تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المهرجانات الصيفية أوبرا أفانش: شبه معجزة تتكرر منذ 20 عاما

بقلم
AVenches Opera

مشهد من أوبرا "كارمن" لجورج بيزييه يعاد تمثيله إستعدادا للدورة العشرين لمهرجان أفانش، وقد ألتقطت هذه الصورة يوم 1 يوليو 2014

(Keystone)

"الحب طائر متمرّد لا أحد يستطيع ترويضه...": أغنية كارمن والحب المتمرّد، التي صدحت في سماء أفانش، في ليلة وادعة لطيفة من ليالي أوائل الصيف، وفي الميدان الذي كان مضمارا لحلبات النزال الدموية بين أبطال المصارعة والحيوانات المتوحِّشة، فضلا عن الغجرية المتبذلة التي كانت تغوي خاطبيها وتستهزئ بهم، ثم تلاقي ذات المصير المأساوي، أمام 5 آلاف متفرج.

أما المسرح، فهو بسيط وذو أرضية رمادية، تبدو كأنها مصنوعة من الإسمنت، بينما تعُجُّ المنصّة الكبرى من المدّرج الروماني بألوان الأزياء الصارخة وبإشارات العازفين وحركات الجوقة الغنائية. أما كارمن، فهي كما هي على الدوام، مُتّقدة ومفعمة بالعاطفية، وقد تقمّصت شخصيتها كل من المغنية الميزو سوبرانو الفرنسية بياتريس أوريا مونزون، التي تعتبر واحدة من بين الأفضل عالميا في أداء هذا الدور، ونويمي نادلمان، السوبرانو السويسرية الكبيرة، التي تشارك في مهرجان أفانش للمرة الثالثة.

"قمتُ بعدّة أعمال في الهواء الطلق، غير أن مهرجان أفانش بالنسبة لي، هو تجربة فريدة من نوعها، حيث الغناء بدون ميكروفونات. وما أروع إحساس المرء بصوته يجوب أرجاء المكان ثم يرتد إليه، هناك يمكنك أن تتلاعب بطبقات الصوت ويمكنك أن تغنّي أغنية بهمس، فيكون كل شيء مسموعا، حتى إذا ما بزغ القمر وجادت الطيور بخاتمة تغاريدها، تألَّقت الأجواء بسِحرها الفتّان".

العصر الذهبي

المدرج الذي مضى على وجوده ألفي عاما، هو أحد روائع الحضارة الرومانية الأكثر إثارة للإعجاب في أفانش، التي كانت عاصمة هلفيتيا الرومانية، وكان المدرج يمثل سوقا مهمّة لتبادل السِّلع القادمة من منطقة البحر الأبيض المتوسط عبْر نهر الرون وبحيرة جنيف، ومن بحر الشمال عبْر نهر الراين وبحيرات الهِضاب العليا، أيامها، كانت المدينة تعد 20 ألف نسمة على الأقلّ، بينما تعد اليوم بالكاد 3800 نسمة.  

أفانش

المدينة الرومانية بأفانش كما صورتها بالألوان الزيتية الرسامة المبدعة بريجيت غوبلر.

(متحف التاريخ والأركيولوجيا بكانتون فو، لوزان)

"كان المدرج أعلى بكثير مما هو عليه اليوم، كان يحتوي على عشرة أدراج إضافية ويتّسع لنحو 1600 متفرج، وكانت تجري فيه ألعاب الصيد ونزلات المصارعة، وقد تكون مصحوبة بعزف موسيقي"، وِفق قول ماري فرانس ميلون كروز، مديرة مؤسسة برو أفينتيكورابط خارجي.

واللافت، أن الغزو الألماني في القرن الثالث الميلادي قضى على العهود الذهبية للمدرج الروماني في مدينة أفانش، وفي القرون التالية بعد ذلك، تحوّلت الآثار الرومانية العريقة إلى كهوف تُنزَع حِجارتها لبناء الجدران والمنازل، فيما بقي المدرج الروماني نفسه مدفونا تحت الأرض إلى حدود عام 1940، عندما بدأت أشغال الحفريات وترميم الآثار التاريخية. ومع نهاية التسعينيات، أضحت أفانش تجتذب أكثر ما تجتذب طلاب الفصول المدرسية.

اعتراض السكان

وفي يوم من الأيام، تلقى المكتب السياحي في أفانش رسالة عبر الفاكس مرسلة من مغنّي للأوبرا، يقترح فيها الاستفادة من المدرج في تنظيم عروض مسرحية غنائية. "في البداية، عارض بعض السكان المشروع، معتبرين بأنه كبير على القرية"، كما قال ليو أوبرتوفر، رئيس مؤسسة أفانش للأوبرارابط خارجي.

 "أهالي فو مُوسْوسُون"، كما يقول صاحب الاقتراح، سيرجو فونتانا، الذي ترعرع في برن وأصله من تيتشينو (جنوب سويسرا)، وأضاف: "كانوا خائفين من الأرقام المرتفعة قليلا، قالوا: ‘الناس لا تأتي‘ وبقوا يردِّدون: لو نزل مطر، وإذا لم ينزل مطر ...".

 لكن، في نهاية المطاف، تمكّنت المبادرة من إحراز الدّعم الكافي، واستطاع سيرجيو فونتانا، الذي أدى عروضا غنائية بصوت غليظ وخشن في العديد من دور الأوبرا الأوروبية، من بينها مسرح سكالا في مدينة ميلانو الإيطالية، حيث اعتلاه مدة عشرين عاما، من الاتفاق مع فرقة أوركسترا وتشكيل جوقة موسيقية وتسخير شبكة معارفه على المستوى الدولي للاتفاق مع عدد من العازفين المنفردين، وفي ظرف سنة، كان كل شيء جاهز لانطلاق أول مهرجان "أوبرا عايدة" في عام 1995، بستة عروض أحدثت ضجّة كبيرة. 

تزايد المنافسة

"لقد كان حلما، بكامل معنى الكلمة، ودبّ الحماس في الناس، فقالوا: نجحنا في أول مرة، ومن الآن فصاعدا، يجب أن يصبح مهرجان الشعر الغنائي حدثا سنويا"، على حدّ قول ليو أوبرتوفر. وهكذا تكرّر النجاح: 36 متفرّجا في السنة الأولى، و42 ألف متفرج في السنة الثانية، و52 ألف متفرج في السنة الثالثة، وأصبح مهرجان أفانش مناسبة ثقافية وطنية "للأوبرا تحت النجوم"، وتُغطّى أكثر من 80٪ من تكاليفه من قِبل الجمهور، والباقي تتم تغطيته من خلال الدّعاية والتسويق.

ولم تكن وتيرة الانتقادات دوما هادئة أمام الصعود والهبوط في السلم البياني لمهرجانات أفانش، لكن، بالتأكيد أن حصيلة نحو 750 ألف متفرّج في 20 مهرجانا سنويا أذْكت، إلى حدٍّ ما، الاهتمام بأنشطة الأوبرا في سويسرا، بعد وقت طويل من التراجع: "لم تُترك الأوبرا لمصيرها في سويسرا فقط، وإنما أيضا في إيطاليا، وقد ألّف دونيتزيتّي أكثر من 70 عملا، وروسّيني حوالي 50 عملا، وفيردي حوالي 30 عملا، بينما يكاد لا يعرف معظم الناس اليوم أكثر من عمليْن اثنين"، على حدِّ ذكر سيرجيو فونتانا. 

ولغاية الآن، نجح المهرجان في التغلب على تحديات المناخ، التي لم تكن مواتية في هذا العام الذي يُحتفل فيه بالذكرى العشرين. ومع ذلك، هناك ما هو أسوأ من الأحوال الجوية، حيث تعاني أوبرا أفانش منذ بضع سنوات من المنافسة المتزايدة: "عدد المهرجانات في الهواء الطلق في تزايد مستمر، وإذا لم تكن لفن الأوبرا، فإنها للموسيقى وللعروض الأخرى. والكل يريد أن يأخذ نصيبا من الكعكة"، على حدّ ذكر ليو أوبرتوفر. 

مهرجان أفانش للأوبرا
تظاهرة ثقافية فنية، تعقد سنويا في موسم الصيف وفي الهواء الطلق على المدرّج الروماني، في قرية أفانش الواقعة في كانتون فو.

احتفالا بالذكرى السنوية العشرين، عُقد مهرجان هذا العام خلال الفترة ما بين 4 إلى 12 يوليو 2014. تمكّن، خلال مسيرته، من اجتذاب نحو 750 ألف متفرج.

يستوعب المدرج التاريخي في أفانش ما يصل إلى ستة آلاف متفرج.

نظّم العديد من المهرجانات الثقافية الفنية الكبرى مثل: أوبرا عايدة ونابوكو ولاترافياتا وتوراندو وحلاق إشبيليا وريغوليتّو والناي السحري.

يتم تأمين أكثر من 80٪ من تمويل المهرجان من خلال التذاكر، والباقي من الدعاية والتسويق.  

نهاية الإطار التوضيحي

معجزة صغيرة

على الرغم من التراجع الطفيف في أعداد المشاهدين، تبقى "فيرونا الصغيرة" بمثابة المنحة للقرية الواقعة في كانتون فو: "حقّق مهرجان أفانش إنجازا كبيرا على المستوى السياحي، والكثير من المشاهدين يُبكّرون في الحضور فيتعرفون على المعالم الرومانية في القرية وعلى ما فيها من آثار معمارية من العصور الوسطى"، بحسب رئيس مؤسسة أفانش للأوبرا، وأن مئات الأشخاص، معظمهم من المتطوِّعين، يُشاركون في تنظيم المهرجان.

وللتغلّب على المنافسة، يركز مهرجان أفانش على جودة المادة والأداء. ومنذ عام 2010، قام إريك فيجي، المدير الفنّي، بتحديث كافة الأنشطة تقريبا، من الجوقة الموسيقية وحتى تلك الأنشطة التي تجري خلف الكواليس، ومن لوزان، حيث يشرف طوال العام على دار الأوبرا، يجلب معه كل صيف إلى أفانش، الموسيقيين والمغنيّين ومصمِّمي الديكور والأزياء.

"ما من عام إلا ويشكل فيه مهرجان أفانش تحديا كبيرا. فثمّة حاجة إلى إنعاش وتطوير منصّة الاستعراض، ذات الوسائل والإمكانات التقنية القليلة والتي لا تليق بمستوى مسرح، كما أن هناك حاجة إلى تحسين نظام الصوت بشكل جيد، بحيث يمكن أن يصل إلى جميع المتفرِّجين، ناهيك عن وجود العديد من الاحتياجات الأخرى لمواجهة بعض الأحوال المفاجِئة، مثل هبوب الرياح وانتشار حبوب اللقاح والتغيّرات المناخية، من رطوبة ودرجة حرارة. وفي كل مرّة، تكون فيها الأمور على ما يرام، تتحقّق ما يمكن وصفها بالمعجزة الصغيرة"، على حد قول فيجي

أبرا أفانش

.النهاية المأساوية لكارمن (ناومي نادلمان) بعد أن طعنها دون خوسيه (جيانكارلو مونسالفي) حتى الموت

(avenchesopera.ch )

الصوت طبيعي

واحتفالا بالذكرى العشرين للمهرجان، استحدث إريك فيجي شخصية كارمن، التي تمّ تجسيدها لأول مرّة في ستّينات القرن الماضي، قريبا من نهاية حكم الدكتاتور فرانكو، أي بعد نحو قرن من نشأتها في مخيلة مخترعها جورج بيزيه.

"أردت تجنب الوقوع في الفولكلور الإسباني، بصنوجه وكليشيهاته، للتركيز بشكل خاص على نوعية الأصوات والآلات الموسيقية، التي يمكن تذوّقها والشعور بقيمتها الحقيقية من خلال هذا المدرج، ولذلك، فإن نظام الصوت نقِي جدا في ميدان أفانش، ولا نحتاج إلى استخدام الميكروفونات ولا أية وسيلة صوتية أخرى. فالصوت طبيعي، كما ينبغي أن يكون في فنّ الأوبرا"، حسبما أوضح فيرجي.  

كارمن
قدّم مهرجان أوبرا أفانش لهذا العام عرضا فنيا بثوب جديد لرواية كارمن، وقام بأداء الغناء كلّ من بياتريس أوريا مونزون ونويمي نادلمان، فيما لعب جورج دي ليون وجان كارلو مونسالفي دوْر دُون خوسيه.

أوبرا كارمن مستوحاة من الرواية التي كتبها بروسبر مريميه، وتدور أحداثها في مدينة إشبيليا في إسبانيا، وتتكوّن من أربعة أعمال من ألحان الملحن الفرنسي جورج بيزيه، وقد ظهرت إلى الوجود في عام 1875 في العاصمة الفرنسية باريس.

في أول عرض لها، لم تُقابَل باستحسان من قبل الجمهور، بل إن سهام النقد وُجّهت إليها معتبرة إياها عملا غير أخلاقي، لدرجة أن هذا الفشل أثّر على صحة بيزيه، فكانت وفاته بعد ذلك ببضعة أشهر عن عمر ناهز الـ 36 عاما.

تمّ إجراء بعض التعديلات في ما بعد على النسخة الأصلية، قام بها صديق بيزيه، الملحن إرنست غيرو، وما هي إلا سنوات معدودة حتى تلقتها دول أخرى بالاستحسان، واليوم، بلغ بها النجاح أن أصبحت العرض الأكثر أداء على مستوى العالم.  

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×