Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

الإسكان والتعمير


رُبُـع السويسريين يُقيمون في أكثر من عنوان واحد


بقلم أولفييه بوشار


عادة ما يتم الربط بين الإقامة في مناطق متعددة وظاهرة السكن المُخصّص لقضاء الإجازات، لكن هذا الصنف من البيوت لا يمثل سوى نسبة قليلة من الظاهرة ككل. (Keystone)

عادة ما يتم الربط بين الإقامة في مناطق متعددة وظاهرة السكن المُخصّص لقضاء الإجازات، لكن هذا الصنف من البيوت لا يمثل سوى نسبة قليلة من الظاهرة ككل.

(Keystone)

أضحى استخدام أكثر من محل واحد للسكن والإقامة ظاهرة واسعة الإنتشار في سويسرا. ولأوّل مرة، كشفت دراسة جديدة أن أزيد من ربع سكان البلاد، أو ما يعادل حوالي مليوني شخص، يتوزّع سكنهم على أكثر من عنوان واحد. وكما يبدو، فإن الأسباب المهنية ليست هي الدافع الرئيسي وراء "حياة الترحال" هذه، كما قد يتبادر للأذهان، بل هي انعكاس لتطوّرات اجتماعية أكثر عمقا.

وكانت السجالات التي رافقت إطلاق مبادرة الحد من بناء المنازل الثانية المخصصة لقضاء العطل (التي أيدها الناخبون في عام 2012 بنسبة ضئيلة) قد كشفت بوضوح عن امتلاك العديد من الأشخاص في سويسرا لأكثر من محل واحد للسكن، ولم يكن هذا مفاجئاً. ولكن ما أثار الدهشة على وجه الخصوص، هو الإنتشار الواسع لهذه الظاهرة.

 "الإقامة في مناطق متعددة في سويسرا"

تم تمويل دراسة "الإقامة في مناطق متعددة في سويسرا" التي أنجزت ما بين عامي 2012 و 2015 من قبل الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي.

تعاون في إنجاز الدراسة مجموعة من العلماء والباحثين في كل من منتدى السكن / مركز بحوث العمارة والمجتمع والبيئة العمرانية في قسم الهندسة المعمارية التابع للمعهد التقني الفدرالي العالي زيوريخ، وقسم علم الإجتماع في جامعة بازل، وقسم الإقتصاد في جامعة لوتسيرن للعلوم التطبيقية والفنون.

اعتمدت الدراسة على عينة عشوائية مكونة من 3246 شخص تراوحت أعمارهم بين 15 و74 عاماً.

ووفقا للدراسة التي حملت عنوان "الاقامة في مناطق متعددة في سويسرا" التي أنجزها منتدى السكن بمركز بحوث العمارة والمجتمع والبيئة العمرانية في قسم الهندسة المعمارية التابع للمعهد التقني الفدرالي العالي زيورخ، بالتعاون مع قسم علم الإجتماع في جامعة بازل، و قسم الإقتصاد في جامعة لوتسرن للعلوم التطبيقية والفنون، كان 28% من المشاركين في الدراسة حين إجرائها يقيمون في أكثر من مسكن. كما كشفت الدراسة أيضاً أن نحو 20% من الذين شملتهم الدراسة كانوا قد خاضوا هذه التجربة مرة واحدة على الأقل في الماضي.

ومن بين المقيمين في أكثر من عنوان، يتوفر 9% منهم على أربعة عناوين سكن أو أكثر في بعض الأحيان. ويقول عالم الإجتماع سيدريك دوشين- لاكروا من جامعة بازل، الذي شارك بتأليف هذه الدراسة التي استغرقت ثلاثة أعوام: "قد يبدو هذا مفاجئاً، ولكنه مُمكن جداً. وعلى سبيل المثال، أعرف سيدة شابة تعيش في بازل لمتابعة دراستها، ولكنها تقيم مع والدتها بانتظام أيضاً، وعند والدها وصديقها كذلك".

بالرغم عن ذلك، شكّل الإنتشار الواسع لهذه الظاهرة مفاجأة للباحث الذي يقول: "يشكل مالكو المنازل الثانية نسبة 8%. ولو أضفنا أشكالاً أخرى للإقامة في أماكن مختلفة، فان الحصول على نسبة مقاربة ل 15% كانت ستكون متوقعة حتماً. ولكن ما لم نتصوره أبداً، هو وصول هذه النسبة إلى 28%.

مجتمع يشهد تغيرا سريعا

هناك الكثير من الأسباب التي تفسّر لماذا يتّخذ أكثر من ربع سكان سويسرا مساكن متعددة في مناطق مختلفة. ومن ضمن الأسباب العشرة الرئيسية لاقتناء مسكن آخر يأتي دافع الترفيه وقضاء وقت الفراغ على رأس القائمة (بنسبة 68%). أما الأسباب الأخرى، ولاسيما "العمل" فلا يُشار إليها كثيرا بالضرورة (لا تتجاوز 15%).

مع ذلك، لا يمكن القول بأن "قضاء أوقات الفراغ" هو العامل الحاسم هنا. وكما يقول دوشين-لاكروا: "إن الإشارة الطفيفة للأسباب الأخرى هو ما يُضفي هذه الأهمية الكبيرة على عامل’ وقت الفراغ‘ بالدّرجة الأولى". وكانت الدراسة قد أتاحت للمشاركين ذِكر أكثر من دافع واحد، لذلك يُضيف الباحث: "يظهر تأثير عامل الترفيه وقضاء وقت الفراغ بشكل أكبر في جميع المساكن، بينما تكون أنشطة أخرى مقيدة بمنطقة معينة".

على صعيد آخر، تتوافق الأرقام المذكورة في الدراسة مع منطق معين. ذلك أن أكثر الأشخاص الذين يُقيمون في أماكن متعددة ينتمون إلى فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 24 عاماً. وهذا يعود إلى اجتياز هؤلاء مرحلة حياتية تتطلب انتقالاً متكرراً من سكن لآخر، قد يكون لغرض التدريب المهني على سبيل المثال، أو بسبب الإقامة المؤقتة في شقة الوالدين، أو عند أحد الأصدقاء.

وبالمقارنة، يقيم غير المتزوجين (36,5%) والمطلقين (34,4%) في أماكن متعددة أكثر من المتزوجين (22%). كما يؤدي حق التناوب في الحضانة (بين الأم والأب) إلى إقامة ابناء الوالدين المطلقين في أكثر من مكان.

وبحسب دوشين - لاكروا، يعكس السكن في أماكن متعددة التغيرات الإجتماعية الحاصلة في المجتمع المعاصر. ومع أن هذه الظاهرة كانت موجودة دائماً بالفعل، بيد أنها لم تكن بمثل هذا الحجم، بحسب عالم الإجتماع. ويلاحظ دوشين - لاكروا قائلا: "في يومنا هذا، يختلف السكن في أكثر من مكان بسبب العمل عما كان عليه في السابق. فعلى سبيل المثال، كان السكن المتعدد موجوداً في جبال الألب، لكنه اختفى الآن تقريباً. وتتيح لنا هذه الظاهرة ملاحظة ما يحدث من تغييرات داخل الأسرة أيضاً".

تلافي الجمود الفكري

بدورها، التقت swissinfo.ch بزوجين يقيمان في أكثر من مسكن واحد. فالزوجة تعيش في شقة ثانية في زيورخ، في حين يسكن الزوج - وهو ربّ منزل - مع ابنته ذات العامين والنصف في نوشاتيل.

يقول الأب بيير- فرانسوا بيسّون: "لن يكون بمقدور زوجتي ممارسة مهنتها في نوشاتيل، مما يضطرها للبقاء في زيورخ بالتالي". وينظر الزوجان إلى هذا الأسلوب في العيش بوصفه وسيلة للمحافظة على التواصل مع المنطقتين اللغويتين، وتلافي الجمود الفكري. "وبالمناسبة، تقيم عائلة زوجتي في زيورخ أيضاً. وبرأيي، يساهم التوفر على مسكن في المنطقتين في تسهيل الحياة الأسرية. كما أن عدم الإضطرار للسكن في مكان واحد أمر مُمتع"، كما يضيف بيسّون.

أردنا من خلال هذه الدراسة إظهار بُطلان الفكرة الشائعة بأن مجتمعنا أحادي السكن.. كل شيء فيه يحوم حول مقرّ الإقامة

عالم الإجتماع سيدريك دوشين  لاكروا

وبالنسبة للزوجين، يُعتبر هذا النوع من السكن مثالياً، حتى وإن لم يخلُ من بعض السلبيات. "هذا الوضع يكلفنا أكثر بطبيعة الحال، كما أن النفقات والمجهود الإداري أكبر أيضاً. كما ينبغي على زوجتي أن توضح للسلطات الضريبية كل عام أن محل إقامتنا الرئيسي يُوجد في كانتون نوشاتيل، وبأننا ندفع الضرائب هناك. كذلك تحتاج تفاصيل الحياة اليومية إلى إيلاء بعض الإهتمام الإضافي، كأن يكون لدينا ما يكفي من الملابس في كلا المكانين دائماً، ولكن هذا بمجمله لا يشكل عائقاً كبيرا". 

معادلة معقدة

بالنسبة للقائمين على الدراسة، باتت ظاهرة السكن في مناطق متعددة تمثل "ظاهرة جماعية". ولكن أليس من غير الأخلاقي أو غير الإجتماعي على الأقل، أن يستخدم ما يزيد عن ربع السكان أكثر من شقة واحدة في ضوء أزمة السكن المزمنة في بعض المناطق، والإرتفاع الشديد لأسعار العقارات في سويسرا؟ يردّ سيدريك دوشين - لاكروا مبتسماً: "لست متأكدا ما إذا كان بمقدور عالم الإجتماع الإجابة على هذا السؤال. ولا يمكن تصنيف المسألة باعتبارها جيدة أو سيئة. فالمعادلة أكثر تعقيداً من ذلك لاحتوائها على العديد من العوامل".

كما يعلَّق عالم الإجتماع قائلا: "يُمكننا أن نقول بالطبع إن الشخص الذي يتوفر على شقة ثانية في مدينة أخرى لأسباب مهنية يشغل مساحة إضافية. لكن على الجانب الآخر، يتسبّب هذا الشخص بحركة مرور أقل مما لو كان يُسافر يوميا ذهاباً وإياباً بين مسكنه ومحل عمله".

swissinfo.ch

×