Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

الأديان والأعراق.. دراسة جامعية حول الشباب المسلم في سويسرا




في عصر العولمة، أصبحت الأديان والإثنيات عناصر مهمة في بناء الهويات وتمييز الثقافات، ومحددات حاسمة في رسم السياسات واتخاذ القرارات. هذا الموضوع محور بحوث دراسية عديدة في الجامعات السويسرية الآن، ومن بين محاوره، "الشباب والتديّن"، الذي يشرف على إنجازه فريق بحثي بجامعة نوشاتيل.

هذا العمل العلمي يمثل الوحدة الدراسية الرابعة ضمن برنامج البحث الوطني PNR 58 المتعلق بدراسة المشهد الديني المتغيّر في سويسرا. والهدف منه كما تقول جويل موراي، باحثة متخصصة في الأنتروبولوجيا الاجتماعية "هو التعرف على طبيعة علاقة الشباب في سويسرا بالأديان، واختبار بعض الأفكار السائدة حول الموضوع، كالرأي الشائع مثلا بأن الشباب المسلم أكثر تديّنا من المجموعات الأخرى".

وتقول كريستين دوملار، عضو هي الأخرى بالفريق الباحث، ومتخصصة في علم الاجتماع: "معرفة هذا الأمر مهم جدا بالنسبة لمجتمع متعدد الثقافات، يسوده توجّس وخوف حول السلام والتعايش الديني".

تثبت النتائج الأوّلية لهذه الدراسة التي شملت 800 شاب سويسري من أصول أثنية مختلفة، وانتماءات دينية متعددة، تتراوح أعمارهم بين 16 و19 سنة، في كانتوني نوشاتيل ولوتسرن، (6% من مجموع العينات التي شملتها الدراسة مسلمون، مقابل 40% من بروتستانت، و31% كاثوليك، و19% من اللادينيين)، تباين المواقف نسبيا داخل الفئة الدينية الواحدة، وتقول الباحثة ديملر: "من الصعب إعطاء إجابة واحدة حول طبيعة علاقة الشباب بالأديان، بعضهم متديّنون جدا، وبعضهم الآخر لا يعير أي اهتمام للبعد الديني، ولا يقتصر هذا الأمر على دين دون غيره".

التدين في صفوف الشباب المسلم

رغم إشارة الدراسة إلى أن 50% من الشباب المسلم في نوشاتيل لا يمارسون الطقوس الدينية، مقابل 40% يصلّون مرة واحدة في الأسبوع على الأقل، ورغم أن 16% فقط منهم يحملون رموزا تدل على انتمائهم الديني، كالقرآن، والحجاب بالنسبة للبنات، و8% فقط منهم ينشطون في جمعيات ومراكز دينية، إلا أن هذا لا يعني أن الشباب المسلم في سويسرا لا يعير اهتماما في حياته إلى المسألة الدينية.

فالإحصاءات الواردة في هذا العمل العلمي تشير إلى أن 80% من الشباب المسلم يراعون نسبيا القيم الدينية في اختيار طعامهم، و50% منهم يحرصون على ألا تكون ملابسهم مخالفة لما ينص عليه دينهم، وأن 90% منهم يشددون على تربية أبنائهم في المستقبل طبقا لقيمهم الدينية.

وعن المجال الذي تلعب فيه الأديان دورا أكبر في حياة الشباب، تقول الباحثة جويل موراي، "الدين مرجع أساسي في الإجابة عن الأسئلة العقائدية المتعلقة بمعنى الحياة والوجود، وباللجوء إليه عند المصاعب والشدائد، وهو منبع تصورهم لنمط تربية أبنائهم في المستقبل".

ولا يتوقف تدخل الدين في حياة الشباب عند المستوى الفردي، إذ يلعب هذا العامل دورا مهما إلى حد ما في ضبط العلاقة بالمحيط الاجتماعي لكل منهم، وتقول جويل موراي: "لاحظنا أن المراهقين في المدارس يميلون إلى التواصل مع زملائهم الذين يشاطرونهم نفس الانتماء الديني أو الإثني. وتصل نسبة هؤلاء إلى حدود 55% من العينة المدروسة".

لكن هذا لا يعني أبدا أن هؤلاء الشباب منغلقون على أنفسهم، أو منعزلون عن زملائهم من أتباع الديانات الأخرى، وإن كان من الملفت للنظر أن "نسبة قليلة جدا لا تتجاوز 5% من الشباب المسلم من يقدمون على ربط علاقة مع نظرائهم من أتباع المذهب البروتستانتي، ومنهم من يعتبر الممارسين لطقوسهم حتى من أتباع الديانات الأخرى أقرب إليه من اللادينيين من أبناء جنسه، وهذا ميل مشترك عند أتباع جميع الطوائف".

قواسم مشتركة

رغم هذه المؤشرات المهمة حول الشباب السويسري المسلم، يشدد الباحثون على أهمية القواسم المشتركة بين العينات التي شملها البحث، و"أن التمايز بين المجموعات الدينية هو تمايز عمودي وليس أفقي"، بما يعني أن الشبّان المسلمين في تصوّرهم للدين وعلاقتهم به لا يختلفون في شيء عن البقية من أتباع الديانات الأخرى.

وترجع كريستين دوملار "إصرار وسائل الإعلام على جعل الصفة الدينية في المقدمة عند الحديث عن الشباب المنحدر من بلدان البلقان أو العالم العربي إلى نوع من عمليات الوصم التي تهدف إلى التشويه، وهي عملية تغذّيها مجموعات تتوحد مصالحها في معاداة المهاجرين"، بل يذهب الباحثون إلى أبعد من ذلك، فينفون وجود مجموعة متجانسة تسمى "الشباب المسلم"، وتعتبر جويل موراي "هذا الإتجاه نتيجة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتبدّل نظرة العالم إلى المسلمين، وظهور مقولة محور الشر، مما وضع الهوية الإسلامية موضع الشك والريبة".

ولا تتوقف خطورة هذه الظاهرة في كونها لا تعكس حقيقة ما هو واقع، تقول هذه الباحثة، بل تتجاوز ذلك "فتفرض على هذه الفئة هوية من الخارج، وتجبرها على التموقع وفقا لتلك الهوية، ومن هناك يمارس عليها التمييز العنصري، وتنتهك حقوقها في ميدان العمل والتعليم،...".

وإذا صح أن هناك ما يوحّد هذه الفئة، تضيف الباحثة: "فلن يكون الإنتماء لدين واحد، بل تقاسمها لأوضاع اجتماعية متقاربة وصعبة، ووجودها أمام تحديات مشابهة".

محاربة الكليشيهات

غير بعيدا عن "دار تحليل التحولات الاجتماعية بنوشاتيل"، ينظم حاليا معرضا حول "الصور النمطية "التي تروج في المجتمع السويسري حول الشبان المسلمين . ونبعت فكرة هذه التظاهرة من قسم الإندماج والتعايش بالمدينة، وأشرف على انجازها طلاب من معهد الأثنولوجيا بالمنطقة، والهدف من وراء هذه المبادرة مكافحة الصور النمطية التي يشيعها الإعلام ودوائر سياسية محددة حول الشبان المسلمين في سويسرا.

هذا المعرض يحتوي على قسميْن، في مرحلة أولى يضع الزوار أمام جملة من الأفكار المسبقة حول الشبان المسلمين، كوصمهم مثلا "بأنهم مخادعين"، و"فئة تبحث دوما عن تبرير خارجي لفشلها"، وأنهم "يلجئون إلى الدين للهروب من مسؤولياتهم كمواطنين"، أو "أنهم مفطورون على العنف" و"مهوسون بالجنس"، وأنهم "يمثلون أعداء للمرأة بسبب الافكار الإسلامية التي يعتنقون".

وانسجاما مع هذا المنطق يخلصون إلى أنه "لا طائل من محاولة إدماجهم في المجتمع السويسري عن طريق المدرسة أو غيرها"، و"أن الحل الوحيد هو إرجاعهم لبلدانهم". جملة هذه الأفكار المسبقة، وهذه الصور الكاريكاتورية المخيفة، تحضر في المعرض عبر عدد من الرسوم والصور، بالإضافة إلى الكتب والمنشورات التي تزخر بهذه الأفكار.

أما الجناح الثاني للمعرض، فيتمثل في الرد على هذه الصور النمطية، ويتركز على إظهار سلبيات النظام الإجتماعي القائم، وتشدّده حيال الاجانب عامة والمسلمين خاصة. وفي إحدى الاجنحة رُتّبت غرفة على هيئة فصل دراسي في إشارة إلى نمط الإندماج الذي يطلبه المجتمع السويسري من الاجانب، والذي يتلخص في القول على حد عبارة، يان لافيل، المرشد الفني لمتحف الإثنوغرافيا بنوشاتيل: "دعوة الأجانب للعودة إلى مقاعد الدراسة لتعلّم كيف يكونوا سويسريين حقيقيين".

ويرى السيد لافيل أن أحد أهداف المعرض إبراز مبالغة المجتمع السويسري في ما يطلبه من الأجانب، وما ينتظره منهم من تمثّل كامل لتقاليد المجتمع السويسري أكثر حتى من السويسريين أنفسهم.

الغرض من هذا المعرض في النهاية هو إذن إطلاق حوار حول هذه الأفكار المسبقة سعيا من منظميه لإتاحة معرفة اوسع بالمسلمين في سويسرا، وإلغاء مبررات الخوف والتوجّس منهم، بما يتيح خلق وضع يسمح بتحقيق اندماج حقيقي، خاصة وأن سويسرا تمتلك تجربة تاريخية ثرية في هذا المجال.

عبد الحفيظ العبدلي - نوشاتيل - swissinfo.ch

الدين والمجتمع

لفتت التحولات الدينية التي شهدها المجتمع السويسري خلال العقدين الأخيرين الأنظار إلى المسألة الدينية والتأثير الكبير الذي يمكن أن تتركه على الساحتين السياسية والاجتماعية في البلاد.

ومنذ سنوات باتت قضايا مثل بناء المآذن والمعابد البوذية والدروس الدينية في المدارس الرسمية تثير جدلا واسعا في الأوساط السويسرية حتى أصبح السؤال المركزي الذي يشغل الهيئات الحكومية والأحزاب السياسية: كيف يمكن تحقيق إندماج هذه الأقليات الدينية الوافدة إلى البلاد حديثا؟ وكيف يمكن ضمان التعايش السلمي بين مختلف الأديان، وبين المتدينين وغير المتدينين؟ وما طبيعة الموقف الذي يجب أن تلتزم به الدولة في مجتمع تعددي؟

للإجابة على هذه الأسئلة، أقرت الحكومة الفدرالية برنامج البحوث الوطنية "PNR 58" تحت عنوان "الأديان في سويسرا" وذلك في ديسمبر 2005، وخصصت له ميزانية قدرها 10 ملايين فرنك.

وقد تم تخصيص ثلاث سنوات لإنجاز هذه البحوث التي رصدت لها ثلاثة أهداف: رصد وقياس التغيرات التي طرأت على طاهرة الدين على المستويين الفردي والجماعي، وتوفير معطيات واضحة يتم في ضوءها صياغة ساسات مدروسة في المجالين الديني والتكويني، وأخيرا اقتراح سبل لتشجيع قيم التعايش بين أتباع الأديان المختلفة أو بين المتدينين وغيرهم.

هذا المشروع في النهاية إشتمل على 28 دراسة علمية بقوم على إنجازها جامعيون وخبراء من اختصاصات متباينة تشتمل على علماء إجتماع الأديان وعلماء إجتماع التاريخ وعلم اللاهوت والإسلاميات والعلوم السياسية،.... وقد بدأت النتائج الأولية لهذه البحوث في الظهور.

وضمن هذا البرنامج إهتم فريق من الباحثين من "دار تحليل التحوّلات الإجتماعية"، التابعة لجامعة نوشاتيل بدراسة موضوع "الشباب، والمدرسة، والإنتماء الديني"، ويهتم الإهتمام في هذا الدراسة على تحليل الطريقة التي يمارس بها الشباب انتماءهم الديني، وكيف يؤثر ذلك على سلوكهم وتوجهاتهم في الحياة العامة، والهدف النهائي من هذا البحث التوصل إلى معرفة دقيقة وعلمية حول هذه الظاهرة، للوقوف على انعكاساتها في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات، ومن اجل استثمار تلك النتائج في بناء مجتمع متماسك ومتعايش.



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×