Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

الدروس المستفادة من الأزمة المالية التي شهدها عقد السبعينات


بقلم كريستان رافلاوب


الخميس 24 أكتوبر 1929، انهيار بورصة ويل ستريت، وهو اليوم الذي مثّل انطلاق الركود الإقتصادي الكبير في الولايات المتحدة الامريكية، واندلاع الأزمة الإقتصادية العالمية. (Keystone)

الخميس 24 أكتوبر 1929، انهيار بورصة ويل ستريت، وهو اليوم الذي مثّل انطلاق الركود الإقتصادي الكبير في الولايات المتحدة الامريكية، واندلاع الأزمة الإقتصادية العالمية.

(Keystone)

تذكّر أزمة الفرنك القوي الحالية بأزمة أخرى سبق أن عاشتها سويسرا. حيث بلغ سعر صرف العملة السويسرية في عام 1978 مستويات قياسية مقابل المارك الألماني.

كورت شيلتناخت الذي كان يشغل آنذاك منصب كبير الخبراء الإقتصاديين في المصرف الوطني السويسري يستعيد في هذا الحوار ملامح تلك الأزمة وأطوارها والحلول التي اقترحت للخروج منها.

وأقل ما يمكن قوله اليوم هو أن أزمة الفرنك القوي تتصدرّ مقدمة المشهد، ومعها المصرف الوطني السويسري الذي اضطرّ إلى اتخاذ إجراءات جديدة يوم الأربعاء 10 أغسطس 2011 في مسعى منه للحد من الإرتفاع المستمر لقيمة العملة الوطنية. 
 

وفي الأسبوع الماضي فقط، أقدمت هذه المؤسسة على خفض سعر الفائدة، وعلى زيادة السيولة في الأسواق المالية. كما أقرت الزيادة في ودائع الحسابات القابلة للتحويل لدى البنوك، من 80 إلى 120 مليار فرنك. كما أعلن عن تدابير أخرى منها عقد مقايضات مالية، وهي عمليات تندرج ضمن السياسة النقدية سبق أن استخدمت في خريف 2008. فهل يمكن لسويسرا أن تستفيد من تجاربها السابقة في مساعيها لتجاوز أزمتها الحالية؟ كورت شيلتناخت يقدّم تحليله بهذا الشأن.

swissinfo.ch: تشهد البورصات تراجعات كبيرة في العالم، والجميع، من أسواق مالية وحكومات، ينتابه قلق شديد. هل ترون "بأن ما يحصل ليس بأمر جديد"؟

كورت شيلتناخت: هذا صحيح، لقد سبق أن عايشت حالات مثل التي تشهدها الأسواق المالية حاليا، وكذلك الحال أيضا بالنسبة لسعر الصرف. لكن حدوث الأمريْن في الوقت نفسه. فهذا أمر لم أعهده.

كيف تقيمون الوضع الحالي؟

كورت شيلتناخت: الجميع يشعر بحالة من القلق، وفقدان الأمن، لأن الحكومة لم توضّح لمواطنيها في أي اتجاه ينبغي ان يتطوّر الوضع الإقتصادي، وأي السياسات الاقتصادية أولى بالإتباع.

هل هناك أي رابط بين أزمة اليورو، وتخفيض التصنيف الإئتماني في الولايات المتحدة الامريكية؟

كورت شيلتناخت: لا أرى ذلك. فأزمة اليورو مردّها المستوى العالي للإستدانة في بعض البلدان المعتمدة لهذه العملة، والشك في القدرة على استخلاص تلك الديون. وهذا الوضع يجبر البلدان الأخرى على التدخّل، مما يلحق بها أضرارا. هذه المشكلة، مسألة أوروبية خالصة.

أما في الولايات المتحدة، فقد راكمت الحكومة الديون خلال السنوات الماضية، وحتى الأشهر الأخيرة. والمشكلة الآن أن هذه الديون بلغت مستويات مخيفة ومقلقة.

ديون الولايات المتحدة هي إذن القاسم المشترك بين هذيْن الأزمتيْن؟

كورت شيلتناخت: نعم، الأمر كذلك. ولا جديد في هذه المسألة. كان هناك أيضا مشكلات ديون في السبعينات وفي الثمانينات. لكن حجم الديون هذه المرة جعل الوضع اكثر سوءً. ولا تبدو الأسواق المالية على ثقة بأنه بالإمكان إستخلاص هذه الديون الحكومية.

تقول الحكومة السويسرية أنه بات "هناك ضرورة ملحة لتدخل قوي في إطار السياسة المعتمدة بشأن السوق النقدية"، ولكن لم يتخذ أي قرار بهذا الشأن حتى الآن. ما الذي تراه أنت؟ ما الذي يجب على الحكومة السويسرية القيام به؟

كورت شيلتناخت: ليس بإمكان الحكومة على المدى القصير القيام بشيء كبير. الإجراء المفضَل في هذه الحالة سيكون خفض معدلات الضريبة على الشركات، وعلى الخواص.

كما أن بإمكان الحكومة الفدرالية اتخاذ قرار بالإستغناء عن نسبة من الضريبة الفدرالية المباشرة، وهكذا يزيد إقبال المستهلكين، ويتاح للشركات المزيد من السيولة لإعادة إستثمارها.

هل يمكن المقارنة بين الأزمة النقدية الحالية، والأزمات التي عرفها القرن الماضي؟

كورت شيلتناخت: لقد اجتزنا وضعا يشبه إلى حد ما ما حدث في عام 1978. في تلك المرحلة زادت القيمة الحقيقية للفرنك بنسبة 30% خلال تسعة أشهر.  وهو ما يوازي تقريبا ما يحدث حاليا.

بصفتك كبير الخبراء الاقتصاديين بالمصرف الوطني السويسري في تلك الفترة، ساهمت بشكل فعّال في استقرار قيمة الفرنك. ما الذي قمت به آنذاك؟

كورت شيلتناخت: لقد جرّبنا العديد من التدابير لثبيت سعر الصرف. وقام المصرف الوطني بإشتراء عملات اجنبية من السوق من أجل تنفيذ سياسة نقدية توسّعية.

واليوم، أتخذنا العديد من التدابير التاريخية كقرار معدلات الفائدة السلبية، وقرارات منع الإستثمارات المالية من أجل التأثير في مبادلات رؤوس الأموال. لكن هذه التدابير لم تفض إلى أيّ نتيجة.

ما هو الحل الذي أثبت جدواه في النهاية؟

كورت شيلتناخت: عندما لاحظنا أن سوق العملات لم يعد بمقدورها لوحدها تحقيق ما هو مرجوا في ما يتعلّق باتجاه أسعار الصرف ، قررنا تغيير أهدافنا في هذا المجال.

عندئذ أعلن المصرف الوطني نيته مواصلة اقتناء مبالغ من العملة الامريكية طالما لم يتجاوز سعر صرف المارك الألماني 80 سنتيما بشكل واضح.، وعندما اعلنا هذا القرار، كانت قيمة العملة الألمانية 76 سنتيما. وإخترنا عندئذ معدّلا أدنى بقليل من 10% أعلى من سعر الصرف في تلك الفترة.

لقد أتت تلك الخطوة أكلها. وبعد فترة من التردد، اكتسب السوق ثقة بان الوضع يسير إلى التحسّن. وبدأ تداول رؤوس الأموال يتم بطريقة عادية.

لكن الأمر في تلك المرحلة كان مقتصرا على المارك الألماني، والذي كان عملة بلد مستقر. أما اليوم، فاليورو، عملة لكتلة من البلدان تمر بمرحلة اقتصادية هشة. هل ترى تباينات أخرى يمكن أضافتها؟

كورت شيلتناخت: الوضع الآن أكثر غموضا. ومن الصّعب توقّع في أي اتجاه سوف يتطوّر سعر صرف اليورو والدولار. وهذان المساحتان الجغرافيتان يواجهان مشكلات معقّدة جدا.

لكن هناك عامل لن يتغيّر ابدا، وهو أن المسؤولين مدعوون إلى اتخاذ قرارات في مراحل تتميّز بعدم الإستقرار وعدم الثقة، وعليهم أن يوازنوا بين الأخطار المحدقة بالبلاد.

أعتقد أن القرار الذي اتخذه المصرف الوطني الأسبوع الماضي قرارا حكيما إلى حد بعيد. لقد أرسل مؤشرا واضحا، وبيّن موقفه، وأكّد أن قيمة الفرنك قد بلغت مستوى لا يمكن أن تتجاوزه.

وخلال الأزمات السابقة، مثل انهيار البورصات في عام 1929، كيف تصرّف المسؤولون، وكيف كانت ردود أفعالهم؟

كورت شيلتناخت: كانت ردود الفعل سيئة جدا: وبدلا من إتباع سياسة نقدية توسعيّة، نفّذت الولايات المتحدة آنذاك سياسة نقدية تقييدية، زادت في تفاقم الأزمة.

في سويسرا حدث العكس، لأن تدفق رؤوس الأموال حينها كان قويّا، ولأن سويسرا كانت تتبع آنذاك سياسة نقدية توسّعية. وهو ما يفسر لماذا كان تأثّرها في بداية الأزمة الاقتصادية العالمية محدودا جدا. ولم يشعر السويسريون بآثار تلك الأزمة إلا في مراحل متأخرة.

ما هي الدروس المستخلصة من تلك الأزمات ؟ وما هي أنماط الحلول التي تمّ اقتراحها ويمكن الإستفادة منها اليوم ؟ أم أن كل ازمة هي مختلفة جذريا عن سابقاتها؟

كورت شيلتناخت: نحاول بإستمرار إستلهام الدروس من الماضي، لكن كل ازمة لها خصوصياتها. لابد من التسلّح بالحذر بإستمرار، ولا يجب رد الفعل في كل مرة بوضع إجراءات غير متناسبة.

ما يبدو لي مستعجلا اليوم هو أن يبادر أصحاب القرار، من حكومة وبرلمان، إلى اتخاذ قرارات لحل المشكلات العالقة. ولكنهما بدلا من مجابهة الازمة،  يضيعون الوقت في المناقشات والمهاتفات. هذا الوضع لن يساعد بطبيعة الحال في استقرار الأسواق.

ما الذي بإمكانهم فعله إذن لوضع حد لهذه الأزمة النقدية؟

كورت شيلتناخت: ليس أمامنا خيارات واقعية أخرى، سوى إعادة وضع سقف لأسعار الصرف. وهذا يمثل الفرصة الوحيدة التي بقيت متاحة.

هل يواجه العالم بأجمعه خطر الركود الإقتصادي؟ أم أن الأمر يقتصر على الولايات المتحدة الامريكية؟

كورت شيلتناخت: لا يمكن استبعاد حدوث ركود اقتصادي في البلدان الصناعية. لكني لست متأكدا أن أزمة شاملة سوف تعم العالم. في المقابل، ليس من المستبعد حصول تراجع في معدّلات النموّ.

كورت شيلتناخت

ولد كورت في عام 1941، ودرس الإقتصاد في جامعة زيورخ.

 عمل موظفا في العديد من مؤسسات البحث في زيورخ، وفي باريس والولايات المتحدة الامريكية.

 عمل بالمصرف الوطني السويسري في الفترة الممتدة من 1974 إلى 1996، خاصة في خطة كبير الخبراء الإقتصاديين، وكعضو في مجلس إدارة هذه المؤسسة.

 شغل أستاذا مدرسا للنظريات الإقتصادية بجامعة بازل بداية من 1984. وهو ايضا عضو في مجلس غدارة مجموعة مصارف BZ.

فرنك قوي

 يُوصف الفرنك السويسري عادة بـعملة  "الملاذ الآمن" وهو ما يعني أن المستثمرين والمُضاربين يُقدمون على اقتنائه عندما تتعرض العملات الأخرى بما فيها اليورو والدولار الأمريكي للضغط.

يُعتبر الإرتفاع المستمر لقيمة الفرنك السويسري مصدر انزعاج شديد للمصدرين لأن بضائعهم تكون أغلى سعرا عند تسويقها خارج سويسرا وخاصة في ما يُعرف بمنطقة اليورو.

  

في الوقت الحاضر، يحتاج المرء إلى 1،22 فرنك لاقتناء يورو واحد. وقبل عام واحد، كانت ثمنه 1،48 فرنك وهو ما يعني أن نسبة الإرتفاع المسجل في قيمة الفرنك على مدى الإثني عشر شهرا المنقضية تناهز 17%.

  

إضافة إلى ذلك، استمر الفرنك في تحقيق مكاسب كبيرة في قيمته تجاه الدولار الذي تدهور وزنه نتيجة للتراجع المسجل في نسبة النمو وجراء الحجم المتنامي للديون الأمريكية بوجه خاص.

  

ظل الدولار الأمريكي أقل من الفرنك السويسري لفترة لا بأس بها واليوم يمكن شراء دولار واحد مقابل 85 سنتيما سويسريا.

  

يشدد المصرف الوطني السويسري باستمرار على أنه لا يسعى للوصول إلى سعر صرف محدد (للفرنك مقابل العملات الأخرى) لكنه يُؤسس سياسته النقدية دائما على العهدة القانونية المُخولة له.

   

تنص هذه العهدة القانونية على أن "المصرف الوطني السويسري مُطالب بضمان استقرار الأسعار مع أخذ التطورات الإقتصادية بعين الإعتبار".

أولويات المصرف الوطني السويسري

تتمثّل المهمّة الرئيسية للمصرف الوطني في وضع السياسة النقدية.

 ووفقا للدستور الفدرالي، يعمل المصرف الوطني على ضمان إستقرار أسعار العملة، وهو شرط ضروري للحفاظ على النمو الإقتصادي.

مثّل إصدار الاوراق النقدية، والمعاملات المالية، في البداية المهمّات الرئيسية بالنسبة للمصرف الوطني. اما طباعة العملة، التي كانت تحظى باهمية كبيرة في القرن التاسع عشر، هي اليوم من مهام وزارة المالية.

ويتكفل المصرف الوطني حاليا أيضا بضمان استقرار النظام المالي


(نقله إلى العربية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch



وصلات

×