Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

الراية السويسرية خفاقة في أعالي البحار


البحرية السويسرية تحتفل بمرور 75 عاما على إنشائها في ظل أزمة خانقة


بقلم سامويل جابير


ناقلة الموليزون قادرة على حمل وشحن عشرات الآلاف من الاطنان من السلع المختلفة.  (swiss-ships.ch)

ناقلة الموليزون قادرة على حمل وشحن عشرات الآلاف من الاطنان من السلع المختلفة. 

(swiss-ships.ch)

يشهد النقل البحري على المستوى العالمي أسوأ أزمة في تاريخه. وتواجه السفن التي ترفع العلم السويسري صعوبات مشابهة. وبينما يحتفل الأسطول التجاري السويسري هذا العام بمرور ثلاثة أرباع قرن عن وجوده، فإن ملامح المستقبل لا تدعو إلى التفاؤل.

وتحمل سفن الشحن هذه أسماء مشاهير مثل جنيرال غيزون أو قمم جبال مثل متّرهورن، وموليزون، أو أيضا مونتي روزا. وفي جميع بحار العالم، تتباهى سفن الشحن برفع العلم الأحمر الذي يتوسّطه صليب أبيض. وفي الوقت الذي نجد فيه معظم السفن التجارية الألمانية، والفرنسية، والإسبانية، تبحر منذ فترة طويلة رافعة رايتيْ بنما او ليبيريا، بإمكان سويسرا أن تباهي جاراتها بأنها تسيّر أسطولا تجاريا خاصا بها منذ 75 عاما.  

شروط رفع العلم السويسري

لتسجيل السفن تحت الراية السويسرية، من الضروري أن يكون 51% من الأسهم في تلك السفن او الشركة لمالكين سويسريين او لمقيمين في سويسرا. ولا يحق لمالك السفينة بيعها قبل خمس سنوات إذا كان مستفيدا من الضمانة الائتمانية التي تقدمها الحكومة.

ولا يمكن لسويسرا بطبيعة الحال، وهي التي لا يتجاوز أسطولها 49 سفينة، ولا تمثّل سوى واحد في الألف من حجم النقل العالمي، إدّعاء القدرة على منافسة البحرية اليونانية أو المالطية ومراكبها التي تجوب أعالي البحار، وهي تعدّ بالآلاف. ومع ذلك، فسويسرا تظل تملك أكبر أسطول بحري في العالم مقارنة ببقية البلدان غير الساحلية وتسبق في ذلك منغوليا.

هذه الحقيقة غالبا ما يجهلها السويسريون أنفسهم، ويعود تاريخها إلى الحرب العالمية الثانية. ويشير الصحفي اولفيي غريفات، المشارك في تأليف كتاب "البحرية السويسرية: 75 عاما في المحيطات"، الذي صدر مؤخرا عن Edition Imagine: "أنشأ هذا الأسطول لضمان توفير السلع الأساسية خلال الحرب. والاسطول السويسري رمز الحياد، الذي من المفترض أن يكون ضمانة عدم التعرّض إلى القصف، او إلى فخاخ الغواصات الحربية الالمانية أو التابعة للحلف. لكن رغم ذلك، أُغرقت سفينتان من قبل البريطانيين".

ضمانة موضع شك

بعد ثلاثة أرباع قرن، لم تتغيّر مهمّة الاسطول البحري السويسري. المتمثلة في تزويد سويسرا بالبضائع التي بالإمكان أن تحتاجها إذا ما حصلت ازمة كبيرة. على الأقل، على الورق. إذ المرّة الوحيدة التي تم فيها تعبئة الأسطول السويسري كانت قبل قرابة 50 عاما، خلال حرب الستة أيام بين مصر وإسرائيل.

ورغم ذلك، لا تزال الشركات الخاصة الستة التي تشغّل أسطولا من ناقلات البضائع وناقلات المواد الكيميائية، وسفن متعددة الأغراض الرافعة للعلم السويسري تحت إمرة برن وتأتمر بأوامرها. 

وفي مقابل هذه المرونة، توفّر الكنفدرالية، من دون تقديم دعم مباشر، ضمانات قروض (تصل قيمتها إلى 1.1 مليار فرنك) لمساعدة مالكي السفن في تمويل اقتناء ناقلات جديدة. وبفضل هذه الضمانات، يحصل مالكو السفن على قروض بنسب فائدة تفاضلية من المصارف.

المشكلة أن هذه الضمانات الائتمانية، والتي تنتهي آجال العمل بها في شهر يونيو 2017 هي محلّ نزاع بين السياسيين. ولا شيء يوحي بأن الحكومة الفدرالية سوف تمدد هذا الأجل. وفي بازل، حيث يفترض وجود المنفذ الرئيسي للسفن التجارية السويسرية،- رغم أنه لا تمر بنهر الراين أي ناقلة عابرة للمحيطات- والمقرّ السويسري للملاحة البحرية ، يعترف ريتو دورلر، مدير هذا المكتب أن الأزمنة قد تغيّرت، ويقول: "مع تحرير الحركة التجارية، وعولمة المبادلات، لم تعد الحاجة إلى أسطول سويسري ملحّة مثلما كان عليه الحال من قبل". ويؤكدّ دورلر بأن "الأمر الآن متروك للسياسيين لكي يقرّروا ما إذا كانوا يريدون الإبقاء على هذا الأسطول، وبأي حجم".

"أكبر ركود عرفه التاريخ"

"في كل يوم يخسر ملاّك السفن مبالغ مالية طائلة"

إريك أندري، رئيس البحرية السويسرية

لكن هناك سبب آخر قد يدفع الحكومة الفدرالية إلى عدم تجديد دعمها المالي غير المباشر للبحرية السويسرية: الأخطار المتزايدة التي يمكن أن يتعرّض لها وللمرة الاولى في التاريخ الذين ينفقون أموالا لإنقاذ السفن السويسرية التي تعاني من صعوبات.

ويشير إريك أندري، رئيس رابطة ملاّك السفن السويسرية (AAS) ، ورئيس جمعية سويسرا- الاطلسي إلى أن "النقل البحري يمرّ بأكبر ركود في تاريخه، وجميع ملاك السفن، سواء كانوا سويسريين او أجانب، يعانون من نفس المشكلة". والسبب انخفاض أسعار السلع الأساسية، ولكن أيضا الإزدياد الكبير لعدد السفن الذي يعود للفترة السابقة الفاصلة بين 2003 و2008.

والأرقام التي يقدّمها إريك أندري، والذي يدير 16 سفينة، أكبر مجموعة ترفع العلم السويسري، هي صارخة ومخيفة: "في أواخر 2008، قبل الأزمة الإقتصادية العالمية، كانت أسعار الإستئجار بالنسبة لناقلة بسعة 70.000 طن تصل إلى 100.000 دولار في اليوم. أما الآن، فمعدّل الاستئجار اليومي لا يتجاوز 3500 دولار، بينما تصل تكاليف التشغيل إلى 6500 دولار، من دون احتساب تكاليف تسديد الديون. وكل يوم يخسر ملاّك السفن مبالغ مالية طائلة".

ويفضّل إريك أندري عدم التعليق على الوضع الاقتصادي لمالكي السفن السويسريين الآخرين، لكنه يقول من وراء الكواليس إنه يشاع أن واحدا منهم يمرّ بوضع إقتصادي صعبا جدا. وإذا ما أقدمت برن على تقديم دعم مالي مباشر بوصفها المقترض الأخير، فإن ذلك سيعني انتهاء الدعم السياسي لدور الضامن لعملية الإقتراض من المؤسسات المالية "لأن الدافع الفعلي والحقيقي الوحيد الذي يشجّع مالكي السفن على رفع الراية السويسرية هي الضمانة المالية التي توفّرها الحكومة الفدرالية"، يضيف أوليفيي غريفات، الصحفي المتخصص.

أصغر حجما.. لكنها لا تزال حاضرة

بملكيتنا ل 49 سفينة، وصلنا إلى الذروة. وإذا لم يقع التمديد للضمان الإئتماني، فإنه سيتم إعادة النظر في حجم الأسطول، لكنه لن يختفي مرة واحدة

ريتو دورلر، "وزير" البحرية السويسرية


الراية الحمراء التي يتوسطها صليب أبيض هي بالتأكيد علامة الجودة والنوعية الرفيعة، وهي ضمانة لوصول السلع بسلام وبدون أضرار إلى نقطة الوصول. ولكن هذا لا يشكّل حجّة كافية في سوق النقل البحري التي تشهد منافسة ضارية. وكدليل على ذلك معظم ملاك السفن على التراب السويسري، على غرار شركة الشحن على البحر الأبيض المتوسط (MSN) والتي تمتلك أكبر أربع ناقلات حاويات في العالم، هي تبحر حاليا تحت رايات أجنبية.

هل هي نهاية الأسطول البحري السويسري؟ لا يعتقد ريتو دورلر ذلك، ويقول: "بملكيتنا ل 49 سفينة، وصلنا إلى الذروة. وإذا لم يقع التمديد للضمان الإئتماني، فإنه سيتم إعادة النظر في حجم الأسطول، لكنه لن يختفي مرة واحدة. وعلى مدى عقود كان عدد السفن التي تبحر رافعة العلم السويسري يتراوح بين 15 و25 سفينة. وهذا عدد مناسب جدا بالنسبة لبلد غير ساحلي".

البحرية السويسرية في مواجهة خطر الإنقراض

بينما كانت تشغّل في عام 1967 أزيد من 611 سويسريا، لا يعمل اليوم على متن البحرية السويسرية سوى 6 أفراد يحملون الجواز السويسري. وهذا يمثّل أقلّ من 1% من مجموع 868 بحارا يعملون على متن التسع والأربعون سفينة ترفع العلم السويسري حاليا.

فقدت مهنة "البحار" جانبا كبيرا من جاذبيتها في العقود الاخيرة. واوضح ريتو رودلر، مدير المكتب السويسري للملاحة البحرية أن "الشبان اليوم يستطيعون استكشاف العالم عبر الرحلات الجوية المستأجرة بأسعار رخيصة من دون حاجة إلى مغادرة أسرهم لمدة أشهر. وما زاد في صرف أنظار السويسريين عن هذا العمل، الأتعاب التي يلاقيها العامل على متن السفن، وتدني الاجور، وفترات التوقّف القصيرة، وابتعاد الموانئ على نحو متزايد من المدن".

لكن حالة استثناء حصلت خلال التسعينات، مع التحاق مئات من الشبان السويسريين بالبحرية. ويعود ذلك لقرار الحكومة السويسرية آنذاك بدفع الفارق بين الراتب الذي يتلقاه العامل على متن السفن او على أرضية الميناء، وذلك لمدة خمس سنوات. لكن ذلك اصبح جزءً من الماضي. فمبلغ 20.000 فرنك الذي تخصصه برن للشبان السويسريين الملتحقين بمدرسة ضباط البحرية في الخارج، سوف يتم التخلّي عنه بمقتضى برنامج التوفير الحكومي المقبل.


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch

×