عليه الوضع من قبل.

يُضاف إلى ذلك أن الوضع الاقتصادي لإيران تدهور بشكل رهيب، بالخصوص منذ حوالي عامين. وهذا ما دفع الإيرانيين إلى محاولة إيجاد طريقة للتخفيف من وطأة العقوبات التي تؤثر على الحياة الإقتصادية للبلاد. هذه الأفكار هي التي سمحت للسيد روحاني بالفوز في الإنتخابات، ولذلك نتوقع أن تُفضي هذه المفاوضات بخصوص النووي الإيراني إلى اقتراحات مهمة.

swissinfo.ch: أكيد أن العقوبات الدّولية كان لها وقع سلبي على الإقتصاد وعلى المجتمع الإيراني، ولكن ألا تعتقدون بأن الجانب الغربي أو الدولي في هذه المعادلة له أيضا أسبابه التي تدفعه إلى البحث عن مهلة أو هدنة في هذه المفاوضات؟

محمد رضا جليلي: بالتأكيد، خصوصا عندما نقارن الأوضاع السائدة عموما في منطقة الشرق الأوسط، تدركون مثلي بأن هناك وضعا قابلا للإنفجار في المنطقة. وإذا ما تم إيجاد مهلة في أحد ملفات المنطقة المطروحة للنقاش منذ عشر سنوات تقريبا، والذي له تأثيرات ومخاطر على العلاقات في المنطقة، فإن ذلك أمر مُرحب به، لاسيما أن إيران لها دور في مشاكل المنطقة.

swissinfo.ch: هل هناك اتفاقا على نقطة الإنطلاق في هذه المفاوضات الجديدة. نعرف أن الجانب الإيراني يطالب بـ "أفكار جديدة"، ما يترك مجالا لتصور أنه يرغب في العودة إلى نقطة الصفر من جديد، في حين أن الدول الأخرى الشريكة في المفاوضات تطالب إيران بمزيد من الشفافية بخصوص برنامجها النووي وبضرورة تحديد سقف لعملية التخصيب؟

محمد رضا جليلي: وجهات نظر الطرفيين ليست متطابقة في الحقيقة، وهذا ما يتطلب التفاوض. لكن المشكلة تكمن في نظري في وجود أطراف معارضة لهذه المفاوضات، سواء في إيران أو في الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي إيران، هناك كل الجهات المحافظة المتشددة، بما في ذلك الزعيم الروحي علي خاميناي الذي يقول بأنه لا يثق في الغرب عموما، وفي الأمريكيين بالخصوص. وهذا يؤثر سلبا على هذه المفاوضات. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، هناك المحافظون الجدد، وهناك بنيامين نتانياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي)، و مجاهدي خلق (المعارضة الإيرانية) الذين استطاعوا تجنيد بعض السياسيين الأمريكيين السابقين. كل هؤلاء يشكلون جبهة معارضة لهذا الانفتاح وهذه المفاوضات.

المشكلة في نظري تتمثل في الخطاب الذي يُردده السيد روحاني عندما يقول بأنه يرغب في خلق انفراج مع المجموعة الدولية، وبالأخص مع الدول الغربية، وبخصوص الملف النووي، ولكن بتغيير الأسلوب. لا أعتقد بأن تغيير الأسلوب سيكفي لوحده لإقناع الغرب بدون تغيير في لب الموضوع، أي تقديم اقتراحات تُظهر جليا بوجود رغبة حقيقية في الإلتزام بشفافية كبرى من قبل إيران، وبطريقة تعاملها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولذلك يجب الإنتظار بعد هذا الإنفتاح الرمزي، ما إذا كانت هذه المفاوضات ستأتي ابتداء من اجتماع الخامس عشر أكتوبر 2013 بتغييرات في لب الموضوع النووي.

لكنني أعتقد بأن الإيرانيين يتوقعون تطورات سريعة، بحيث أعلنوا عن ضرورة تنظيم اجتماع جديد بعد جنيف على مستوى وزراء الخارجية.

swissinfo.ch: أليس ذلك وسيلة أخرى من وسائل ربح مزيد من الوقت؟

محمد رضا جليلي: هناك اتهامات بالفعل لإيران بمحاولة كسب الوقت، وهذا ما فعلته بالفعل منذ عشر سنوات تقريبا. لكن نأمل هذه المرة أن الإيرانيين وصلوا إلى قناعة أنه يجب تجاوز ذلك، لأنه إذا لم يتم إيجاد تسوية، فإن الكونغرس الأمريكي يخطط  للتصويت على عقوبات أكثر تشددا خلال الأشهر القادمة، وهو ما قد يعرقل كلية الصادرات النفطية الإيرانية، مما قد يتسبب في انهيار كامل للإقتصاد الإيراني. وما نأمل فيه هو ألا نصل إلى هذا الموقف، وأن تعمل هذه المفاوضات على تحقيق تقدم، وتحسين الوضع الإقتصادي للشعب الإيراني. وبالتالي تشجيع التيارات المسماة بالمعتدلة، والتي يمثلها السيد روحاني، في مواجهة تشدد ومعارضة التيارات الإيرانية المحافظة.

swissinfo.ch: إذا ما تمكن السيد روحاني من تحقيق نتائج إيجابية في هذا الإنفتاح مع الغرب، ما هو الثمن الذي عليه تقديمه كتنازل في الملف النووي الإيراني؟

محمد رضا جليلي: ما يمكن قوله قبل بداية هذه المفاوضات هو ضرورة تقديم ضمانات بإعادة بناء الثقة بين إيران وشركائها، وهو ما لا يتوفر في الوقت الحالي.

وثانيا، تقديم ضمانات فعلية من أن الهدف النهائي لإيران ليس التوصل إلى السلاح النووي بل الإستعمال المدني. وأن تفتح إيران منشآتها لكل عمليات التفتيش الضرورية. ولكن إذا ما استمرت إيران من جديد في إخفاء قسم من برنامجها، فإننا سنعود إلى نقطة البداية.

swissinfo.ch: إذا كانت تيارات النظام الإيراني قد عبرت بشكل أو بآخر عن مواقفها من هذا البرنامج النووي الإيراني، هل للشعب الإيراني أصوات عبرت عن موقف الرأي العام من هذا البرنامج النووي؟

محمد رضا جليلي: أعتقد بأن الرأي العام الإيراني عبر عن موقفه من خلال انتخاب السيد حسين روحاني. إذا كان الناس الذين يقاطعون الإنتخابات عادة، قد قرروا المشاركة هذه المرة بشكل جماعي، فلأن السيد روحاني وعد بالعمل على تحسين ظروف عيش الإيرانيين بعد التدهور الذي عرفوه خلال السنوات الماضية. ويدرك الإيرانيون إلى حد كبير بأن تحسين ظروف المعيشة مرهون إلى حد كبير بتخفيف العقوبات أو إلغائها كلية، مما يسمح بانتعاش الإقتصاد الإيراني الذي لم يحقق نموا إيجابيا منذ عامين تقريبا.

swissinfo.ch: انفتاح القادة الإيرانيين على الغرب، واستئناف المفاوضات بخصوص الملف النووي أديا إلى خلق "لخبطة" في قراءة العلاقات بين دول المنطقة والقوى الإقليمية والدولية. ما هي التأثيرات التي يمكن توقعها في المنطقة؟

محمد رضا جليلي: بالنظر إلى ما أبعد من الملف النووي الإيراني، وفي حال تحقيق هذا التطبيع بين طهران وواشنطن، فإن واقع العلاقات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط قد يعرف تغيرا كبيرا، نظرا لكون العلاقات بين طهران وواشطن ظلت مقطوعة منذ 34 سنة، وأن جوهر الخطاب الإيديولجي للجمهورية الإسلامية كان دوما يرتكز على شعور معادي للأمريكيين. فإذا ما تم التطبيع، فإن كل المعطيات ستتغير، كما ستتغير موازين القوى، ما سيتطلب إدخال تعديلات على التحالفات في المنطقة.

فعلى سبيل المثال، تعرف العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية جمودا في الوقت الحالي، ويمكن حتى الحديث عن حرب باردة بين البلدين. فكلما تحسنت العلاقات بين طهران وواشنطن، كلما كان لذلك تأثير على العلاقات بين طهران والرياض وباقي البلدان الخليجية.

swissinfo.ch: وماذا عن القلق الذي يعتري القيادة الإسرائيلية من هذا التقارب الإيراني الأمريكي، ومدى حرمانها من عنصر هام ترتكز عليه سياستها الخارجية، أي عنصر الخطر الإيراني؟

محمد رضا جليلي: لا أعتقد بأنه يمكن الحديث عن موقف القيادة الإسرائيلية ككل بقدر ما هو أمر يتعلق بالسيد بنيامين ناتانياهو الذي يركز خطابه بشكل متواصل على إحساس معادي لإيران (إيرانوفوبيا). وهو ما كان يجد فيه فائدة نظرا لكون ذلك يغطي على المشاكل التي تواجهها إسرائيل مثل المشكل الفلسطيني أو حتى الأوضاع الاقتصادية في داخل إسرائيل. ونظرا للتخوف من فقدان الطبقة السياسية الإسرائيلية لهذا العنصر، فإن هذا ما يفسر هذا الإعتراض القوي لنتانياهو عن هذا التطبيع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

swissinfo.ch: من الذي يمكن توقعه من عودة المفاوضات إلى جنيف حيث كانت قد انطلقت، قبل انتقالها إلى دول أخرى؟ هل وضع العلاقات الدولية اليوم يجعل من جنيف من جديد المكان المفضل لمثل هذه اللقاءات الدولية الكبرى في نظركم؟

محمد رضا جليلي: من الأهمية بمكان أن تعود المفاوضات إلى جنيف بعد المحاولات التي تمت في الما آتا بكازاخستان. وانعقادها في قصر الأمم راجع لكون جانب من العقوبات هي من قبل مجلس الأمن. كما أن في ذلك دليلا على أن الدبلوماسية السويسرية عملت بشكل جيد بحيث أن سويسرا تمثل المصالح الأمريكية في إيران منذ أكثر من 30 عاما. فقد كانت الدبلوماسية السويسرية تشتغل بفعالية وتكتم من أجل البحث عن حل للملف النووي الإيراني، ولإعطاء دفع لاستئناف المفاوضات الدولية في جنيف.

وبعد مفاوضات الملف النووي هناك تحضيرات لمؤتمر جنيف 2 حول المشكل السوري. وهذا ما يمثل تعزيزا متزايدا للدور الدبلوماسي لجنيف. وهو ما ستكون له نتائج سياسية واقتصادية مهمة بالنسبة لسويسرا.  

swissinfo.ch



وصلات

×