تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الحرب في شمال مالي هل اقتربت مرحلة الإستنزاف الأصعب؟

بقلم


جنود تشاديون يقومون بدورية في شوارع مدينة غاو شمال مالي يوم 29 يناير 2013 بعد أيام قليلة من استعادة السيطرة عليها من طرف القوات الفرنسية والمالية.

جنود تشاديون يقومون بدورية في شوارع مدينة غاو شمال مالي يوم 29 يناير 2013 بعد أيام قليلة من استعادة السيطرة عليها من طرف القوات الفرنسية والمالية.

(Keystone)

دخلت الحرب في مالي أسبوعها الثالث واستمر سقوط كُـبريات مُـدن أزواد في أيْـدي القوات الفرنسية والمالية بسهولة، بعد انسحاب المسلَّـحين الإسلاميين منها واختفائهم في الصحراء وجبال "آدرار الافوغاس" بأقصى شمال مالي.

في الأثناء، تطرح أسئلة عديدة حول مُستقبل هذه الحرب وحقيقة الإستراتجية التي تنتهِجها الجماعات المسلّحة، التي آثرت حتى الآن الإختِفاء عن الأنظار وترْك المُدن خالية للفرنسيين والماليين وحلفائهم من دول المنظمة الاقتصادية لغرب إفريقيا (الإكواس).

وبالعودة إلى الأيام الأولى للحرب في مالي، يُمكن القول بأن الجماعات الإسلامية المسلّحة، هي التي عمدت إلى إشعال نار الحرب مبكّرا، حين حاولت التقدّم جنوبا باتِّجاه العاصمة باماكو، واحتلّت مدينتيْ "كونا" و"جبالي" في وسط البلاد، الأمر الذي دفع الفرنسيين إلى التدخّل الفوري واستعجال الحرب قبل موعدها المضروب سلَـفا، مُتذرعين بطلب من الرئيس المالي ديوكوندا تراوري، وهو تَصرُّف يرى المراقبون أن الجماعات الإسلامية خسِرت بسببه مواقِف دول كانت رافِضة للحرب ومؤيِّدة للحوار والحلّ السِّلمي، كما هو الحال بالنسبة للجزائر وموريتانيا وبوركينافاسو، التي كانت تلعَب دوْر الوسيط الإفريقي، واستضافت أكثر من مرّة ممثّلين عن حركة أنصار الدِّين.

وبعد اندِلاع الحرب بهذا الشكل المفاجِئ، يرى المراقبون أن الجماعات المسلّحة، خصوصا "حركة أنصار"، التي شكّلت الواجهة التفاوُضية لتلك الجماعات، سدّدت طعْنة لمواقِف الدول التي كانت تبْحث من خلالهم عن قوّة مُعتدلة بين المسلّحين الإسلاميين، يمكن التفاوض معها والبحث عن مخرَج سِلمي للأزمة، غير أن لحركة أنصار الدِّين والحركات المُتحالفة معها، من القاعدة وحركة التوحيد والجهاد،  حسابات أخرى دفعتهم إلى إشعال نار الحرب قبل أوانها.

في هذا السياق، يبدو أن قادة هذه الجماعات توصلوا إلى أنه، في ظلِّ قرْع طبول الحرب في باماكو وإعداد الفرنسيين والأفارقة لها، وخُفوت صوْت دعوات الحِوار، كان لابُد من اتِّخاذ قرار باستِعجال الحرب قبل أوانها، بحيث تكون هي من يُحدد توقيت الحرب وأرضِيتها، قبل أن يُنهي الفرنسيون والأفارقة استِعداداتهم لها، ويذهب البعض إلى أن تقدّمهم نحو الجنوب، قد يكون أربك حسابات باريس التي كانت تُراهن على تجهيز قوات من دُول غرب إفريقيا، دون المشاركة بقوات فرنسية على الميْدان، وهو ما صرّح به كبار المسؤولين الفرنسيين أكثر من مرة، لكنهم اضطروا في النهاية للعدول عن ذلك والزجّ بقواتهم في المعركة البرية.

الأزمة لم تنته بعدُ..

من جهة أخرى، استدرج المسلحون القوات الإفريقية إلى المواجهة، وهي لم تكمل بعدُ عدّتها وعتادها، وقد شكّلت المواجهة خلال الأيام الأولى في مُدن "كونا" و"جبالي" الصغيرتيْن، امتحانا صعْبا للقوات المالية والفرنسية، وهي مُناوشات يرى الكثير من المراقبين أن المسلحين عمدوا من خلالها إلى إشغال تلك القوات عن عملية الإنسحاب من المُدن الكبرى، التي كانوا يخطِّطون لها، إذ يبدو أن المسلحين الإسلاميين قرّروا العدول عن استراتيجية المواجهة داخل المدن، فانسحبوا منها لتدخُلها القوات الفرنسية والمالية بسهولة ودون إطلاق نار.

في الأثناء، يخشى بعض الخبراء أن تكون هذه الإنسحابات السريعة من المدن واختفاء مئات المسلحين بعدّتهم وعتادِهم منها، مجرّد طعْم تُـلقي به الحركات المسلحة للفرنسيين والماليين والأفارقة، استدراجا لها للتوغّل في عُمق الشمال المالي، بُغية تسهيل مهمّة الإنقِضاض عليها عبْر كمائن وسيارات مفخَّخة وحرب عِصابات، تعتمد طول النَّـفَـس والإستنزاف، وهو أمرٌ تُساعِد عليه طبيعة المنطقة، حيث تنتشِر السلاسل الجبلية في منطقة تغرغارت بشمال مالي، وهي جِبال وعْـرة يُسمِّيها المسلحون الإسلاميون "طورا بورا المغرب الإسلامي"، لوُعُـورتِها وصعوبة تَـضاريسِها، إضافة إلى الصحراء الشاسعة والغابات الكثيفة. كما تُمثِّـل مساحة إقليم أزواد الشاسعة، شمال مالي، مُـتَّسعا للحركات الإسلامية للمناورة وممارسة حرب الكرِّ والفَـرّ، وهو أمرٌ قد يُـعقـّد حسابات المعركة خلال الأشهر القادمة.

على صعيد آخر، يؤكد مراقبون أن طردَ الجماعات الإسلامية المسلّحة من شمال البلاد، لا يعني إنهاء الأزمة في أزواد، إذ من المعلوم أن مَردّ مشاكل شمال مالي، لا تعود لوجود هذه الحركات فقط، وإنما هناك مطالب تاريخية لدى السكّان، حيث طالما رفعت المجتمعات العربية والطوارقية في الإقليم مطالب بالإستقلال أو على الأقل توفير قدر محترم ومعقول من الحقوق.

وعلى مدى العقود الخمْس الماضية شهد إقليم أزواد ثورات عديدة، قابَلَـتها السلطات المالية بقمْع شديد، بل عمدت خلال العقديْن الماضييْن إلى تشكيل مِيثليشيات مسلَّحة من قبائل الصونغاي الزِّنجية، لقمْع العرب والطوارق، وقد أدّى ارتِكاب تلك المليشيات لفظائِع ضدّ السكان العرب والطوارق، إلى توفير أرضِية داعِمة للحركات الإسلامية المسلّحة وحركات التمرّد، باعتبارها "الحامية" لتلك المجموعات من الإضطهاد والتَّصفِية العِرقية. وتتجسَّد مظاهِر الخوْف لدى تلك المجموعات في حركة النُّـزوح الكبيرة، التي عرفتها مدن أزواد، صوْب موريتانيا والجزائر عشِية اقتراب القوات الفرنسية والمالية منها.


حرب مفتوحة

ومع استمرار الحرب، تبقى الإحتمالات مفتوحة، إذ يخشى الكثيرون أن يصِل شرَرها إلى دول الجوار، سواء عبْر استِدراجها للدّخول في الحرب بشكل مباشر عبْر استِفْـزاز الجماعات المسلحة لها بواسطة تنفيذ عمليات إرهابية على أراضيها أو عبْر الضّغط الفرنسي، فضلا عن الضَّرر الذي يُـلحِقه عدم الاستقرار بالمِنطقة، باعتباره عاملا طاردا للاستثمارات ومُنافيا للتنمية.

في هذا السياق، تأتِـي عملية احتِجاز وقتْـل عشرات الرّهائن في بلدة "عين آمناس" بالجزائر مؤخّـرا، لتؤكِّد أن نيران الحرب لن تقتصِـر على مالي، وأن المنطقة مُـرشَّحة برُمَّتها للإشتِعال، ومن المرجّح أن تكون الجماعات المسلَّحة قد اختارت الجزائر، كبداية لعملياتها ضد الدول المشارِكة في الحرب أو الدّاعمة لها لاعتبارات عديدة، يأتي في مقدِّمتها توجيه رسالة قوية للدول الإفريقية، مفادها أن البداية كانت بأقوى دولة في المنطقة، وأكثرها خِبرة في مجال محاربة الإرهاب، ويبدو أنه وقَـع الإختيار على عين آميناس التي يُفترض أنها مُحصَّنة وتخضع لإجراءات أمنية مُشدّدة، لتقول الجماعات المسلّحة من خلال تلك العملية، إنها قادِرة على أن تضرب أيْن شاءت وكيف شاءت، وأن الجهة التي أقدمت على تنفيذ عملية نوعِية استهدفت الجزائر في عُـمقها، ولمُجرّد أنها فتحت أجواءَها للطيران الفرنسي، قادِرة على أن تضرب في عُـمق دُول أضعف بنية وأكثر هشاشة أمنية، مثل مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد وغيرها من الدول المشاركة في الحرب بقوات على الميدان.

ولئن شكَّلت عملية عين أميناس في الجزائر مُـنعطَـفا في معركة أزواد، فإن الكثير من المُراقبين يعتقدون أنها لن تؤثِّـر بشكلٍ جِذري على موقف الجزائر الرّافض  للحرب، نظرا لأن هذا الموقف له مُنطلقات استراتيجية، تدخل في إطار خِشية الجزائر من تفاقُـم النفوذ الفرنسي في المنطقة ووضعها اليَـد على ما تزخر به صحراء أزواد من نفط وغاز، يشكِّلان مُـنافَـسة حقيقية وجادّة للنّفط والغاز الجزائريين، هذا فضلا عن الصِّراع التقليدي بين البلديْن، الموْروث عن حِقَب الإستعمار والتصنيف التقليدي لفرنسا، كحليف للمغرب في صِراعها التاريخي مع الجزائر، كما أن للجزائر قِـراءة أخرى لِما يحصل في مالي عبْـر رفضها لِما يتعرّض له العرب والطوارق في أزواد من تمييز سلبي ومُضايقات عِرقية، حيث تجد كِلا القوميتيْن (العرب والطوارق)، في العُمق القبَـلي الجزائري، ظهيرا لها.

موريتانيا.. تحييد متبادل؟

أما الموقِف الموريتاني، فيبدو حتى الآن رافضا للدخول في الحرب، غير أن التّجربة أثبتت أن موريتانيا لا تُمانع من التوغّل في أزواد وملاحَقة الجماعات المسلحة هناك، لكنها تتَّبع حاليا سياسة التحييد المُتبادَل مع تلك الجماعات التي واجهتها في السابق، إذ من الملاحَظ أن القاعدة أوقَفت أنشِطتها وعملياتها في موريتانيا منذ أزيد من سنتيْن، في حين أوقفت موريتانيا عمليات مُطاردة القاعدة في عُمق الأراضي المالية، فيما يُشبِه هُدنة غيْر مكتوبة بين الطرفيْن.

وحتى الآن، بدا واضحا أن القاعدة والحركات المُتحالفة معها، تعتمد تحييد نواكشوط في حربها الإعلامية، الأمر الذي يقرأ فيه الموريتانيون رسائِل واضحة، مفادُها أننا "لن نصِل إليكم، ما لم تصِلوا إلينا".

وفي الواقع، هناك حسابات تحول دون مسارعة موريتانيا إلى اقتِحام الحرب في مالي، وفي مقدِّمتها ـ إضافة إلى تجنيب البلاد العمليات الإنتقامية لتلك الجماعات ـ عدم الدخول كظهير للجيش المالي في الإنتهاكات التي قد يرتكبها ضدّ العرب والطوارق.

زد على ذلك، الحضور القوي للمؤسسة العسكرية في مؤسسات الحكم، حيث تعوَّد الجيش الموريتاني الإنقِلاب على السلطة، كلما تلقّى ضربات مُوجِعة، كما حصل في حرب الصحراء مع جبهة البوليساريو خلال سبعينيات القرن الماضي، ومع نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، الذي أطيح به بعدَ بدْءِ المُواجهة مع مسلّحي القاعدة، وهو ما يعنبي أن أيّ نظام موريتاني سيحْسب ألف حساب لتبِعات الزجّ بالجيش في الحرب، وتأثير ذلك على استِقراره وبقائه في السلطة.

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×