Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

استعادة أرصدة بن علي


"ليست مسألة مال بقدْر ما هي مسألة كرامة"


بقلم دانييلي مارياني


تقول مصادر تونسية إن ثروة بن علي وزمرته تناهز 17 مليار دولار ولا تكاد تصدق أن أموالهم المودعة في سويسرا تناهز 60 مليون فقط (Keystone)

تقول مصادر تونسية إن ثروة بن علي وزمرته تناهز 17 مليار دولار ولا تكاد تصدق أن أموالهم المودعة في سويسرا تناهز 60 مليون فقط

(Keystone)

لعلّ سويسرا تكون على وشك إعادة الأرصِدة المالية المجمّدة في البنوك السويسرية باسم بن علي وبعض أفراد عائلته إلى تونس، التي من جانبها، تعتبر استرداد هذه الأموال المنهوبة، أمرا بالغ الأهمية.

ولكن، الأهم بالنسبة لها، هو تسليط الضوء على الإمبراطورية المالية التي أنشأها الدكتاتور السابق وزمرته واستِعادة الكرامة.

"نعم، بن على سرق، ولكن، أليست سويسرا مشاركة، نسبيا، في الجريمة؟ ألا تتحمّل مسؤولية استِقبالها لهذه الأموال؟". هذه المشاعر، أعرب عنها أحد المشاركين في ورشة العمل التي عقدها يوم الأربعاء 27 فبراير 2013 في المنتدى الاجتماعي العالمي في تونس، تحالُف الجنوب ومنظمات محلية غير حكومية، كما أنه شعور يُساور كثيرا من التونسيين.

ومما يزيد التوتّر أيضا، تَصَوّر التواكُل من جانب السلطات القضائية في سويسرا. ففي البلاد التي أشعلت شرارة الربيع العربي، هناك اعتقاد بأن إجراءات استِرداد الأموال المودعة في البنوك السويسرية من قبل الديكتاتور السابق وأعوانه،  تسير ببُطء ومشوارها طويل.

"بالنسبة لنا، ليست مسألة مال، وإنما كرامة وردّ اعتبار"، كما يقول سامي الرمادي، رئيس الجمعية التونسية للشفافية المالية وعضو اللجنة التي حققت بشأن الفساد، ويوجد حاليا ما يقرب من 60 مليون فرنك سويسري مجمدة في سويسرا.

استعادة سريعة

"لدينا أسباب وجيهة تؤكّد لنا قدرتنا على التحرّك السريع لمُصادرة الأموال المُودعة في سويسرا من قِبل زمرة بن علي"، بهذه الكلمات سعى بيير كومبيرنو، السفير السويسري في تونس إلى الطمأنة، وهو يُدرك: "الإحباط الكبير" بسبب ما يحدث، ونظرا لأن سويسرا بلد قانون، فإنها ملزمة بأن تحترم الآماد القانونية، على حدّ قول السفير.

وأضح كومبيرنو، بأن ردّ فعل الحكومة السويسرية كان مبكّرا وسريعا. فقد جمّدت أرصِدة بن علي، بعد أربعة أيام فقط من هُروبه، ولم تقف بعد ذلك متفرّجة، بل كما يقول سفير سويسرا في تونس: "في بادِئ الأمر، وجدت السلطات التونسية الجديدة صعوبة في إدارة هذا الملف، وببادرة منا، حضر قاضي التحقيق السويسري السابق إلى تونس، للمساعدة في صياغة خطاب الالتماس".

"الإرادة السياسية موجودة"

وكعلامة أخرى على الرغبة في تعجيل حلّ القضية، قرار المدّعي العام الفدرالي بأن يعكس المطالبة بالبيّنة، على غرار ما حدث في الماضي، كما على سبيل المثال في قضية أرصدة الدكتاتور النيجيري السابق ساني أباشا، أي بمعنى آخر، جعل الكُرة في ملعب أصحاب الأموال المجمّدة في سويسرا من خلال مطالبتهم بتقديم البيّنة على شرعية أرصِدتهم وأن هذه الأموال ليست للدولة التونسية.

"في سويسرا، هناك رغبة سياسية حقيقية على أعلى المستويات، لدفع هذه القضية قُـدما"، تبَعا لما قاله السفير. وعلى عكس ما حدث في هايتي، فإن كومبيرنو لا يرى داعٍ لصياغة قانون خاص لإعادة الأموال إلى تونس، إذ في وضع هايتي، كان الأمر يتطلّب نوعا من التيسير، حيث البلد يعيش حالة انهِيار، "ومع أن الحكومة التونسية تُعاني من خلل وضعف إداري، إلا أنه لا يمكن على الإطلاق مقارنتها بهايتي"، بحسب ما أوضح السفير السويسري، الذي أضاف بأن القانون الجديد لن يخدم سوى تأخير العملية.

اتفاقية حماية الاستثمارات

في 13 مارس 2013، وافق البرلمان السويسري على اتفاقية ثنائية مع تونس لتشجيع وحماية الاستثمارات، من شأنها أن تحدد قواعد الاستثمارات ونقل رؤوس الأموال والمداخيل والتعويض في حالة نزع المِلكية وتسوية النزاعات بين البلدين.

اعترض تحالف اليسار والخُضر داخل البرلمان الفدرالي على أوجه القصور في الاتفاق، باعتبار أنه لم يشمل الالتزام حيال المتطلّبات الاجتماعية في مجال حماية العمال والبيئة والمسؤولية الاجتماعية للشركات، إلا أن أغلبية البرلمان قررت خلاف ذلك، خوفا من أن إعادة التفاوض بشأن النص، ستستغرق عامين آخرين أو ثلاثة وترسل إشارة سلبية إلى تونس، في حين أن التسريع في إبرام الاتفاق، من شأنه أن يُساهم في استقرار الهياكل الاجتماعية والاقتصادية في تونس ويمهّد الطريق لتلبية مطالب المستثمرين السويسريين.

نفس القضية، كانت محور النقاش الذي نظمه "تحالف الجنوب" (منظمة غير حكومية سويسرية) يوم الخميس 28 مارس 2013، على هامش المنتدى الاجتماعي العالمي الذي استضافته تونس.

دون جدوى، دعت المنظمة البرلمان لإعادة النظر في اتفاق مع تونس، من مبدإ أنها تَعتبِر هذا النوع من الاتفاقيات من موروثات الحِقبة الاستعمارية، لأنه يفرض هيْمنة الطرف المُستثمر في مقابل فرْض التِزامات على الطرف الآخر.

ولدعم طرحه، استشهد تحالف الجنوب بما حصل في عام 2010 لأوروغواي مع شركة التّبغ متعدّدة الجنسيات "فيليب موريس"، التي يوجد مقرها بسويسرا، حيث رفعت الأخيرة شكوى إلى لجنة التحكيم التابعة للبنك الدولي ضد دولة أوروغواي، لفرضها إجراءات أكثر صرامة للحد من استهلاك التّبغ، وطالبت فيليب موريس بنحو ملياري دولار كتعويضات، مستنِدة إلى أربع مواد تضمّنتها اتفاقية حماية الاستثمارات بين سويسرا والأوروغواي، ولا تزال القضية رهْن التداول.

تعاون جيد

وفي نفس السياق، عبّـر سامي الرمادي عن كامل رضاه عما تم إنجازه حتى الآن من قِبل سويسرا، وأعرب عن ارتياحه قائلا: "لقد التزمَت بالوعود، وما سَرَّنا بشكل خاص، هو أن النائب العام الفدرالي قرر فتح تحقيق مستقل"، في إشارة إلى التحقيق الجنائي ضدّ المقرّبين من الدكتاتور السابق بتُهمة غسيل الأموال والانتماء إلى منظمات إجرامية وتقديم الدّعم لها.

وأشار الطبيب، الذي عمل في جنيف لمدة عشر سنوات، إلى أن الدول الأخرى لم تصِل إلى هذا المستوى من التعاون وأن دولا مثل بريطانيا والإمارات العربية المتحدة، لا تكاد تبدي من الناحية العملية، أي تعاون. وفي فرنسا، القضية موكلة لقاضٍ واحد وضابِط شرطة فقط، وقد اكتفت باريس بوضع قائمة بما لديها من أصول تعود مِلكيتها لحاشية بن علي. وألمانيا، لا تتعاون بشكل كافٍ، في حين أن التعاون مع بلجيكا ولبنان، أكثر إيجابية، ومن المُقرر أن تُعيد بلد الأرز الأموال المجمدة لديها قريبا.

مع ذلك، الأمور مع سويسرا لا تسير كلها على ما يُرام، فلم تحقّق الهيئة الفدرالية للرقابة المالية، إلا مع عشرين مؤسسة مالية وأربعة منها هي التي لديها مُخالفات، وفقا للتقرير الصادر في نوفمبر 2011. ولا يزال يعتقد الرمادي بأنه من الممكن أن تكون هناك أموال تونسية غيْر شرعية في البنوك والمؤسسات المالية الأخرى.

قطرة في محيط

ومن جهة أخرى، أكّد رئيس الجمعية التونسية للشفافية المالية وملاحقة الفساد، بأن ما لدى سويسرا من أموال زمرة بن علي، أكثر بكثير مما تمّ الكشف عنه حتى الآن، ولَفتَ قائلا: "لقد تحقق لنا بأن ثروة بن علي وزمرته، تناهز 17 مليار دولار، أيْن هي كل هذه الأموال؟ في تونس لم نعثر عليها، فلا يقولوا لي بأن في سويسرا 60 مليون فقط".

أما السفير السويسري بيير كومبيرنو، فقد ألحظ من جانبه، إلى أن تجميد الأموال تمّ بناءً على قائمة أسماء قدّمتها تونس، وأردف: "لقد طلبنا من السلطات التونسية إتمام هذه القائمة، وهي مهمّتهم وليست مهمّتنا".

مكْـمَن المشكلة في الواقع هو عدم وجود أدِلّة: "كل ما لدينا، هو ما عثرت عليه اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد داخل القصر الرئاسي، وتلك هي الوثائق التي يستنِد إليها خطاب الالتِماس"، كما ذكر الرمادي، ناهيك عن أن التونسيين لا يعرفون شيئا أو يعرفون القليل فقط عن شبكة الشركات الخارجية التي أنشأتها عائلة بن علي، والتي لم تتضمن اللائحة المقدّمة إلى السلطات السويسرية، سوى واحدة منها. وبحسب المُحاور التونسي: "إن الأدِلة موجودة في سويسرا على وجه الخصوص، ولذلك نحن نطلب من الحكومة السويسرية أن تقدّم لنا دعما إضافيا للكشف عن هذه الشبكة المالية بأكملها".

"بالنسبة لنا، مسألة الكشف عن الحسابات والأرصِدة وشبكة الشركات الخارجية التي تملكها عائلة بن علي وزمرته، أهم بكثير من المساعدات الإنمائية التي تقدمها لنا سويسرا"، ويخلص الرمادي قائلا: "وعندما نتمكّن من الانتهاء من هذا الملف، نستطيع أن نقِف أمام الشعب التونسي ونقول له: هذا هو ما قدمته لنا سويسرا. وهكذا تتعزّز الصداقة بين بلدينا".

swissinfo.ch



وصلات

×