تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

العيد الوطني السـويسري توماس مايسن: "كل جيل يُبلور رؤيته الخاصة للتاريخ"

(Ex-Press)

يوفر احتفال أول أغسطس فرصة لإلقاء الخطب والتذكير بالتاريخ السويسري، وهذا ما يعزز اليوم مقومات الهوية، لاسيما بالنسبة للمواطنين الذين تعتريهم المخاوف من أن تقوم المنظمات الدولية والشركات متعدّدة الجنسيات، بالتشكيك في مقوّمات الوطن، مثلما يقول المؤرخ توماس مايسن.

هذا السويسري البالغ من العمر 50 عاما والمنحدر من مدينة بازل، يُدرس مادة التاريخ منذ عام 2004 في جامعة هايدلبيرغ الألمانية. وسيتقلد ابتداءً من سبتمبر 2013، منصب مدير معهد التاريخ الألماني بباريس.

في حوار أجرته معه swissino.ch، قدم الخبير المتخصّص في التاريخ السويسري في أجوبة مكتوبة دور هذا التاريخ وتواجده في الفضاء الرقمي.

swissinfo.ch: هل سبق لكم أن ألقيتم إحدى خطب في أول أغسطس؟ وما هي الرسالة التي وجهتموها أو تنوون توجيهها بهذه المناسبة؟

توماس مايسن: لقد وُجّهت لي الدعوة لأول مرة هذا العام لتقديم خطبة أول أغسطس في مدينة تسوغ. وسأقدم بعض الأفكار، مثل كيف يمكننا عبر استخدام اللغة العامية أو اللغة الألمانية المكتوبة التفريق بين المواطن السويسري والأجنبي.

وماذا يمثل لكم احتفال الأول من أغسطس؟ ما هي الذكريات الراسخة عندكم منذ الصغر عن هذا العيد؟

توماس مايسن: ما أحتفظ به منذ الصغر، هي تلك الألعاب النارية المرافقة، وهذا ما أبهر من بعدُ أبناءنا أيضا. ويتزامن هذا الإحتفال مع عيد ميلاد والدة زوجتي، ما يجعلنا نقيم احتفالا مزدوجا.

(SRF)

هل لا زالت سويسرا في حاجة إلى إحياء هذه الذكرى، علما أن 22% من سكانها اليوم هم من الأجانب، وأن هذا الإحتفال لا يعني الكثير بالنسبة لهم.

توماس مايسن: لا أعتقد بأن السكان الأجانب يمكثون في بيوتهم في الوقت الذي تُقام فيه الإحتفالات في كل مكان، خصوصا في أمسية صيفية جميلة. وبإمكاني كمواطن سويسري أن أشارك في احتفال 3 أكتوبر في ألمانيا أو 14 يوليو في فرنسا، وأن أشارك المواطنين والمواطنات هناك فرحتهم بحاضر سعيد وبذكريات تاريخية مهمة وبخطب تحمل رسائل للمستقبل، ليست مقتصرة على شعب بعينه.

العيد الوطني السويسري

يُخلّد العيد الوطني في الأول من أغسطس 2013 الذكرى الـ 722 لميلاد الدولة السويسرية.

تم اعتماد أول أغسطس كعيد وطني للدولة السويسرية المعاصرة في عام 1891. ولم يتحول إلى عيد وطني بشكل رسمي إلا سنة 1994. وتعتبر سهول روتلي الواقعة في كانتون أوري على ضفاف بحيرة "فيرفالد شتيترسي"، المكان الذي وُلدت فيه الكنفدرالية السويسرية.

في أول أغسطس 1291، أبرمت كانتونات أوري وشفيتس ونيدفالدن اتفاقية سلم واتحاد فيما بينها، ومع أنها لم تكن الأولى من نوعها، إلا أنها تعد أقدم وثيقة ما زالت سارية المفعول. وكثيرا ما يتم ذكر هذا الإتفاق أثناء تأدية القَسَم الفدرالي، إذ يُحكى أن هذا القسم هو الذي أداه في منطقة روتلي (أو غروتلي حسب النطق بالفرنسية) مبعوثو الكانتونات الثلاث الأصلية (أوري وشفيتس ونيدفالدن)، وهم على التوالي: فالتر فوست، وفيرنر شتاوفاخر وأرنولد فون ميلختال.

في عام 1940، ألقى قائد الجيش السويسري الجنرال غيزان في سهل روتلي خطابا تاريخيا أمام القيادات العليا للجيش، دعا فيها إلى المقاومة ضد غزو محتمل للقوات الألمانية. وبعد ذلك، اشتهر هذا النداء باسم "تقرير روتلي" في التاريخ السويسري.

يتم في كلّ سنة إحياء الإحتفال الوطني بأول أغسطس في منطقة روتلي، وتتوج المراسم بإلقاء خطاب رئيس الكنفدرالية، الذي سيُلقيه هذا العام وزير الإقتصاد يوهان شنايدر - امّــان. وكان الإحتفال بالعيد قد تخللته في عامي 2000 و2005 بعض الإضطرابات تسببت فيها مجموعة من النازيين الجدد حاولت إحياء احتفالها في نفس المكان. وتبعا لذلك، جرى لاحقا تعزيز الإجراءات الأمنية في المنطقة.

في عام 2007، نُفذ تفجير أثناء المراسم الرسمية، لكن اتضح أن العبوة التي ردمت تحت الأرض كانت عبارة عن مفرقعات تم تشغيلها عن بعد. ولم يُصب أحد في الحادث. وبعد عام من الواقعة، أفرج عن أحد المشتبه فيهم بعد التحقيق معه.

لأول مرة منذ 15عاما، أعلن اليمينيون المتطرفون أنهم سيتخلون عن إحياء احتفالهم في سهل روتلي هذا العام.     

نهاية الإطار التوضيحي

هل شهد محتوى الخطب الخاصة باحتفالات الأول من أغسطس تغيرا مع مرور الزمن؟

توماس مايسن: هذا بالفعل ما حدث خلال حوالي 100 عام، أي منذ بداية الإحتفال بالعيد الوطني الفدرالي. فقد كان الأمر في الماضي يدور حول التحذير من الأخطار الخارجية وإعداد المجتمع عسكريا لمواجهة ذلك. أما اليوم، وفي ظل آفاق اقتصادية غير مستقرة، يتم التركيز على التلاحم الإجتماعي في إطار الدولة الضامنة للمكاسب الإجتماعية.

كيف تُدرِّسون مادة التاريخ السويسري في زمن الإتصالات الرقمية، وبالأخص الحقبة الخاصة بتأسيس الكنفدرالية؟ كيف تبسّطون فهم أوضاع معقدة بالنسبة لرواد الإنترنت في الوقت الذي تتراجع فيه قدرتهم على التركيز؟

توماس مايسن: لا أعتقد بأنه كان هناك اهتمام كبير بسماع طريقة جديدة لعرض التاريخ السويسري حتى قبل حقبة الإنترنت. فقد كان عرض التاريخ يقتصر على تقديم مقتطفات تاريخية، إما حقيقية أو خاطئة، انطلاقا من قصة ويليام تيل وفينكلريد، مرورا بتسفينغلي وكالفان، إلى هنري دونان والجنرال غيزان، إذ مَن مِن السويسريين، كان وما زال بإمكانه تحديد تاريخ وظروف انضمام الكانتونات إلى الكنفدرالية؟

وقد لا يكون ذلك مهما، لكن قد يتطلب الأمر عرض ذلك في مراحل، وبطرق مختلفة، من أجل إيصال المعلومات والمعرفة التاريخية، وإثارة نقاش حولها: إما عبر الكتب المدرسية أو المقالات الصحفية أو القصص التاريخية أو الدراسات والأبحاث العلمية.

بوصفكم مؤرخا، ما الذي يمكنكم القيام به لجعل مادة تدريسكم أكثر جلبا للإهتمام؟

توماس مايسن: هناك في الواقع اهتمام كبير بالتاريخ، ولكن ليس بالضرورة كعلم موثق. وإذا ما أراد الخبير في التاريخ جلب اهتمام جمهور أوسع، فعليه تقديم المحتوى بلغة يسهل فهمها وبشكل واضح وبدون اللجوء إلى استخدام تعبيرات مهنية متخصصة. وهذه مأمورية سهلة بالنسبة لبعض المواضيع، ولكن قد لا يكون الأمر كذلك بالنسبة لمواضيع أخرى. وعلى سبيل المثال، لقي كتابي "تاريخ سويسرا" إقبالا كبيرا لدى الجمهور، وهو اليوم في طبعته الرابعة. فعلماء التاريخ لا يُعانون أكثر من غيرهم من العلماء من عدم اهتمام الجمهور.

علم التاريخ هو بناء مركب، وكل جيل يحتاج إلى تصوره الخاص للتاريخ كما يُقال. هل هذا صحيح؟

توماس مايسن: أي قصة يتم عرضها إما بشكل شفوي أو تصويري، هي بمثابة بناء مركب. وحتى ولو تعلق الأمر فقط بسرد ما قمت به بالأمس، فإنك تتجنب الحديث عما تراه غير مهم بالنسبة لك، ولكن قد يكون مهما بالنسبة للغير. كما أنك قد تلتزم بخط رئيسي في سردك يربط بين مختلف الوقائع. وقد تعمل على إعادة صياغة ما قيل أو إدخال تحسينات بالدرجة الأولى على الدور الذي قمت به أنت.

سرد التاريخ لا يتم بطريقة مغايرة، لذلك نجد أن كل جيل يحتاج لصياغة صورة تاريخية مغايرة، وقد يصورها حسب المقاس، أو قد يعمل أكثر على صياغة عدة صور تاريخية مختلفة. فالصورة التاريخية لكريستوف بلوخر (وزير سابق في الحكومة الفدرالية من اليمين الشعبوي)، تختلف اختلافا كبيرا عن الصورة التاريخية لروت درايفوس (وزيرة اشتراكية سابقة في الحكومة الفدرالية)، ولو أن الاثنين سويسريان.

كما أن إبداء هذين السياسيين السابقين أو غيرهما لآراء حول التاريخ السويسري، يعود لكون الدروس المستخلصة من الماضي بمثابة مُوجِّه يساعدنا في تحديد مستقبل محفوف بالمخاطر. ويبقى الوطن - مثلما كان دوما - الوحدة الرئيسية الأكثر أهمية.

في الأثناء، أضحت مقومات هذا الوطن عرضة للمُراجعة والتشكيك من قبل مؤسسات دولية، مثل الأمم المتحدة أو الإتحاد الأوروبي أو المحاكم الدولية، ومن قبل منظمات غير حكومية دولية أو شركات متعددة الجنسيات أو من طرف أنصار الإتحاد أو دعاة الإنفصال. لذلك، نجد أن هناك الكثير من الناس الذين يفكرون بشكل دائم ومُركز في هذه القيم والأحاسيس التي تعمل على تحديد الهوية والإنتماء. وهذا ما يحدُث في سويسرا أيضا.

إذن ما هو الدور الذي يتعين على التاريخ أن يلعبه في المجتمع؟

توماس مايسن: إن التصورات بخصوص ماض مشترك، هي حزمة مترابطة، تعمل على إبقاء المجموعات والدول متلاحمة، وبالأخص عندما لا تكون هناك لغة واحدة مشتركة أو معتقد ديني واحد، مثلما هو الحال في سويسرا. لذلك تبدي الدولة اهتماما دائما برؤية هذه التصورات وهي تبرز للوجود، كما تهتم بالمظهر التي ستبدو عليه. وفي النظم الديمقراطية، لا تقوم الدولة بتحديد معالم الصورة التاريخية، بل تترك ذلك للسياسيين ولوسائل الإعلام وللبحاثة ولكل المواطنين.


(نقله من الألمانية وعالجه: محمد شريف), swissinfo.ch

Neuer Inhalt

Horizontal Line


محتويات خارجية

الحياة والعمل في الجبال بفضل التحول الرقمي


الحياة والعمل في الجبال بفضل 
التحول الرقمي

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك