Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

التعاون من أجل التنمية.. "خُـطوة بديهية لإعادة توزيع محدود للثروة"




 (swissinfo.ch)
(swissinfo.ch)

لأي شيء تصلُـح المساعدات من أجل التنمية المقدمة إلى بلدان الجنوب؟ هذا السؤال يُـثير منذ فترة نقاشات محتدّة في الساحة السياسية بسويسرا وفي عدد من بلدان الشمال.

في حديث خاص مع سويس انفو، يدعو بيتر نيغلي، مدير تحالف الجنوب، إلى النظر بواقعية إلى ما يُـمكن أن يُـحقِّـقه التعاون الدولي في الميدان ويجدّد مطالبة الحكومة بالالتزام بتعهّـداتها في إطار أهداف الأمم المتحدة للألفية.

قبل عشرة أيام من افتتاح الدورة البرلمانية الصيفية، التي سيُـصوِّت خلالها النواب على التمويلات المرصودة لفائدة التعاون الدولي السويسري، عقد "تحالف الجنوب"، الذي يضم أبرز المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال التعاون من أجل التنمية، يوم الجمعة 16 مايو، ندوة حوارية في برن للردّ على الانتقادات التي تتّـهم التعاون من أجل التنمية بعدم النجاعة.

وفي سياق هذه الندوة، قدّم بيتر نيغلي، مدير تحالف الجنوب، كتابا يتضمّـن ردودا مفصّـلة على الانتقادات، ويحلِّـل حصيلة 40 عاما من الخيبات والنجاحات التي رافقت المشاريع والبرامج، التي أشرفت عليها وموّلتها البلدان المصنّـعة والمؤسسات المتعددة الأطراف في الدول السائرة في طريق النموّ.

من جهة أخرى، ذكّـر نيغلي بأن سويسرا تُـخصص منذ عام 2003 حوالي 0،4% من إجمالي الناتج الداخلي، لفائدة المساعدات التنموية والتعاون الدولي، وحثّ الحكومة على الترفيع أكثر في الموارد المالية المخصصة للوكالة السويسرية للتعاون والتنمية وللمشاريع المُموّلة من طرف كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية، في إطار الالتزام بالتعهّـدات التي قطعتها على نفسها بمصادقتها على أهداف الألفية التنموية للأمم المتحدة.

وكانت المنظمات السويسرية، المنضوية في إطار تحالف الجنوب، قد نجحت في الحصول على 190 ألف توقيع، لفائدة عريضة ستُـقدَّم قريبا للبرلمان، تُـطالب الكنفدرالية بتخصيص 0،7% من إجمالي الناتج الداخلي، لفائدة المساعدات التنموية.

سويس انفو: السيد نيغلي، متى زُرت لآخر مرة مشروعا في إطار المساعدات من أجل التنمية؟

بيتر نيجلي: في بداية عام 2007، تحوّلت إلى جنوب السودان. فقد تابعت النِّـزاع السوداني قبل 20 عاما خلت، كصحفي، وعدت الآن للمرة الأولى إلى البلد بعد التوقيع على اتفاقيات السلام.

أثناء زيارتي، شاهدت العمل الذي تقوم به بعض الأطراف في الكنيسة الكاثوليكية، (وهي المؤسسة الوحيدة التي ظلت شِـبه مستقلة خلال الحرب)، لضمان حدٍّ أدنى من إمكانيات البقاء للسكان.

ويتعلّـق الأمر بخدمات طبّـية متواضعة وبقدر قليل من التعليم وبمحاولات لتحسين الأمن الغذائي، إنها مشاريع صغيرة، لكنها مثيرة للإعجاب الشديد، كما أنها تُـموّل من عدّة أطراف، من بينها كاريتاس السويسرية.

سويس انفو: بالمناسبة، لقد كانت المساعدات من أجل التنمية في إفريقيا مِـحورا لانتقادات قوية خلال السنوات الأخيرة...

بيتر نيغلي: هناك بعض سوء الفهم في هذا الإطار، إذ يعتقد الكثير من الأشخاص أن الجزء الأكبر من المساعدات ذهبت إلى إفريقيا. من الناحية التاريخية، لم تسِـر الأمور على هذا النحو، فقد ذهبت كميات كبيرة من الأموال إلى بلدان جنوب شرق آسيا، الحليفة للولايات المتحدة والمدعومة، باعتبارها قِـلاعا بوجه الصين الشيوعية والاتحاد السوفييتي.

سوء الفهم الثاني، يستند إلى المقولة التالية: "لقد استثمرتم الكثير من الأموال، لكن إفريقيا لا زالت فقيرة جدا، بل قد تكون في وضعية أسوأ من ذي قبل"، لكن لا يمكن لأي كان أن يُـقيم الدليل على أن الوضعية لم تكن لتزداد سوءً بدون المساعدات المقدّمة.

سويس انفو: هل يُـمكن إقامة الدليل على النتائج الإيجابية للمساعدات التنموية؟

بيتر نيغلي: لقد ثبُـت أنه قد سُـجِّـلت نتائج جيدة في مجال التعليم، فقد توسّـع انتشار التعليم الابتدائي بقوّة في جميع البلدان السائرة في طريق النموّ، وفي إفريقيا بوجه خاص، وقد حصُـل هذا أيضا بفضل الدعم المقدّم من التعاون الدولي.

نجاحات مهمّـة سُـجِّـلت أيضا في قطاع الصحة، وبفضل حملات التطعيم والإجراءات المتّـخذة في مجال الوقاية الصحية على مدى الخمسين عاما الماضية، فقد اختفت بعض الأمراض نهائيا.

صغار المزارعين قُـدِّمت لهم مساعدات لتثبيت أراضيهم وزيادة خصوبتها وبيع منتوجاتهم في الأسواق المحلية، لكن هذه العمليات ظلّـت في العديد من الحالات، مقتصِـرة على المستوى المحلي أو الجهوي، نظرا لمحدودية الوسائل والإمكانيات.

سويس انفو: لماذا تعزّزت الانتقادات الموجّـهة إلى التعاون الدولي في هذا الوقت بالذات، وما هي الأهداف التي يُـراد تحقيقها من وراء ذلك؟

بيتر نيغلي: الانتقادات الموجّـهة للمساعدات التنموية، تتكرّر دوريا. هذه الموجة الجديدة برزت في إطار النقاشات الجارية حول أهداف التنمية، التي حدّدتها الأمم المتحدة للألفية، وخاصة عندما بدا واضحا أن العديد من الدول الغربية تعتزم الانخراط فعلا في هذا المسار. الهدف واضح، ويتمثّـل في الحيلولة دون الترفيع في التمويلات المرصودة للتعاون الدولي والسعي ربّـما إلى التخفيض فيها.

إن المساعدات العمومية من أجل التنمية، تُـعتبر أداة للسياسة الخارجية للدول المصنّـعة. وفي تاريخ التعاون الدولي، راوحت الدول المصنّـعة دائما ما بين استخدام الأموال للاستجابة للمتطلبات الحقيقية لتنمية البلدان المتحصِّـلة على المساعدات وما بين استغلالها، تبعا لمصالحها السياسية والاقتصادية.

بهذا المعنى، يكون الانتقاد الموجّـه للمساعدات التنموية، مشروعا، لكن – وهذا أمر مثير للانتباه – فإن هذا الاستغلال بالتحديد، يُـتكتّـم عليه من طرف مَـن يطرح التعاون الدولي للنقاش بطريقة راديكالية.

سويس انفو: ما الذي يُـمكن أن تُـطالب بإنجازه فعلا المساعدات المقدّمة من أجل التنمية؟

بيتر نيغلي: توجد المساعدة من أجل التنمية، لأننا نعيش في عالم يُـطوِّق فيه بحر من الفقر جزيرة صغيرة من البلدان الثرية. فهو يعبِّـر عن فِـكرة، مفادها أن هذا التفاوت لن يكون مُـحتملا في نهاية المطاف، وبالنسبة لي، يتعلّـق الأمر بخُـطوة بديهية لعملية إعادة توزيع (للثروة) صغيرة.

الأمر الذي لا يمكن للمساعدة من أجل التنمية أن تفعله، هو أن تسمح ببروز حكومات تتمتّـع بقدر من المعقولية في البلدان الفقيرة وتقوم بانتهاج سياسة اقتصادية جيّـدة، فهي لا يُـمكن لها أن تعمل، إلا بطريقة مساعِـدة (أو مؤازرة)، يُـمكن لها أن تدعم الجهود التي تبذلها هذه الحكومات أو أن تجتهد في إيصال المساعدات مباشرة إلى الفقراء وتحسين ظروفهم شيئا ما على الأقل.

المساعدات من أجل التنمية، لا تعني أنه يُـمكن للمتعاونين من البلدان المصنّـعة تحرير بلدان بأكملها من الفقر، وحتى إن رغبوا في ذلك، فلن يتحصّـلوا على الوسائل المالية الكافية للقيام به. ففي الأزمة النقدية الأخيرة، بلغت الخسائر 1000 مليار دولار في وقت وجيز، في حين أن إفريقيا لم تحصُـل إلا على 600 مليون دولار على مدى خمسين عاما.

سويس انفو: في كتابك الأخير، "الخلاف حول المساعدة من أجل التنمية"، شدّدت على أهمية الأهداف التنموية للأمم المتحدة. ألا ترى أنها صيغت بطريقة فضفاضة جدا؟

بيتر نيغلي: الهدف الثامن، الذي يُـحدّد واجبات الدول المصنّـعة، هو الهدف الوحيد الفضفاض، أما بقية الأهداف السبعة، فقد صيغت بطريقة واضحة إلى حدٍّ كبير، حيث يُـراد تخفيض عدد الأشخاص الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم، إلى النصف بحلول عام 2015، ويُـراد أن يتمكّـن نفس العدد من الفتيات والفتيان من متابعة الدراسة الثانوية، إلخ...

وتتطلّـب الأهداف أن تُـستثمر المزيد من الموارد المالية في بعض القطاعات العمومية، أي في الصحة والتعليم والإمدادات المائية. بالنسبة لنا، تمثل هذه الأهداف تقدُّما، نظرا لأنها تحظى بدعم جميع الدول ولأنها تـُعتبر أداة للضغط.

سويس انفو: أطلق تحالف الجنوب حملة (وقّـع عليها حوالي 180 ألف شخص) للمطالبة بالترفيع في حجم المساعدات من أجل التنمية، لتصل إلى 0،7% من إجمالي الناتج الداخلي بحلول عام 2015. هل تعتقد بوجود إمكانية حقيقية لنجاح مقترحكم، سياسيا؟

بيتر نيجلي: سيُـناقش البرلمان، في دورتي الصيف والخريف، التمويل الإطاري لأربعة أعوام، المخصص للمساعدة من أجل التنمية. وفي هذا السياق، سيتوجّـب عليه أيضا الاهتمام بالاحتمالات التمويلية على المدى المتوسط.

أعتقد أن الحملة التي قمنا بها، قد حققت بعدُ هدفا واحدا، فاليوم، لم يعُـد أحد يناقش إمكانية تخفيض الميزانية المخصصة للتعاون الدولي. فعندما كان الوزير الفدرالي (كريستوف) بلوخر في منصبه، كان يرى أن بإمكانه تمرير مقترح يدعو إلى تخفيض هذه الميزانية بنسبة 30%، اليوم، أعتقد أن هذا الاحتمال لم يعُـد قائما. أما فيما يتعلق بإمكانية الحصول على أغلبية في البرلمان تؤيِّـد الزيادة فيها، فإن الاحتمالات تظل مفتوحة.

سويس انفو – أندريا طونينا

(ترجمه من الإيطالية وعالجه كمال الضيف)

باختصار

ولِـد بيتر نيغلي في عام 1950، ومنذ عام 1998، أصبح مديرا لتحالف الجنوب، وهي مجموعة العمل التي تضم المنظمات السويسرية العاملة في مجال المساعدة من أجل التنمية (سويس إيد وخبز للجميع وهيلفيتاس وكاريتاس ومساعدة الكنائس الإنجيلية السويسرية)

في عام 2005، أصدر لدى دار النشر سوندا، كتابا بعنوان "أي تنمية بعد 11 سبتمبر. من أجل تجاوز العولمة".

سيُـصدِر قريبا كتاب جديدا يحمل عنوان "الخلاف حول المساعدة من أجل التنمية. إنجاز المزيد ولكن بطريقة سليمة"، لدى دار النشر السويسرية Rotpunkt.



وصلات

×