Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

التغذية في شهر رمضان


عاداتٌ سيئة تُـطيح بكلِّ فوائــد الصّيــام


بقلم عبد الحفيظ العبدلي, فريبورغ


 انظر لغات أخرى 4  لغات أخرى 4
أسرة عراقية مجتمعة حول مائدة إفطار رمضانية اشتملت على أنواع متعددة من أطباق الاكل والفواكه والحلويات، وهو ما يشكّل تحديا لقدرة البدن على استيعاب كل ما معروض على المائدة.  (Keystone)

أسرة عراقية مجتمعة حول مائدة إفطار رمضانية اشتملت على أنواع متعددة من أطباق الاكل والفواكه والحلويات، وهو ما يشكّل تحديا لقدرة البدن على استيعاب كل ما معروض على المائدة. 

(Keystone)

 في ما يبدو تعارضا تاما مع أهداف الصيام ودلالات شهر رمضان الإجتماعية والصحية، تميل المجتمعات العربية والإسلامية إلى الإفراط في الإستهلاك في هذا الشهر مقارنة ببقية فترات السنة. مما يكون له تبعات مادية وصحيّة خطيرة على الافراد والمجموعات. 

لتسليط الضوء على هذا الموضوع، أجرت swissinfo.ch هذا الحوار مع عبد الحق منصوري، مهندس دولة في التغذية، ودكتور في فيزيولوجيا التغذية بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ خلال شهر رمضان من عام 2015. ونظرا لأهمية الموضوع وحينيته نعيد نشره لتعميم الإستفادة. وكنّا سألنا هذا الخبير أوّلا:

swissinfo.ch: ما هي الآثار الصحية التي تنجم عن الإمتناع عن الاكل لفترة من الزمن؟ 

الدكتور عبد الحق منصوري: الإمتناع عن الأكل خلال فترة معيّنة من النهار بغض النظر عن أهداف هذا الإمتناع هي عملية تُسمى تقييد التزوّد بالسعرات الحرارية. ولدينا الآن حقائق علمية لا لبس فيها تؤكّد الجدوى الصحية لهذا الإمتناع. ولقد أكّدت تجارب مخبرية أجريت في البداية عن الحيوانات ثم لاحقا على الإنسان، أن هذا التقييد يساعد على التقدّم في العمر في ظروف صحية جيّدة. 

وعندما نتحدّث عن الصحة، نقصد كل الجوانب بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية أو الإصابة بالسكري من النوع 2. كما أثبتت دراسات أخرى أن هذا التقييد يساعد على الوقاية من مرض الألزهايمر...  وهي فوائد عامة وشاملة. ولابد من الإشارة أيضا إلى أنه بقدر ما يكون هذا الإمتناع وهذا التقييد على مدى أطول بقدر ما تزداد الفائدة، والسبب هو أن جسم الإنسان مبرمج على استعادة ما يفقده، وبالتالي لابد من تعويد الجسم على المدى الطويل على كمية محددة من السعرات الحرارية، وأن ينقطع عن انتظار أكثر من ذلك. 

swissinfo.ch: ألا ترى أن كل هذه الفوائد التي يمكن أن تنجم عن الصيام يفقدها الصائم في النهاية بسبب النظام الغذائي السيء؟ 

الدكتور عبد الحق منصوري: صوم رمضان هو أيضا شكل من أشكال تقييد التزوّد بالسعرات الحرارية. لكن للمفارقة ما نشاهده لدى غالبية عظمى من المسلمين أن أوزانهم لا تنقص في هذا الشهر، بل تزيد ربما. وهذا يعود بالأساس إلى النظام الغذائي السيء الذي يتبعونه في هذا الشهر. ونظرا لكونهم ظلوا لساعات طويلة ممتنعين عن الأكل يحاولون في المساء تدارك ذلك بأقصى ما يمكن. لكن هذا في الحقيقة خطأ، وما أوصي به الصائم هو تجنّب كل أنواع الحلويات (كعك الحلوى، المشروبات الغازية، الصودا،... )، وإذا شعر المفطر أنه عطشان، فليشرب الماء، لأنه ليس  أفضل من الماء. ثم من المنصوح به أيضا تناول الثمار التي تحتوي على كميات كبيرة من الماء، وما أكثرها في فصل الصيف! 

المشكلة أيضا بالنسبة للغذاء هو أن غالبية الصائمين يتناولون العجائن والخبز المصنوع من الدقيق الأبيض، ما يجعل كل السكر الذي يحتويه ذلك الدقيق يتحوّل إلى دهون  متراكمة غير مستخدمة، لأن الصائم عندما يتناول الأكل في المساء ينصرف بعده إلى النوم، وبالتالي لا يقوم بأنشطة بدنية. أما المشكل الآخر، فهو عندما يتناول الشخص كميات كبيرة من المشروبات الغازية، فإن هذا يعد كارثة لأنه يزيد نسبة السكر في الدم، والإستمرار على هذا شهرا كاملا يعدّ بمثابة تحد لقدرة الجسم على التحمّل. ويتسبب في حقن الجسم بكميات كبيرة من الأنسولين، وهذه هي بداية الإصابة بمرض السكري من النوع 2. وبالتالي ما أشدّد عليه هنا هو ضرورة تجنّب المشروبات الغازية واستبدالها بالماء أو بالثمار التي تحتوي كميات كبيرة من الماء، وكذلك تقييد كميات السكر، بتجنّب العجائن إلى أكبر حد ممكن. وقطعة حلوى صغيرة تكفي وزيادة. 

swissinfo.ch: من هذه العادات السيئة أيضا الإفراط في تناول الأطعمة مباشرة بعد الإفطار. كيف برأيك يمكن تهيئة الجهاز الهضمي ليقوم بنشاطه على أكمل وجه في شهر رمضان؟ 

الدكتور عبد الحق منصوري: فعلا هذه هي طبيعة الإنسان. عندما نظل منقطعين عن الأكل طيلة 18 ساعة  (كما هو الحال في سويسرا)، يحصل لدينا ميل إلى الإكثار من الأكل بمجرّد حلول وقت الإفطار. غير أن هذا خطأ بالغ الخطورة. في أيام السنة العادية، تكون المعدة مهيئة لإستقبال الأكل ثلاث وجبات في النهار، أما عندما نصوم طيلة 18 ساعة متواصلة، تكون المعدة في نهاية اليوم فارغة تماما، وملؤها بالغذاء والشراب هكذا مرة واحدة، يؤدّي إلى انتفاخها، ولا يستطيع الصائم في النهاية تناول شيئا ذي بال. وبالتالي ما أنصح به، هو شق الفطر في البداية بتناول حبات من التمر أو بعض الثمار الحلوة مع كأس من الحليب، وهذا من شأنه أن ينزل بردا وسلاما على المعدة. وبعد بعض الوقت ( 10 أو 15 دقيقة) تناول حساء الشوربة او حساء الخضروات) مع قطعات محدودة من الخبز، ولا يجب الزيادة عن ذلك لأنه يثقل المعدة ويفقد الإنسان الراحة. ثم في مرحلة ثالثة، أي بعد ساعة، تناول بعض الثمار مثلا. هذا النظام يحقق الفائدة المرجوة، خاصة وأنه لا يغفل ما ينتظر الجهاز الهضمي في وقت السحور، لأن هذه الوجبة مهمّة جدا لإعداد البدن لمواجهة مشاق صيام اليوم التالي.

swissinfo.ch: يفضّل البعض لسبب أو لآخر عدم تناول وجبة السحور. هل هذا اختيار سليم؟ 

الدكتور عبد الحق منصوري: رغم أن عدم تناول وجبة السحور لا يشكّل خطرا على الشخص، لكنها وجبة ضرورية على الأقلّ بالنسبة للمراهقين (14 – 17 عاما)، لأنهم ناشطون جدا، وعدم تناولهم للسحور يعرّضهم للإرهاق الشديد خلال اليوم، وأيضا بالنسبة للأشخاص الذين يمارسون أعمالا شاقة ومتعبة، لأنهم لن يقدروا على مواصلة العمل كامل اليوم لو لم يتناولوا وجبة السحور. هذه الوجبة مهمّة كذلك لأنها توفّر للفرد فرصة لشرب المزيد من الماء أو تناول الفواكه الغنية بالماء لأن البقاء 24 ساعة من دون شرب الماء لا أنصح به. 

على المستوى الفيزيولوجي، لابد من الإشارة إلى أن الأشخاص مختلفون، ولكل شخص أن يختار النظام الغذائي الذي يناسبه. 

swissinfo.ch: مع قلّة النشاط البدني والحركة، وضيق الوقت المتاح للأكل، كيف يمكننا الحفاظ على مستوى عال الأيض (metabolism)  خلال هذا الشهر؟ 

الدكتور عبد الحق منصوري: تقييد التزوّد بالسعرات الحرارية يكون أكثر نفعا عندما يقترن بممارسة نشاط بدنيّ. ولكن عندما نتحدّث عن نشاط بدني، لا يعني بالضرورة الذهاب إلى قاعة رياضة خاصة، أو ممارسة رياضة كمال الأجسام. النشاط الذي ننصح به يمكن أن يكون مجرد المشي (بين 30 و60  دقيقة في اليوم)، وكذلك استخدام المدارج في البيت أو مكان العمل، وتجنّب بقدر الإمكان استعمال السيارة، والذهاب إلى المراكز التجارية مثلا مشيا على الأقدام،... أشياء بسيطة لكنها نافعة جدا. النشاط الرياضي في رمضان يفترض حسن اختيار الوقت، وأن يأخذ في الأعتبار الوضع الصحي للشخص. من المهمّ جدا كذلك ممارسة رياضة المشي، ولو لفترة محدودة في الليل بعد تناول الإفطار، لأنه يساعد على الهضم وعلى الشعور بالراحة. 

swissinfo.ch: رمضان هو الشهر الوحيد تقريبا الذي تجتمع فيه العائلة وربما الاصدقاء أيضا على طاولة الاكل. صحيا هل لهذه الظاهرة فوائد؟ 

الدكتور عبد الحق منصوري:  هذا أيضا لا أملك إلا أن أشجّعه لأننا نحن "البشر مدنيون بطبعنا"، كما يقول ابن خلدون. الإلتقاء على مائدة الأكل خاصة بالنسبة لأفراد الأسرة الواحدة، فضلا عن كونه يعزّز الروابط الإجتماعية، ثبت بالتجربة أنه يساعد في الحدّ من السعرات الحرارية التي نتناولها: الكمية التي نستهلكها عندما نكون فرادى أكثر بكثير من الكمية التي نستهلكها ونحن مع الأسرة أو الأصدقاء. 

swissinfo.ch: بناءً على ما سبق أتساءل: هل ثبت أن هناك علاقة بين سلوك الإنسان الاجتماعي وطريقة عمل جهازه الهضمي؟ 

الدكتور عبد الحق منصوري: ما هو معلوم هو أن الشخص الذي يعاني من الوحدة ومن الضغوط، يميل إلى أن يكون قلقا وغير مستقر نفسيا. وبعض الفئات والأفراد لديهم ميل للتعويض عن هذه الضغوط وهذا القلق من خلال الشره المرضي (la boulimie) أي يشرعون في الأكل حتى لو لم تكن لديهم حاجة لذلك. إنها طريقتهم في التعويض عن هذا النقص على مستوى التواصل الإجتماعي. لا أعلم هل السلوك الإجتماعي للفرد يؤثّر على عملية الهضم وعلى مستوى الأيض أم لا، لكن ما هو ثابت هو أن هذا الوضع الإجتماعي يجعل الجسم غير قادر على تحقيق التوازن بين ما يحتاجه وما هو بصدد استهلاكه فعليا. أكرّر هذا الأمر مهم جدا بالنسبة للأطفال على مستوى الأسرة، لأنه فضلا عن كونه ينمي بعد التواصل الإجتماعي لديهم يساعدهم أيضا على تحقيق التوازن الفيزيولوجي، ويشعرهم بأنهم أكثر استقرارا على المستوى الشعوري والعاطفي، مما سينعكس على وضعهم الصحي والسلوكي. 

swissinfo.ch: بما أننا تحدثنا عن الأطفال والمراهقين. هناك عائلات تحرص على تدريب الأبناء على الصيام لفترات من النهار أو للنهار كله. هل للصيام آثار سلبية على صحتهم؟ 

الدكتور عبد الحق منصوري: هذا سؤال معقد نوعا ما، لأن الأمر يتوقّف عن أي فئة عمرية نتحدّث: أنا أميل إلى استبعاد تشجيع الأطفال الذين هم دون الثالثة عشر والرابعة عشر على الصيام لأنهم خلال هذه الفترة من العمر يمرون بمرحلة نمو نشطة تكون فيها احتياجاتهم الفيزيولوجية كبيرة ومهمة، وأدعو الأولياء في هذه الحالة إلى عدم دفع أبنائهم للصيام خاصة في المناطق التي يمتدّ فيها نهار الصيام إلى ساعات طويلة ودرجات حرارة عالية. وأما بالنسبة للمراهقين ما فوق أربعة عشر عاما، فنتصوّر أنهم يمتلكون قدرات بدنية جيّدة، وبإمكانهم تحمّل مشاق الصيام. وفي كلا الحالتيْن، لابد أن يكون المعني بالأمر مقتنعا، لأن ذلك يساعد ذهن الطفل على حسن الإستعداد لخوض التجربة.

×