Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

الثورة والحرب في سوريا


"غزل" كيري للأسد: مجرد قنبلة دخانية؟


بقلم سعد محيو - بيروت


هل كان إعلان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الأخير عن استعداده للتفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد قنبلة دبلوماسية أم "دخانية"؟

الأسد نفسه يعتقد أنها من النوع الثاني، أي دخانية. إذ على رغم حبوره الواضح بهذه المفاجأة السارة بالنسبة إليه، إلا أنه حرص على القول أنه "ينتظر الأفعال لا الأقوال". ووزارة الخارجية الأمريكية كانت سريعة هي الأخرى بالإعلان أن تصريح كيري لايتضمن تغييراً في السياسة الأمريكية إزاء الأسد، وإنها لاتزال مصرة على انتفاء أي دور له في مستقبل سوريا.

لكن، إذا ما كان صحيحاً أن كيري أطلق غزلاً في شكل قنبلة دخانية في هذا الوقت بالذات، فما السبب وما الأهداف المحتملة؟

سببان للغزل

الأرجح أن هناك سببان إثنان لا سببٌ واحد.
الأول، الأقل أهمية، هو أن كيري مصمم على المستوى الشخصي على تتويج دوره في قيادة وزارة الخارجية الأمريكية، ليس فقط من خلال إنجاز الصفقة النووية مع إيران، بل أيضاً عبر وضع حد للحرب الدموية في سوريا. معروف أن الوزير الأمريكي هو الذي وضع أسس المفاوضات حول الأزمة السورية، حين طار إلى موسكو في مايو 2013 لضمان دعم روسيا لمؤتمر دولي هدفه إنهاء الحرب. وكانت الحصيلة مؤتمري جنيف ومونترو في عامي 2013 و2014 اللذين ارتطما بحائط الفشل.

السبب الثاني، الأكثر أهمية، هو أن تصريح كيري جاء عشية توجّهه إلى جنيف لعقد جولة حاسمة جديدة من المفاوضات مع الإيرانيين حول الصفقة النووية. وقد فسَّر العديد من المحللين هذا التوقيت على أنه جزء من لعبة العصا والجزرة الدبلوماسية التي يمارسها كيري مع طهران. وهو هنا أراد أن يحفز هذه الأخيرة على "تقديم التنازلات السياسية المؤلمة" (على حد تعبيره) في الجانب النووي، عبر التلويح لها بأنه مستعد لمشاركتها في إغلاق الملف السوري الذي يستنزف الإمكانات الإيرانية بشكل خطير (نحو 20 مليار دولار سنويا). كيف؟ من خلال إسقاط المطالبة برحيل الأسد قبل إبرام التسوية (وهذا بالمناسبة شرط إيراني مُسبق).

وما يجري على سوريا قد يسحب نفسه أيضاً على ملفات شرق أوسطية وآسيوية أخرى في حال التوصل إلى اتفاق نووي، مثل مواصلة "تقاسم السلطة" في العراق، ومنح إيران دورأ بارزاً في اليمن وسوريا، وحتى في إقامة "نظام إقليمي جديد" في الشرق الأوسط، كما ألمح إلى ذلك مؤخراً الدبلوماسي الأمريكي البارز مارتن أنديك.

مُغريات، ولكن؟

هذه المعطيات- المغريات تداعب بالطبع مخيلة الإيرانيين الذين يتحدثون بكثافة، وافتخار، هذه الأيام عن إعادة بناء "الإمبراطورية الفارسية" على أن يكون العراق هو عاصمتها (كما كان الأمر أيام الإمبراطور قورش قبل 2500 سنة).

مبعوث: أمريكا تسعى لحل تفاوضي في سوريا لا يشمل الأسد

اسطنبول (رويترز) - قال بيان للسفارة الأمريكية في تركيا إن المبعوث الأمريكي جون ألين أبلغ مسؤولين أتراكا أن الولايات المتحدة "لا تزال تسعى إلى حل تفاوضي في سوريا لا يشمل الرئيس بشار الأسد"، وأن الموقف الأمريكي في هذا الصدد "لم يتغيّر".

وجاء في بيان للسفارة بعد أن أجرى الين محادثات في أنقرة "الجنرال الين كرر أن موقف الولايات المتحدة من الاسد لم يتغير".
والين هو المبعوث الأمريكي الخاص المسؤول عن تشكيل تحالف ضد تنظيم الدولة الاسلامية.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 18 مارس 2015)

بيد أن هذه في الواقع ليست أكثر من ذلك: أي مجرد مغريات. صحيح أن الولايات المتحدة تعاونت مع إيران في السابق خلال صفقة "إيران غيت" إبان الحرب العراقية- الإيرانية وخلال حربي أفغانستان (2001) والعراق (2003)، وتتعاونان الآن في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق. لكن واشنطن لن تكون في صدد تحقيق طموحات إيران بأن تكون شريكاً ثنائياً لها في نظام الشرق الأوسط العتيد لأسباب عدة، أهمها أنها لاتقبل شراكة أي دولة في العالم، بما في ذلك حتى الدول الكبرى، في زعامتها الدولية، فما بالك بدولة عالمثالثية كإيران؟ كذلك، الشرق الأوسط يلعب دورأ خطيراً ليس فقط على صعيد الطاقة والموقع الجيو-استراتيجي البارز في قارة أوراسيا. وبالطبع ليس في الوارد أن تتنازل أمريكا عن هدف السيطرة على صنابير النفط ومفاتيح الجغرافيا الشرق أوسطية لأي كان. وأخيراً، لا تستطيع الولايات المتحدة، حتى لو أرادت (وهي لن تريد حتماً) تجاوز أدوار إسرائيل والسعودية وتركيا في أي تسويات إقليمية في المنطقة.

أكثر من ذلك: لا يبدو واضحاً البتة أن الولايات المتحدة، وعلى رغم كل رسائل التطمين التي أرسلها الرئيس أوباما إلى المرشد علي خامنئي، قد تخلّت عن هدف تغيير النظام الإيراني. ربما هي أسقطت من اعتبارها خطط الرئيس السابق بوش للعمل على تغيير النظام الإيراني بالقوة، لكن هذا لا يعني بالضرورة عدم العمل على تغييره سلمياً، كما فعلت قبل ذلك مع الصين عبر صفقة نيكسون- ماوتسي تونغ التي تخلى بموجبها هذا الأخير عن سياسة الصين الخارجية الثورية في مقابل دمج بلاده في النظام الإقتصادي العالمي.

البيدق السوري

الآن، إذا ما وضعنا كل هذه المعطيات الموضوعية بعين الإعتبار، فقد نستنتج أن مبادرة كيري الأسدية لم تكن في الواقع أكثر من تحريك بيدق صغير في لعبة شطرنج كبيرة. والواقع أن هذا ما بات عليه الآن الرئيس السوري الأسد مع دخول الحرب السورية عامها الخامس: أي مجرد بيدق فاقد القدرة على الحركة الذاتية المستقلة، ومصيره الشخصي معلّق بالإرادتين الإيرانية والروسية.

أما إصرار طهران (وموسكو) على أن يشارك الأسد في تحقيق التسوية السياسية، فهو لايعني التمسك ببقائه رئيساً بعد التسوية، بل مجرد استخدامه كورقة ضغط لتحسين مواقعهما التفاوضية في سورية المستقبل التي سيكون لبعض هياكل الدولة السورية الراهنة دور مهم فيها، لكن حتماً من دون الأسد.

وعلى أي حال ، حتى هذا كان واضحاً في البيان نفسه الذي أبدى فيه كيري استعداده للتفاوض مع الأسد، حين قال:" سنتفاوض معه (الأسد) إذا ما كان مُستعداً للدخول في مفاوضات جدية حول تنفيذ جنيف-1". وللتذكير، فإن البند الرئيس في جنيف-1 هو نقل سلطة الأسد إلى حكومة انتقالية.

أفضل من عبَر عن هذه الحصيلة كان أندرو تابلار، الخبير بالشؤون السورية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حين قال: "مقابلة كيري مع تلفزيون سي.بي. أس أطلقت رسالتين متباينتين: الأولى إيجابية وتظهر أن كيري لايزال مُصمّماً على انتهاج تسوية سلمية تتضمن تنحي الأسد. والثانية سلبية لأنه يبدو أنه ليس ثمة استراتيجية واضحة في الإدارة لتحقيق ذلك".

وبين الإصرار على التنحي وبين غياب الاستراتيجية الأمريكية، سيبقى مصير الأسد مُعلقاً في الهواء، إلى أن يحين موعد الحلول الجدية. ومثل هذه الحلول قد تأتي (أو لا تأتي) في نهاية هذا الشهر (مارس 2015) حين يتبيّن الخيط الأسود من الأبيض في الصفقة النووية الإيرانية- الأمريكية المُرتقبة.

×