Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

هجمات إرهابية في العاصمة الفرنسية


الصحف السويسرية تتساءل عن "الرد المناسب" على اعتداءات باريس


بقلم سامويل يابيرغ


 انظر لغات أخرى 6  لغات أخرى 6
قداس ديني نظّم أمام كتدرائية نوتردام بباريس بعد الهجمات التي ادمت العاصمة الفرنسية (Reuters)

قداس ديني نظّم أمام كتدرائية نوتردام بباريس بعد الهجمات التي ادمت العاصمة الفرنسية

(Reuters)

بعد صدمة الإعتداءات الدموية التي استهدفت عاصمة الأنوار باريس، تعتقد أغلبية الصحف السويسرية الصادرة يوم الإثنيْن 16 نوفمبر 2015، أن الردّ العسكري لن يكون كافيا لإنهاء خطر الإرهاب. وبالنسبة لعديد المحررين، من الآن فصاعدا ستنخرط فرنسا والبلدان الغربية عموما في معركة طويلة تستوجب إعادة رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط.  

الرد العسكري على الاعتداءات بدأ بالفعل خلال الليلة الفاصلة بين الأحد 15 والإثنيْن 16 نوفمبر من خلال قصف عنيف استهدف مدينة الرقة السورية، معقل تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش سابقا) الذي أعلن سابقا مسؤوليته على اعتداءات باريس. ووفقا لمصادر الجيش الفرنسي، أدى القصف إلى تدمير مركز قيادة ومعسكر تدريب، وذلك بعد يومين فقط من شنّ موجة من أخطر وأعنف الهجمات التي عرفتها فرنسا في تاريخها الحديث (الحصيلة المؤقتة هي 132 قتيلا وأكثر من 350 جريحا). 

لكن العديد من الصحف السويسرية الصادرة اليوم الإثنيْن مع ذلك شككت في جدوى وفعالية هذه الإجراءات العسكرية. وأشارت صحيفة "لا ليبرتي" (تصدر بالفرنسية في فريبورغ) إلى أن "العدوّ هو "داعش"، ويجب أن يبقى كذلك، لكن الهجمات التي يشنها التحالف الدولي، وبمشاركة فرنسا، لن تكون كافية لطرد هذا التنظيم من العراق وسوريا. لوحده، حلّ سياسي يؤدي إلى تخليّ بشار الأسد عن السلطة في دمشق سيسمح باقتلاع الشرّ من جذوره، على الأقل إلى حين عثوره على جرح آخر يوغل في دمائه".

أما صحيفة "أرغاو تسايتونغ" (تصدر بالألمانية في آراو)، فترى أن الغرب يدور في حلقة مفرغة: "كلما زاد تورّط الغرب عسكريا، كلما أدّى ذلك إلى تغذية وزيادة ارهاب الأصوليين الراديكاليين". نفس الإستنتاج تورده صحيفة "تاغس أنتسايغر" (تصدر بالألمانية في زيورخ)، التي تذهب إلى أن الإرهاب الذي تمارسه داعش في أوروبا "ليس مشكلة عسكرية بل سياسية". وتذكّر الصحيفة بأن "التدخّل العسكري الامريكي في العراق بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ويا للمفارقة، هو الذي وضع أسس صعود نجم تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ومن وجهة نظرها فإن "هذا مبرّر آخر لكي نكون حذرين في استخدام وتطبيق خطاب حربي". 

فرنسا كانت بالفعل في حرب

بدورها، دعت صحيفة "لوتون" (تصدر بالفرنسية في لوزان) فرنسا إلى التزام الإعتدال، وأشارت في افتتاحيتها إلى أنه "بعد يوميْن من الرعب الذي زرعه الإرهاب في فرنسا، فإن الدم البارد، والإعتدال الذي دعا إليه فرنسوا هولاند، وتمنى أن يتحكّم في ردود الأفعال، هو ضرورة مطلقة. وهذه الأعمال الإرهابية التي لا سابق لنا بها تتطلّب أيضا حكمة ووضوحا في الرؤية". 

ففرنسا، وفقا لهذه الصحيفة، لم تدخل الحرب يوم الجمعة 13 نوفمبر: "لقد كانت بالفعل مشاركة في الحرب في افغانستان، وفي سوريا، وليبيا في عام 2011، وفي مالي حيث يوجد جيشها حتى الآن. هذه الحروب، والتي تشير إلى صعوبة التئام الجراح القديمة التي تركتها المرحلة الإستعمارية، جعل الأراضي الفرنسية، وخاصة عاصمتها باريس، رمزا للكثير من الصراعات، وستبقى هدفا في منظار المتطرّفين. وتصعيد الضربات الجوية لن يكون كافيا، وشبكة الإرهاب سوف يكون من الصعب تفكيكها. والإنتصار على الإرهاب هو صراع طويل. ولا يُعلن هكذا بمرسوم". 

صحيفة "لوكورييه" (تصدر بالفرنسية في جنيف)، ترى من جانبها، وبنبرة أكثر انتقادا أن "الإدعاء بفرض الديمقراطية بواسطة القنابل قد أثبت محدوديته، خصوصا عندما تغطيّ هذه الإدعاءات مطامح إمبريالية، مثلما حدث خلال حرب الخليج الثانية". 

 سويسرا تندّد باعتداءات باريس

 أشار بيان أصدرته وزارة الخارجية السويسرية مباشرة عقب اعتداءات باريس الإرهابية بأن "سويسرا تشعر بالصدمة والحزن بسبب الإعتداءات الإرهابية التي كانت العاصمة الفرنسية مسرحا لها"، وأنها "تدينها بأشدّ العبارات". وكانت رئيسة الكنفدرالية سيمونيتا سوماروغا قد اتصلت بالرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، وأعربت له عن "وقوف سويسرا إلى جانب فرنسا"، كما نقلت له "تعازيها في الضحايا الذين سقطوا في الإعتداءات". 

من جهته بعث ديديي بوركهالتر، وزير الخارجية السويسرية برسالة تأييد ودعم إلى نظيره الفرنسي آلان فابيوس أشار فيها وفق ما جاء في البيان المذكور إلى أن "سويسرا تشعر في هذه الساعات الأليمة والعصيبة بأنها أقرب إلى جارتها من أي وقت مضى". 

ومنذ وقوع الإعتداءات في فرنسا مساء الجمعة 13 نوفمبر 2015، وضعت كل الأجهزة الامنية السويسرية، دائما وفقا لنفس المصدر، في "حالة تأهّب قصوى، وهي تعمل في تعاون وثيق مع أجهزة الأمن الفرنسية، وبالتنسيق مع سفارة سويسرا في باريس".

بيان وزارة الخارجية الصادر في برن أشار أيضا إلى أن "كلا من الخارجية وجهاز الشرطة الفدرالية يحاولان استجلاء الأمر لمعرفة إن كان هناك سويسريين من بين ضحايا الإعتداءات الإرهابية". وقد تأكّد لاحقا أن مواطنة سويسرية أصيبت لكن وضعها الصحي في حالة مستقرّة.   

البيان تضمّن كذلك تقييم جهاز المخابرات السويسرية للأوضاع الأمنية، الذي يشير إلى أن درجة التهديد والخطر قد ارتفعت نوعا ما منذ بضعة أشهر، وإن بشكل ملحوظ منذ بداية شهر نوفمبر الحالي، لأن "مصالح البلدان المشاركة في التحالف الدولي المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الأراضي السويسرية قد تكون تحوّلت هدفا للتنظيم".

"تصعيد لا نهاية له"

في افتتاحية مطوّلة، يتساءل تيري ماير، محرّر صحيفة "24 ساعة" بدوره عن جدوى الردّ العسكري: "ما نحن قادرون على فعله للردّ على البربرية ، أو على الأقل لمواجهتها؟ نحن في حرب، يقول فرنسوا هولاند. ولكن بأي أدوات، وبأي استراتيجية؟ وما هو الهدف؟ لقد أثبتت كل من أفغانستان، ثم العراق، ثم ليبيا، ثم سوريا، ومنذ خمسة عشر عاما، أن القوة العسكرية في العالم أجمع، وكل هذه القنابل لا تنتج في النهاية سوى تصعيد لا نهاية له". 

ما الذي يجب فعله إذن؟ تقدّم هذه الصحيفة بعض المقاربات للإستكشاف! الرد المتبصّر يقتضي "ردا على مستويات متعددة، وعلى مدى طويل. الرفض القاطع للخطاب المتطرّف وبلا هوادة، واستهداف أعشاش التطرّف بقوة، وهذا إجراء ضروري وعاجل. ولكن كيف التصرّف مع الأشخاص المعنيين بذلك؟ وضعهم في السجون؟ وبذلك تحويلهم إلى قنابل انسانية موقوتة قد تنفجر في وقت لاحق؟ حشد بضعة آلاف من الجنود لحراسة تقاطعات شوارع باريس، أمر لا يستغرق سوى بضعة ايام، تدارك ما فات من الوقت في الضواحي المهمّشة، نشر التعليم، خلق الامل، تحقيق الإندماج، توحيد أبناء الجمهورية المهمّشين (وللإشارة فهذا الأمر لا يخص فرنسا فقط) وعلى أي حال هي اجراءات سوف تستغرق جيلا كاملا من الجهود المتواصلة والمتناسقة. وأنا غير متأكّد أن الأجندة السياسية للتيارات الشعبوية والحلول المبسّطة سوف تمنح هذه الإجراءات الوقت والوسائل المناسبة".

صحيفة "لوكورييه" تعود لتطرح أسئلة عميقة عن طبيعة التحالفات العسكرية والجيوستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث ترى أن "منظومة الأمم المتحدة مشلولة، وتفتقر إلى المصداقية في منطقة الشرق الأوسط. والخطر هو أن الصدمة التي أحدثتها اعتداءات الثالث عشر من نوفمبر في باريس تمنع من اعتماد مقاربة أكثر شمولا، وأكثر دقة، وأقلّ إيديولوجية، وأكثر أهمية في المنطقة. ليس أقلّها من مراجعة تحالفات مع بعض الأنظمة التي تشتري طائرات مقاتلة من فرنسا، وتحافظ في نفس الوقت على صلات قوية مع داعش. وماذا عن تركيا، حليف الغرب والعضو بالحلف الأطلسي ودوره المشبوه، والذي يعمل من أجل إضعاف المنظمات الكردية من خلال السماح بتمدّد الجهاديين؟". 

من جهتها، تطالب صحيفة "لا تريبون دي جنيف" (تصدر بالفرنسية في جنيف) السلطات الإسلامية وجميع المسلمين بقطع علاقتهم مع "الأصوليين الراديكاليين"، ومن دون أي لبس، كما دعتهم إلى "أن لا يكتفوا بالتنديد بالإعتداءات، بل أن يتخذوا إجراءات في مجتمعاتهم لكشف الإرهابيين وفضحهم. جميعا، نريد ان نسمعهم، وأن نراهم يتحركون في هذا الإتجاه. قد يكون من السذاجة، ولكن يجب أن يقال أيضا أن على الأنظمة التي تموّل شبكات الإرهاب، من دون أي رقيب أو حسيب، كالمملكة العربية السعودية، وقطر على سبيل المثال، أن تمارس عليها ضغوطا. وبدون ذلك، فإن الخلط ( مسلمون/ إرهاب) الذي يحذّر منه الجميع، سوف يتفاقم". 

انتهاء "ثقافة البلد المضيف الساذجة"؟

الصحف اليومية السويسرية ذات التوجه اليميني تشدّد من جهتها على ضرورة حسن التحكّم في تدفّق المهاجرين على الحدود. في يوم الأحد 15 نوفمبر، هاجم أولي ماورر، وزير الدفاع، والعضو في حزب الشعب السويسري (يمين متشدد)، اتفاقيتيْ شنغن ودبلن، وأشار إلى أنهما "من الواضح لا تعملان بشكل جيّد".

صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" (تصدر بالألمانية في زيورخ) تعتقد أنه يتعيّن على السياسيين أن يُواجهوا "الأسئلة الصعبة"، ومنها آثار الموجة الأخيرة من الهجرة على أمن أوروبا، وذهبت إلى أن "أولئك الذين تخلّوا - على غرار ألمانيا - عن المراقبة عند حدودهم الخارجية من الواضح أنهم يخلقون أخطارا جديدة"، على حد زعمها.

وأضافت الصحيفة أن هذه أيضا من "عواقب الموجة الهائلة للهجرة على المدى الطويل والتي يجب أن تؤخذ بعيْن الإعتبار"، حيث أن "المجتمعات الغربية أصبحت أكثر تنوعا، مما يؤدي إلى زيادة خطر التوتّرات الإجتماعية. فقد ارتفعت في أوروبا اخيرا أصوات تطالب بتوزيع المسلمين داخل بلدان الإتحاد الاوروبي. وأولئك الذين يرفضون مناقشة هذا الأمر ولا يأخذون هذه المخاوف مأخذ الجد يمهّدون الطريق للديماغوجيين الشعبويين مثل ماري لوبان"، وتختتم الصحيفة منوهة إلى أن "المواطنين الأوروبيين ينتظرون إجابات وليس اعتذارات". 

وفي خطاب أكثر تشدّدا، أشارت صحيفة بازلر تسايتونغ، اليومية التي تصدر بالألمانية في بازل والمقرّبة من اليمين المحافظ، إلى أن الإعتداءات تعلن نهاية "ثقافة البلد المضيف الساذجة" في أوروبا. فمسألة الشعور بالذنب قد تمّ تجاوزها بالفعل. وتؤكّد الصحيفة اليمينية في افتتاحيتها على أننا "قد دخلنا في حرب والضحايا من المدنيين. وهي حرب يجب أن تخوضها الولايات المتحدة وأوروبا إذا أرادا لقيمنا أن تستمرّ (...) وخطابات ُالحب والسلام والسعادة، إلى جانب الحدود المفتوحة كان أمرا جميلا وشعورا نرجسيا، ولكن عندما ننظر إليه على المدى البعيد يبدو أمرا قاتلا"، حسب رأيها.


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch

×