Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

احتفاء وطني باللاجئين وسط مخاوف!



"في زمن يتميز بازدهار اقتصادي غير مسبوق بالنسبة للبعض، يكتشف اللاجئون أن أماكن الإستقبال تقل أكثر فأكثر" كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة

"يوم اللاجئين" تقليد سويسري لا يتجاوز عمره الثالثة والعشرين لكنه تحول إلى مناسبة لا يتخلف عنها معظم المعنيين في شتى أنحاء الكونفدرالية للتعبير بشكل أو بآخر عن التضامن والتفهم لأوضاع طالبي اللجوء واللاجئين المتواجدين فوق الأراضي السويسرية.

في السبعينات وبداية الثمانينات، لم يكن عدد الأشخاص الذين اضطروا لسبب أو لآخر إلى مغادرة بيوتهم في أقاصي آسيا أو أحراش إفريقيا أو مدن أمريكا اللاتينية والقدوم إلى الكونفدرالية طلبا للأمان ملفتا لانتباه السكان أو مثيرا لمشاكل اجتماعية أو ثقافية ملحة. لكن تغييرات جوهرية طرأت على الوضع منذ منتصف الثمانينات.

فقد تابع السويسريون طيلة العشريتين المنقضيتين، بشيء من الذهول المشوب بالقلق، تدفق عشرات الالاف من اللاجئين على بلادهم من سريلانكا ومن الصومال ومن شرق تركيا ومن شمال العراق ومن أنغولا ومن الكونغو ومن البوسنة والهرسك ومن ألبانيا ومن إقليم كوسوفو ومن شمال إفريقيا ومن كولومبيا ومن أفغانستان وغيرها من مناطق العالم البعيدة والقريبة التي اكتوت بنيران الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة والإنقلابات والمآسي الإنسانية والكوارث الطبيعية بمختلف أصنافها.

وبما أن الظاهرة تزامنت في بداية التسعينات باندلاع أزمة اقتصادية حادة أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل لم تعرفه سويسرا منذ زمن بعيد، اشتد الجدل داخل الكونفدرالية بين التيارات والمنظمات والقوى المتفهمة للظروف التي تدفع ملايين البشر للفرار من بلدانهم بحثا عن الأمن والإستقرار وبين الجهات والأطراف التي أعلنت بوضوح رفضها استمرار ما تصفه بـ "التسامح المبالغ فيه" للسلطات مع تدفق "اللاجئين الإقتصاديين" حسب رأيهم.

 جميعا ... في سفح الغريتلي!

أما اليوم، فقد تراجعت حدة هذا الجدل إلى حد بعيد، لكن القضية اتسعت لتشمل وضع كل الأجانب بدون تمييز، خاصة بعد أن أظهرت آخر الإحصائيات الرسمية للسكان أن الغالبية الساحقة من اللاجئين لا يعتزمون مغادرة سويسرا وأن أطفالهم الذين أتقنوا لغة البلاد ودرسوا فيها لا يرون مستقبلا لهم خارج الكونفدرالية التي منحت آباءهم يوما من الأيام حق اللجوء أو مجرد الإقامة المؤقتة.

لذلك حرصت الجهات الرسمية والحقوقية والمدنية والدينية التي تنظم يوم السبت الخامس عشر من يونيو – حزيران مئات التظاهرات المتنوعة في شتى أنحاء البلاد في إطار "اليوم الوطني للاجئين" على الإستمرار في بذل الجهود لإقناع الرأي العام المتخوف بأن للاجئين الحقيقيين (طبقا لمواصفات القنون الإنساني الدولي) حقوقا لا يمكن انتهاكها أو التلاعب بها.

فليس من باب المصادفة أن تختار المنظمة السويسرية لمساعدة اللاجئين (أهم مؤسسة غير حكومية معنية بشؤون اللاجئين في سويسرا) مكانا يحتل مكانة رمزية خاصة في قلوب السويسريين لتنظيم احتفال ضخم شعاره الوحيد "جميعا"!

فعلى إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية قام الجنرال هنري غيزان بجمع قادة الجيش في سفح الغريتلي الذي يقع في قلب سويسرا، وأقسموا جميعا على الدفاع عن الكونفدرالية ضد المعتدين أيا كانوا.

لذلك تعمدت المنظمة اختيار هذا الموقع التاريخي والوطني الهام لتؤكد مجددا على أن اللاجئين "يقدمون مساهماتهم منذ عشرات السنين بل منذ عدة قرون لفائدة المجموعة الوطنية" وهو ما يعني أنهم "أصبحوا جزءا من مجتمعنا" وأن لهم بالتالي "مكانا حقيقيا بيننا" حسبما جاء في تصريحات مسؤولي المنظمة في بيان صدر بالمناسبة .

ومن المتوقع أن يحضر الإحتفال الثالث والعشرين بيوم اللاجئين أكثر من ألف وخمس مائة شخص يمثلون البلديات والكانتونات والمواطنين العاديين وأهم جاليات اللاجئين المقيمة منذ عشرات السنين في البلاد (مثل لاجئي التيبت وتشيكيا والمجر) أو الوافدين الجدد (مثل التاميل والأكراد) إضافة إلى مشاركة شخصيات حكومية وفدرالية على غرار السيد جون دانيال غربر مدير المكتب الفدرالي لشؤون اللاجئين.

 مخاوف وآمال

هذا الإحتفاء الكبير باللاجئين طيلة يوم من أيام السنة لا يحجب عن أنظار المعنيين والخبراء المشاكل العديدة التي لا زال يعاني منها طالبو اللجوء الجدد (الذين ارتفع عددهم بنسبة 17% مقارنة بالعام الماضي). فبالإضافة إلى تراجع الموارد المالية المرصودة لفائدتهم وتقلص إمكانيات العمل والتكوين المتاحة لهم مقارنة بالفترات السابقة، يُخشى من أن ينعكس الجدل المتصاعد في البلدان الأوروبية المجاورة حول أوضاع المهاجرين سلبا في سويسرا.

ومع أنه لا يمكن لأحد التشكيك في التقاليد الإنسانية العريقة للكونفدرالية وحرص نخبها السياسية والفكرية والحقوقية على التمسك باحترام الكائن البشري أيا كانت هويته أو وضعه إلا أنه لم يعد بالإمكان تجاهل بعض الظواهر المزعجة مثل تنامي التيارات اليمينية المتشددة على الساحة السياسية وانعكاسات بعض المستجدات الإقليمية والعالمية على تشكيل الرأي العام.

وفيما تحاول الجهات القريبة من الملف إقناع أصحاب القرار في السلطة التشريعية وعلى المستوى الفدرالي بتعزيز الجهود الرامية إلى إدماج أفضل للاجئين وللمهاجرين عموما، تخشى منظمات حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني من أن تنخرط سويسرا في سياق سياسات التضييق الأوروبية في هذا المجال.

وتبدو الحكومة الفدرالية عشية الإحتفال باليوم الوطني للاجئين في موقف لا تحسد عليه بالمرة. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ترافق تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود البرية وفي المطارات مع اتخاذ خطوات مثيرة للجدل (مثل إنشاء سجل معلوماتي مركزي موحد للأجانب) بهدف إحكام مراقبة جميع أصناف الأجانب المقيمين في سويسرا ومن ضمنهم اللاجئون وطالبو اللجوء بطبيعة الحال.

 هل ينسى السياسيون؟؟

من جهة أخرى تعمل الحكومة الفدرالية بكل الوسائل القانونية والديبلوماسية المتاحة لها على منع تحول سويسرا إلى قطب اجتذاب لطالبي اللجوء الذين ترفض طلباتهم في البلدان الأوروبية المرتبطة باتفاقيتي دبلن وشنغن.

ففي ظرف لا يتجاوز عاما ونصف، ستبدأ بلدان الإتحاد الأوروبي الخمسة عشر في تطبيق بنود الإتفاقيتين وهو ما سيترجم في سجل موحد لكل طالبي اللجوء إليها وانسحاب أي قرار بالرفض أو بالطرد تتخذه سلطات أي بلد ضد أي طالب لجوء أو شخص أجنبي على بقية الدول. وهو ما من شأنه أن يحول سويسرا، وسط القارة الأوروبية، إلى موئل لعشرات الالاف من المطرودين من فضاء شنغن الذي يستعد قادته لتحويله في قمة إشبيلية في موفى هذا الشهر إلى حصن منيع يصعب اختراقه.

ومما لا جدال فيه أن بلدا صغيرا بحجم سويسرا لا يمكنه تحمل هذا الوضع الخطير على المدى البعيد. لذلك يستعد مسؤولوه لافتتاح مرحلة جديدة من المفاوضات الثنائية ستحتل فيها مسألة انضمام برن إلى اتفاقيتي شنغن ودبلن موقع الصدارة.

وفيما تشير العديد من المؤشرات إلى استعداد الكونفدرالية لتقديم تنازلات معتبرة من أجل الحصول على وضع مشابه للنرويج وإيسلندا ضمن الدول الملتزمة بتطبيق الإتفاقيتين، يأمل المدافعون عن حقوق ملايين البشر الذين يضطرون للفرار من بلدانهم بحثا عن ملجإ آمن أو مستقبل أفضل أن لا ينسى السياسيون تقاليد سويسرا والتزاماتها الدولية في خضم البحث عن حماية المصالح والسعي لمراعاة بعض نزعات الناخبين.

كمال الضيف – سويس إنفو



وصلات

×