Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

المحامي الجزائري رشيد مسلي


"الإنتربول أصبحت اليوم آلية من آليات محاربة حقوق الإنسان"


بقلم عبدالحفيظ العبدلي - برن


قرّرت محكمة الإستئناف بمدينة تورينو شمال إيطاليا يوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2015 رفع اجراءات الإقامة الجبرية التي فُرضت على رشيد مسلي، المدير القانوني لمنظمة الكرامة، عقب ايقافه على الحدود السويسرية - الإيطالية يوم 19 أغسطس الماضي بناءً على مذكّرة جلب دولية أصدرتها السلطات الجزائرية منذ أبريل 2002. 

واعترافا بالعمل الجبّار الذي يقوم به السيد مسلي منذ سنوات في نشر حقوق الإنسان والدفاع عن ضحايا الإنتهاكات في العالم العربي، فضلا عن احتمال تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة في حالة تسليمه إلى الجزائر، قرّر القضاء الإيطالي إطلاق سراحه قبل انتهاء الآجال القانونية التي تمنح في العادة للسلطات المطالبة بالتسليم (40 يوما من تاريخ الإعتقال) لتقديم الحجج والأدلة المسندة لطلبها.

وللوقوف على مجريات هذه القضية أجرت swissinfo.ch هذا الحوار مع رشيد مسلي، المسؤول القانوني لدى منظمة الكرامة السويسرية غير الحكومية والمتخصصة بالدفاع عن حقوق الإنسان في العالم العربي، التي تتخذ من جنيف مقرا لها.

swissinfo.ch: كيف استقبلت قرار محكمة الإستئناف بتورينو القاضي برفع الإقامة الجبرية عنك. هل كنت تنتظر قرارا كهذا؟

رشيد مسلي: في الحقيقة أنا ما كنت أنتظر هذا القرار، لأنه أثناء الجلسة، وبالرغم من أن المحكمة كانت متجاوبة ومتفهّمة للموضوع، إلا أن النيابة عارضت طلب المحامي المتعلّق برفع الإقامة الجبرية عنّي. وفي الواقع، هذا أمر طبيعي، حيث لمّا تكون هناك إجراءات تسليم، من المفروض أن يكون الشخص المعني إما موقوفا في السجن أو قيد الإقامة الجبرية على الأقل، ولا يسمح له بأن يخرج من البلاد. رغم ذلك، ورغم اعتراض النيابة، نظرا لأن الأجل القانوني الممنوح للسلطات الجزائرية لا ينتهي إلا خلال عشرة أيام، قررت المحكمة الإفراج عني، لذلك أنا حقا تفاجأت بصدور قرار رفع الإقامة الجبرية عنّي.

swissinfo.ch: ما هو تفسيرك إذن لقرار المحكمة؟

رشيد مسلي: التفسير الوحيد هو أن المحكمة كانت مقتنعة مسبقا بأن طلب التسليم الذي تقدمت به السلطات الجزائرية كان غير جدّي، وغير مبرّر. المحكمة نفسها برّرت قرارها بكوني شخصا معروفا بالدفاع عن حقوق الإنسان، وأن القضية الموجهة ضدّي غير موضوعية وتفتقد إلى حجج. هذا أيضا دليل على أن السلطات القضائية الإيطالية لا تثق في ملفات التسليم التي تصدرها دول مثل الجزائر التي لا يحترم نظامها أدنى مقاييس المحاكمات العادلة أو أدنى المعايير الدولية فيما يتعلّق بحقوق المواطنين.  

swissinfo.ch: لا شك، وأنت محام، أن هناك اعتبارات قانونية محدّدة ومبرّرات كافية، استند إليها القضاء الإيطالي للوصول إلى اقتناعه بعدم جدّية الإتهامات الموجهة إليك. لكن كيف أسهمت أنت أو من أنابك في الوصول إلى هذا القرار؟ 

رشيد مسلي: ما حدث هو أن سلطات النظام الجزائري قدّمت طلبا دوليا للقبض عليّ، لكن لم ترفق الطلب لا بوقائع ولا بحجج تثبت أسباب هذا الطلب. لابدّ أن أذكّر (القارئ) أنني متابع من السلطات الجزائرية بتهمة الانتماء إلى جمعية ارهابية مسلّحة تنشط في الخارج، أي في سويسرا. ودائما ضمن نفس الملف، تقول السلطات الجزائرية أنني اجتمعت مع مجموعة ارهابية، كنت أنا أميرها، في دلّيس (منطقة في الجزائر) في شهر يونيو 1999، لكن في ذلك التاريخ بالتحديد أنا كنت موجودا في السجن. المفارقة أن الذين فبركوا هذا الملف لم يكلّفوا أنفسهم حتى احترام الحد الأدنى من المعقولية. الشيء الآخر أيضا أن الأشخاص الذين تعرّضوا للإيقاف وللسجن في نفس القضية برّأهم القضاء الجزائري نفسه بعد ثلاث سنوات قضوها معتقلين، فكيف أتابع في قضية المتهمين الرئيسيين فيها تمت تبرئتهم. كالعادة نظام مستبد يتابع معارضين وناشطين في مجال حقوق الإنسان موظِّفا في ذلك منظمة الشرطة الدولية، التي من المفترض أن تقوم بدورها الحقيقي وهو محاربة الجريمة الدولية وليس تعقّب المدافعين عن حقوق الإنسان.

 swissinfo.ch: بالتحديد، ما هي مسؤولية الشرطة الدولية في ما حصل. ألا ترى أنها تحوّلت إلى أداة طيّعة لخدمة أنظمة مستبدّة؟

رشيد مسلي: هذا ما يحدث الآن بالفعل، رغم أن المادّة الثالثة من القانون الداخلي للإنتربول تمنعها من متابعة القضايا ذات الطابع السياسي أو الديني، وقضايا الرأي عموما. من المفروض أيضا أنه لما تصل الإنتربول طلبات من بعض الدول، لابد أن تتحرّى حولها وتدرسها بدقة. صحيح أنه من المهمّ محاربة الجريمة كقضايا القتل أو الإتجار في المخدّرات،... لكن لا يجب أن تنحرف هذه الهيئة عن مهمّتها، فتتحوّل إلى جهاز يساعد الأنظمة المستبدّة في مضايقة المعارضين السياسيين أو المدافعين عن حقوق الإنسان. مع الأسف كذلك، فرغم أن للأنتروبول لجنة تبتّ في الشكاوى التي توجّه إليها، ومطالبة بإصدار قرار بشأنها في غضون سنة. هذه اللجنة، رغم مرور عشر سنوات منذ أن قدّمت لها شكوى في الغرض، لم تكلّف نفسها مجرّد الرد على مراسلاتي. وبالتالي يحق لنا ان نقول إن الإنتربول اليوم أصبحت آلية من آليات محاربة حقوق الإنسان.

 swissinfo.ch: بعد مرور 15 عاما على مغادرتك للجزائر، ألم يقتنع خصومك بإيقاف هذه التتبعات. هل المستهدف رشيد مسلي، الناشط والمعارض السياسي، أم رشيد مسلي الناشط الحقوقي والمسؤول القانوني بمنظمة الكرامة؟

 رشيد مسلي: الأكيد أن نشاطنا في مجال حقوق الإنسان، وبالخصوص نشاطنا ضمن منظمة الكرامة منذ عشر سنوات أمام مجلس حقوق الإنسان والآليات الدولية. هذا النشاط هو الذي يقلق هذه الأنظمة، وليس الجزائر فقط، بل أيضا مصر والإمارات، التي بدورها وضعتنا على قائمة المنظمات الإرهابية... كل هذه الأنظمة تشعر بحرج كبير بسبب نشاط منظمة الكرامة، رغم أن نشاطنا نشاط قانونيّ محض يتمثّل في رفع ما يصلنا من حالات انتهاكات لحقوق الإنسان إلى هيئات الأمم المتحدة لأجل مساعدة الضحايا. هذا العمل يدخل ضمن النشاط المعترف به دوليا. الأكيد أيضا أن النظام الجزائري يشعر بحرج من هذا النشاط والدليل أن طلب القبض عليّ صدر في الوقت الذي بدأت فيه نشاطي على مستوى لجنة حقوق الإنسان بعد وصولي إلى سويسرا، وبالتحديد بشأن ملف المختفين قسريا والمسجونين في أماكن سرية في الجزائر، وكنت أتعامل بشأن هذا الملف مع بعض خبراء الأمم المتحدة. هذا هو في الواقع سبب التتبعات ضدي.

 swissinfo.ch: هذا هدفهم من التحرّك ضدّك. ما هي الرسالة التي توجهها أنت إلى خصومك؟

 رشيد مسلي: من المبالغة القول إنه لدينا سلطة في الجزائر، يمكن أن نتوجّه إليها برد. كل ما في الأمر هي مجموعة في حرب داخلية في ما بينها من أجل تقاسم المصالح. ومازالوا بعد مرور عشرين سنة لم يستوعبوا أي درس. لابد في الحقيقة من تغيير جذري، لأن النظام في الجزائر غير قابل للإصلاح من تلقاء نفسه.

 swissinfo.ch: كناشط حقوقي ما هي الدروس الواجب استخلاصها مما حدث لكم على مستوى الحدود السويسرية الإيطالية يوم 19 أغسطس 2015؟

 رشيد مسلي: نحن سنواصل نشاطنا مهما كانت الضريبة التي سندفعها. نحن واعون باننا سنكون مستهدفين بإستمرار، لكن هذا لن يغيّر موقفنا ولن يؤثّر على نشاطنا في دعم الضحايا من أجل التغيير الجذري في أوضاع حقوق الإنسان في المنطقة العربية. ولا مجال للتراجع في هذا المجال.

 swissinfo.ch: ما هي المراحل القادمة في أطوار هذه القضية. هل أغلق الملف نهائيا؟

 رشيد مسلي: من الناحية القانونية، النظام الجزائري مطالب الآن بتوضيح بعض النقاط الغامضة في هذا الملف. وارسال الوثائق المهمّة التي امتنع عن ارسالها إلى حد الآن، والتي تثبت أن كل المتابعة هذه لا أساس لها. مثلا هناك حكم بالبراءة في حقّ متهمين آخرين، والنظام امتنع عن ارسال نسخة من هذا الحكم، كذلك لم يرسل الوثائق التي تثبت أن كل الأشخاص الذين تم توقيفهم وارغامهم على الشهادة ضدّي قد فعلوا ذلك تحت التعذيب والتهديد. وفي انتظار وصول كل هذه الوثائق، سوف يحدّد تاريخ لعقد جلسة أخرى للمحكمة يتوقّع ان تكون نهاية شهر سبتمبر الجاري، والتي سأحضرها. لكنّني أظلّ على يقين أن النظام في الجزائر لن يرسل الوثائق المطلوبة لأنها تنسف كل الاتهامات التي يوجّهها لي من الأساس. 

swissinfo.ch

×