Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

السباق نحو "قصر قرطاج"


الإنتخابات الرئاسية في تونس تُعيد صياغة رهانات المستقبل


بقلم صلاح الدين الجورشي - تونس


تُوشك الحملة الإنتخابية للرئاسيات في تونس على نهايتها. وفيما تنطلق عمليات التصويت في الخارج صبيحة يوم الجمعة 21 نوفمبر، تفتح مكاتب الإقتراع في التراب التونسي أبوابها بوجه الناخبين يوم الأحد المقبل على الساعة السابعة صباحا. وبعد أن وصل عدد المنسحبين من السباق خمسة حتى الآن (من بين  27)، يبدو أن المعركة الحاسمة ستنحصر بين عدد قليل جدا من المترشحين أبرزهم منصف المرزوقي الرئيس المؤقت الحالي للبلاد والباجي قائد السبسي، رئيس حزب "نداء تونس".    

من المحتمل أن يعرف التونسيون هوية الرئيس المقبل يوم الأحد 23 نوفمبر 2014 بعد إغلاق مكاتب الإقتراع. ولن يكون ذلك عن طريق الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات التي ستحتاج إلى مزيد من التدقيق اليدوي، وإنما بفضل مؤسسات استطلاع الرأي التي سمح لها هذه المرة بالقيام بذلك، بعد أن تمت معاقبة المؤسسات الإعلامية التي سبق لها وأن بثت مبكرا نتائج عمليات سبر الآراء الخاصة بالإنتخابات التشريعية التي أجريت يوم 26 أكتوبر الماضي. فمن سيكون الرئيس؟ وما هي الرهانات المقبلة لتجربة سياسية ديمقراطية لا تزال تحت الاختبار؟.

تعددت الأهداف بتعدد المترشّحين

انطلقت الحملة الرئاسية رسميا بسبع وعشرين مرشحا. وتعتبر هذه المرة الأولى من نوعها التي يتنافس فيها هذا العدد الواسع من المرشحين. لكن منذ الأيام الأولى بدا واضحا بأن هؤلاء المتسابقين لا يتمتعون بنفس الحظوظ للوصول إلى قصر قرطاج (مقر رئاسة الجمهورية في تونس).

الآن اتضح أن هناك من قرر خوض التجربة حتى يسجل ذلك في سيرته الذاتية، حتى لو كلفته المحاولة بعض الملايين من الدنانير. وهناك من استثمر الحديث ليُخرج نفسه من دائرة الإقصاء الذي وجد نفسه عرضة له بسبب دوره السابق في نظام ثار عليه الشعب. وهناك من توقع أن المناخ مناسب لكي يغامر بصفة مستقلة عسى أن تفتح له الأبواب وأن يختاره أغلب الناخبين بعد أن استوت الرؤوس، وأيضا بفضل ما يكتسبه من خبرة ومن علاقات داخلية ودولية، وما يمتلكه من تعاطف من قبل جزء من التونسيين. وهناك أيضا من دفعته "آلة" حزبية لخوض غمار هذه المناسبة، عسى ذلك أن يمكن الحزب من موقع مؤثر في السلطة التنفيذية، أو على الأقل يعزز من حجمه ويوفر له رصيدا يدّخره للمستقبل.

وإذا كانت الإنتخابات البرلمانية قد طغى عليها دور الأحزاب، فإن الرئاسية شهدت استعراض القدرات الذاتية لعدد من الشخصيات التي رأت في نفسها الأهلية لأداء مهمة "القاضي الأول" في البلاد. هناك من اعتبر نفسه الأجدر بفضل "حنكته"، وآخر بـ "نضاله"، وثالث بـ "خبرته"، ورابع ب "ثروته"، وخامس بـ "تعدد مواهبه"،.. إنه استعراض مثير، أسهمت وسائل الإعلام بشتى أصنافها في تأجيجه عساه يسفر عن نتيجة من شأنها أن تعزز المسار الإنتقالي أو تضعفه وتجعله يفضي إلى مرحلة جديدة من عدم الإستقرار والإنتكاسة إلى الخلف.

الإستقطاب الثنائي

وبما أن الجميع قد التجأ إلى ما يملكه من قدرة ومن أسلحة إعلامية وسياسية ومالية، فقد انزلقت الحملة الإنتخابية شيئا فشيئا نحو الدفع بها في اتجاه الإستقطاب الثنائي مثلما حصل في المحطة السابقة. فالرئيس الحالي منصف المرزوقي رفض الإستسلام لنتائج التشريعية التي قلصت من حجم حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي أسسه والذي لم يعد يملك سوى أربعة مقاعد فقط، بعد أن كان الحزب الثاني بالمجلس الوطني التأسيسي.

المرزوقي الذي رشح نفسه كمستقل، تمكن خلال الأسبوعين الأولين من الحملة من إقناع جزء هام من الناخبين بأنه الضامن الوحيد لمواجهة ما يُسميه الكثيرون بالتغول، ويقصدون به مخاطر هيمنة حزب "نداء تونس" الفائز في التشريعية على الرئاسات الثلاث وهي البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية. كما ينطلق في حملته من التأكيد على أن منافسه الباجي القايد السبسي يمثل النظام القديم بكل مخاطره، بل يُمهّد لهيمنة "الثورة المضادة"، على حد قوله.

هذه الإتهامات تلقى صدى واسعا في أوساط الجمهور المناهض لرموز العهد السابق الذين نجحوا في استعادة حيويتهم السياسية والإجتماعية، وإن كانوا قد فشلوا في تجميع صفوفهم والتوحد حول استراتيجية مشتركة. كما أنه جمهور متخوف من عودة الإستبداد الذي اكتوى به التونسيون لفترة طويلة. كما أن جبهة المرزوقي المفتوحة على كل الغاضبين، تستبطن في خطابها التشكيك في القدرة الصحية لقايد السبسي على قيادة البلاد خلال السنوات الخمسة القادمة بحكم تقدمه في السن (ولد في 29 نوفمبر 1926).

في المقابل، ينفي الباجي قايد السبسي وأنصاره اتهامات خصومه، ويعتبر نفسه الأقدر على تسيير شؤون الدولة بحكم خبرته وتمكنه مما يسميه بفرض "هيبة الدولة". كما أنهم ينطلقون من الأخطاء التي تمت في عهد "الترويكا" (أي الأحزاب الثلاثة التي شاركت في الإئتلاف الحكومي من موفى ديسمبر 2011 إلى يناير 2014 وهي: حزب حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات)، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. ويحاولون استثمار مآخذ جزء من الشارع على شخصية المرزوقي من أجل التشكيك في قدراته على إدارة شؤون الحكم، مستفيدين بالخصوص من نتائج الإنتخابات البرلمانية التي جعلت منهم القوة السياسية الأولى في البلاد.

حركة النهضة الغائب الحاضر

في الواقع، أضرّ هذا الإشتباك الثنائي بالحملة الإنتخابية، خاصة وأن هناك من يدفع نحو اللجوء إلى "التصويت المفيد" (أو المُجدي) الذي تم الترويج له في الإنتخابات التشريعية، وخدم حزب "نداء تونس". ولهذا يوجد تململ في صفوف بقية المرشحين الذين انتقدوا بشدة هذا الأسلوب في إدارة التنافس، خاصة كل من نجيب الشابي وحمه الهمامي ومصطفى بن جعفر وغيرهم. بل إن الإستقطاب دفع بخمسة مرشحين إلى الانسحاب من السباق، خاصة مصطفى كمال النابلي محافظ البنك المركزي السابق، الذي علل قراره بـ "عدم سلامة المناخ الإنتخابي".

في هذا السياق تجد حركة النهضة نفسها متهمة بالإسهام في تغذية هذا الإستقطاب بشكل غير مباشر، رغم إعلانها الوقوف على الحياد. ويبدو أن هناك شق من قواعدها وكوادرها لهم ميول نحو دعم المرزوقي في حملته، وهو عامل أساسي ساعد - حسبما يبدو - على صعوده السريع في عمليات سبر الآراء.

لكن قيادة النهضة، ورغم البيان الذي أصدره الأمين العام السابق للحركة حمادي الجبالي ودعا فيه إلى عدم التصويت لصالح قايد السبسي، تريد النأي بنفسها عن معركة الإستقطاب، بل تحرص على أن تبقي الباب مفتوحا أمام احتمال حدوث تقاطع مصالح بينها وبين الباجي قايد السبسي خلال الفترة المقبلة، سواء عند تشكيل الحكومة أو في ملفات أخرى. فالمهم بالنسبة لقيادة الحركة أن تتجنب محاولات عزلها أو تهميشها خلال المرحلة القادمة التي ستستمر خمس سنوات على الأقل.

الرئيس وتوازن السلطات

لم يعد رئيس الدولة في تونس يملك ذات الصلاحيات التي كانت له سواء في عهد الرئيس بورقيبة (1956 - 1987) والتي زاد من تعزيزها خلفه زين العابدين بن علي (1987 - 2011). لقد انتقل مركز القوة في تونس في ضوء الدستور الجديد من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة، لكن مع ذلك بقيت لساكن قرطاج الرمزية وقيادة الجيش وصاحب الأولوية في رسم السياسة الخارجية، وصلاحية حل البرلمان، وكذلك القدرة على إعلان حالة الطوارئ. 

هذه الصلاحيات تمكن رئيس الدولة القادم من أن يكون عنصرا مؤثرا في تنظيم شؤون الدولة والضامن للحريات وحماية الإستقرار السياسي. وإذا تمكنت تونس من اجتياز هذا السباق بأمان فإنها تكون قد قطعت خطوة نوعية هامة نحو تأسيس نظام سياسي ديمقراطي مستقر نسبيا.

مع ذلك، يتهدد هذا الإستقرار بعض المخاطر، أولهما وجود رئيس قوي قد يستهويه توحيدُ مقومات السلطة التنفيذية فيعمل على تهميش بقية القوى ومكونات المجتمع، فيؤدي ذلك إلى الإختلال والهيمنة على مؤسسات الدولة ومقدرات المجتمع. وثانيهما، خطر عدم الإنسجام مع الحكومة والأغلبية البرلمانية، مما يؤدي إلى التنازع وقيام نظام سياسي هش وغير مستقرّ.

أوّل انتخابات رئاسية في تونس بعد الثورة

تجري الاحد المقبل في تونس أول انتخابات رئاسية تعددية منذ الثورة ويتنافس في هذه الانتخابات 27 مترشحا بينهم الرئيس المنتهية ولايته محمد منصف المرزوقي ووزراء من عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، واليساري حمة همامي ورجل الاعمال الثري سليم رياحي والقاضية كلثوم كنو، المرأة الوحيدة المترشحة الى الانتخابات.

وستكون هناك جولة ثانية أواخر ديسمبر المقبل اذا لم يتمكن احد المرشحين من الفوز بالجولة الاولى. وللمرة الاولى، سيكون باستطاعة التونسيين التصويت بحرية لاختيار رئيس الدولة.

ومنذ استقلالها عن فرنسا عام 1956 وحتى الثورة، عرفت تونس رئيسين فقط هما الحبيب بورقيبة الذي خلعه رئيس وزرائه زين العابدين بن علي في تشرين الثاني/نوفمبر 1987 وهذا الاخير حكم البلاد حتى 14 يناير 2011 تاريخ هروبه الى السعودية في أعقاب ثورة عارمة طالبت برحيله.

وفي محاولة لتجنب ديكتاتورية جديدة، اتفقت كافة القوى السياسية على ان يمنح الدستور رئيس الدولة سلطات محدودة مقابل سلطات واسعة لرئيس الحكومة الذي سيكون من الغالبية البرلمانية.

وبينت استطلاعات رأي أجريت في وقت سابق ان الباجي قائد السبسي، هو الاوفر حظا للفوز بالانتخابات الرئاسية، على الرغم من تقدمه في السن. وركز قائد السبسي حملته الانتخابية على "إعادة هيبة الدولة". وكان السبسي تقلد مسؤوليات في نظامي بورقيبة وبن علي.

من جهته، لم يتوقف المرزوقي خلال حملته عن طرح نفسه كسد منيع ضد عودة "السابقين"، مناشدا التونسيين منحه اصواتهم لمواجهة "التهديدات" المحدقة، حسب رايه، بالحريات التي حصلوا عليها بعد الثورة.

اما حزب النهضة الذي حل ثانيا في الانتخابات بحصوله على 69 مقعدا من اصل 217 في البرلمان فلم يقدم مرشحا مؤكدا انه يترك حرية الخيار لاتباعه لانتخاب رئيس "يشكل ضمانة للديموقراطية".

ومنذ الاعلان عن نتائج الانتخابات، تسري شائعات حول الحكومة المقبلة واحتمال حصول تحالف بين النهضة ونداء تونس اللذين لم يستبعد كلاهما العمل سوية. وكان قائد السبسي اعلن انه سينتظر نتيجة الانتخابات الرئاسية قبل بدء محادثات تشكيل الحكومة القادمة.

وحصل نداء تونس على 86 مقعدا في البرلمان وينقصه 23 مقعدا لنيل الغالبية المطلقة (109 مقاعد) الضرورية لتشكيل الحكومة. وقال المحلل سليم خراط لفرانس برس ان "الرهان الاساسي في الانتخابات الرئاسية هو اقامة تحالف في المستقبل لتشكيل حكومة بغالبية مريحة ومستقرة طوال السنوات الخمس المقبلة".

واضاف ان "نداء تونس وقائد السبسي بحاجة الى الفوز (...) لكي يكون هناك، من جهة، رئيس للجمهورية منبثق عن هذا الحزب، ومن جهة ثانية رئيس حكومة (تدعمها) غالبية مريحة في البرلمان". وفرضية كهذه تثير المخاوف من "سيطرة" حزب واحد على المشهد السياسي.

ورغم اقراره بخطر "احتكار السلطات" من قبل حزب واحد، اعتبر خراط ان "السلطات المضادة" التي يمثلها المجتمع المدني القوي في تونس، ستنشط كما فعلت في الاعوام الاخيرة لكي "يستمر المسار الديموقراطي". ومن المتوقع ان تمنح الانتخابات تونس مؤسسات راسخة بعد نحو اربعة اعوام من الثورة وعامين من التاخير.

وتعتبر تونس استثناء في المنطقة حيث تغرق بلدان شهدت احتجاجات في الفوضى والعنف.

(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية، أ ف ب بتاريخ 18 نوفمبر 2014)

×