Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

لا زالت سويسرا تحتفظ إلى يوم الناس هذا في العديد من المجالات ببصمةٍ "كالفينية"، نسبة إلى المصلح الديني واللاهوتي جون كالفن (1509-1564).. عميقة.

وفي هذا السياق، يعتقد غزافييه كومتاس من مؤسسة "المستقبل السويسري" في حديث خاص مع سويس انفو أن مؤسس المذهب الكالفيني المنتشر في سويسرا وفرنسا الذي عاش طويلا في جنيف، قد قدم دفعة مهمة لانعتاق الشعب.

في شهر يوليو القادم، تحتفل سويسرا بمرور 500 عام على ميلاد جون كالفن، اللاهوتي والمصلح الديني الذي ترك لسويسرا وللعالم بأسره ميراثا يتلخص في طريقة رؤية للأمور لا زالت طاغية إلى اليوم على التفكير الغربي الحديث.

وسواء تعلق الأمر بالطريقة الجديدة للإقتراب من الإله أو بأخلاقيات الربح أو بالأنشطة المصرفية أو بالخصوصية الفردية أو بالتصور الحديث للمؤسسات والديمقراطية، فإن روح كالفن لا زالت حاضرة بكثافة.

سويس انفو: ما هي الأسس التي تقوم عليها بروتستانتية كالفن؟

غزافييه كومتاس: إنها تقوم على التوراة المكتوبة بلغة الشعب، وعلى الفصل بين الدولة والدين، وعلى الإتفاق القاضي بأن القاعدة (أي المؤمنون الذين يُموّلون الطائفة) حرة في اختيار كُهانها أو قساوستها.

وبمرور الوقت، ترسخت هذه الطريقة الكلفينية لتنظيم المؤسسات في العقلية السويسرية وحتى في أوساط غير دينية. فمؤسسات الدولة تظل مفصولة بصرامة عن أي هيكل ديني، فيما تتسع مشاركة القاعدة (الشعبية) في اتخاذ القرارات السياسية بدءا بالمستوى البلدي ووصولا إلى المستوى الوطني.

وكل هذه (العوامل) تؤدي إلى انعتاق الشعب أو – بتعبير أكثر حداثة – إلى "تمكينه".

سويس انفو: ما هي الصورة التي كانت ستبدو عليها سويسرا اليوم لو أن كالفن لم يُوجد أصلا؟

غزافييه كومتاس: أعتقد أنه بدون عملية انعتاق (تحرير) الشعب التي أطلقها كالفن في سويسرا، ما كانت لتُوجد أي ديمقراطية مباشرة.. كانت بلادنا ستتحول إلى جمهورية مثل جيراننا تماما. وفي هذا الصدد، لا يجب نسيان الدور (الذي يحظى بنفس القدر من الأهمية) الذي لعبه زفينغلي في الأنحاء المتحدثة بالألمانية من سويسرا.

إن هذا التوجه لإعادة إنتاج التنظيم البلدي على أعلى مستويات الدولة أيضا من خصوصياتنا كسويسريين.

سويس انفو: إلى أي حد كانت جنيف أهم من زيورخ آنذاك؟

غزافييه كومتاس: في زمن كالفن، لم تكن سويسرا الروماندية (أي المتحدثة بالفرنسية) موجودة بعدُ. وكانت جنيف المدينة وبؤرة المرجعية لسويسرا بأكملها. وفيما عدى ذلك، كانت بازل تكتسي دورا هامشيا في حين كانت زيورخ وبرن ولوزان مراكز لا تأثير لها.

ولهذا السبب أيضا يُعتبر كالفن – على المستوى الدولي – شخصية ذات أهمية كبرى مقارنة بـ "زفنغلي". يجدر التذكير بأنه غداة سقوط نابليون، كانت زيورخ أقل أهمية من جنيف سواء لجهة عدد السكان أو الأهمية الإقتصادية.

سويس انفو: ما هو التأثير الذي كان لكالفن على مسار الإصلاح الديني وعلى صورة سويسرا في العالم؟

غزافييه كومتاس: شخصيا، أعرف بالخصوص الوضعية في القارة الأمريكية حيث وجد المذهب الكالفيني أرضية خصبة جدا. فاليوم، يعيش وراء المحيط حوالي 15 مليونا من أتباع المذهب كالفن الذين يُعرفون أيضا باسم "المشيخيين" أو Presbyterian في البلدان الأنغلو سكسونية. كما توجد مجموعات كالفنية في سكوتلندا وكوريا الجنوبية أيضا. وإجمالا، يقدر عدد أتباع المذهب الكالفيني في العالم بحوالي 50 مليون شخص.

وعلى العكس من ذلك، فإن عدد البروتستانت المتبعين لمذهب كالفن في سويسرا قليلون جدا.

سويس انفو: ما هي التأثيرات التي أحدثها مذهب كالفن في الإقتصاد وفي القطاع المصرفي؟

غزافييه كومتاس: كان كالفن – الذي صُدم من تجارة صكوك الغفران البابوية الرامية إلى ملء صناديق (الفاتيكان في) روما – من أول قادة الكنيسة الذين قاموا برد الفعل من خلال سماحه بتقديم قروض مقابل دفع فائدة، لكنه اشتـرط التقيد بمقاييس أخلاقية عالية جدا. وبما أنه لامجال للمقارنة مع نسب المُرابين، فإن (هذا الصنف من) القروض كان يبدو معقولا.

وعلى غرار الدين والسياسة، كانت الفكرة الجوهرية في المجال المصرفي تتمثل في حماية المواطن من خلال الإستناد على رافعة المتطلبات الأخلاقية الرفيعة. وهنا يتجه الفكر بدون تردد إلى الزمن الحاضر.

من جهة أخرى، اعتبرت البروتستانتية أن المجال الخاص (أو الخصوصية الفردية) قيمة تستحق الحماية، وإذا ما تم الربط بين هذه الأخيرة وممارسة أنشطة مصرفية، يُتحصّل على السر المصرفي.

سويس انفو: تاريخيا، كان من المفترض أن يحمي السر المصرفي المواطن من تدخلات الدولة..

غزافييه كومتاس: تماما. وهذا ما يفسر أيضا سبب بروز العديد من سوء الفهم حول هذا المفهوم. وفي الواقع فإن "السر المصرفي" مصطلح غير دقيق بل من قد يكون من الأصح الحديث عن "حماية للخصوصية الفردية من طرف المصرف".

هذا الصنف من الحماية القانونية لا يُوجد في سويسرا لوحدها. ففي فرنسا على سبيل المثال، لا يُسمح لزوجة بالحصول على معلومات حول الحسابات المصرفية لزوجها باعتبار أنها (أي هذا الصنف من المعلومات) تنتمي – طبقا للقانون - إلى المجال الخصوصي لهذا الأخير.

نحن السويسريون تقدمنا – ببساطة – خطوة إضافية إلى الأمام وقمنا بحماية أنفسنا أيضا من (تصرفات) اعتباطية محتملة من جانب الدولة. وتستمد طريقة التفكير هذه جذورها من البروتستانتية التي كانت ترمي في عصر كالفن إلى حماية الناس من تجاوزات الكنيسة الكاثوليكية القوية.

سويس انفو: على ضوء الكوارث التي عصفت بالساحة المصرفية والمالية، ماذا تبقى اليوم من هذه الأخلاقية الكالفينية؟

غزافييه كومتاس: نعيش اليوم أزمة الأخلاق ولهذا السبب سيتوجب علينا في المستقبل مواجهة أنفسنا بمفهوم "المسؤولية الإجتماعية". وإجمالا، فنحن بصدد التوجه نحو كالفينية علمانية تقوم على مُقدمات جديدة، لا زالت أخلاقية لكنها لم تعد دينية.

فلنأخذ على سبيل المثال قطاع الجودة، حيث يهدف إقحام مقاييس "ISO" الخاصة بالجودة إلى سد الثغرات المتعلقة بالمسؤوليات. وعلى غرار العديد من المؤسسات المهمة دوليا، يوجد مقر المنظمة العالمية للتقييس ISO في جنيف ويمكن اعتبارها – بهذه الصفة – جزءًا من ميراث كالفن.

ألكسندر كونتسلي، swissinfo.ch

(ترجمه وعالجه: كمال الضيف)

من هو غزافييه كومتاس؟

يشرف غزافييه كونتاس على فرع مؤسسة المستقبل السويسري في جنيف وهي مجموعة تفكير قريبة من أوساط رجال المال والأعمال.

ولد في نوشاتيل في عائلة بروتستانتية ثم درس في معهد كالفن في جنيف، ومنذ ذلك الحين يقيم في المدينة التي يشقها نهر الرون غرب سويسرا.

بحكم اطلاعه الواسع ومعرفته العميقة بكالفن، نجح كونتاس في شرح ما قام به كالفن باعتباره مُصلح القرن السادس عشر وتمكن من تسليط الأضواء على حجم التأثير الذي تركته توجّهاته على الفكر والمؤسسات المعاصرة.



وصلات

×