Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

بعد تصريحات البابا.. أي مستقبل للحوار الإسلامي المسيحي؟


حاول الدكتور التونسي أحميدة النيفر، وهو الرئيس المسلم لفريق البحث الإسلامي المسيحي، وضع تصريحات البابا الأخيرة في سياقها الأوسع.

لكن الدكتور النيفر لا يُخفي تشاؤمه حول مستقبل الحوار الإسلامي المسيحي لأنه لا يمكن للحوار أن يغير كثيرا من أجواء أزمة الثقة القائمة "في غياب توفر شروط ضرورية"، حسب قوله.

الدكتور أحميدة النيفر أستاذ وباحث جامعي تونسي، انخرط مند فترة طويلة في تنشيط الحوار الإسلامي المسيحي. ويتقلد حاليا منصب الرئيس المسلم لفريق البحث الإسلامي المسيحي (Gric) الذي تأسس عام 1977 على يد جامعيين مسلمين ومسيحيين.

في حديث أجرته معه سويس انفو في العاصمة التونسية بخصوص ما قاله البابا بنديكس السادس عشر يوم 12 سبتمبر 2006 حول الإسلام، يحدّد النيفر الإطار الذي يتنزّل فيه الحوار، لكنه لا يخفي تشاؤمه حول احتمال أن يغير هذا الحديث كثيرا من أجواء أزمة الثقة في غياب توفير شروط ضرورية.

سويس إنفو: أين تكمن أخطاء البابا برأيك؟

د. أحميدة النيفر: أخطاء البابا في جانبين: الأول، عندما لم يُـدرك مقتضيات وظيفته الجديدة كبابا، مقارنة بمسؤوليته السابقة عندما كان يُـشرف على "مجمع عقيدة الإيمان"، التي تُـعتبر أعلى هيئات الفاتيكان الساهرة على العقيدة. لقد كان الحافظ على تقديم العقيدة الكاثوليكية بصورة متماسكة في ضوء تحديات العصر. لكنه بعد انتقاله إلى وظيفته الجديدة، احتفظ على نفس الخطاب، في حين أن منصب البابا يقتضي مُـراعاة عوامل أخرى، ولا تقف عند شرح العقيدة، وإنما تراعي أيضا الأوضاع السياسية والاجتماعية لأوروبا والعالم.

فحينما يستشهد البابا بحوار جرى مند قرون في ظروف خاصة ليرمي من وراء ذلك إلى ربط الإسلام بالعنف ربطا جوهريا، فإن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن شخص مسؤول عن مؤسسة في أهمية ومكانة الفاتيكان، خاصة عندما يُـقال الآن في هذا الظرف الصعب الذي يواجهه العالم العربي والإسلامي، فيقال للمسلمين بأنهم أصحاب دين انتشر عن طريق القوة.

ثانيا، أثبت البابا في محاضرته أنه على معرفة بجوانب عديدة من تاريخ الفكر الإسلامي، حيث استشهد بإبن حزم، ولاشك أنه يعرف إبن رشد. وبالتالي، يتوقع أنه على اطّـلاع بتنوّع المدارس الفكرية في التاريخ الإسلامي، وبأن الإسلام أتاح للعقل الإنساني فُـرصة للنمو والازدهار، وأن ذلك يتعارض مع القول بأن هذا الدين قائم على التعارض بين الإيمان والعقل.

سويس إنفو: هل سيؤثر هذا الخطأ على مسيرة الحوار الإسلامي المسيحي، خاصة مع تنامي الأجواء العالمية المشحونة؟

د. أحميدة النيفر: هناك احتمالان: الأول، أن يستمر الإصرار على هذا التوجه لدى القيادة، الروحية والفكرية للكنيسة، وهو احتمال له ما يرجّـحه، لأن موقف البابا ليس مجرّد نشاز، وإنما يمثل تيارا لا يزال يعتقد بأن ما توصّـل إليه المجمع الفاتيكاني الثاني يحتاج إلى تصحيح، خاصة فيما يتعلق بمسألة العلاقة بغير المسيحيين من يهود ومسلمين وغيرهم.

ففي تلك الوثيقة الهامة، تم التأكيد على أهمية إرساء حوار مع غير المسيحيين من أصحاب الديانات الأخرى، أما اليوم، فيبدو المشهد وقد تغيّـر بنسبة كبيرة بعد أن أصبحت قيادة الفاتيكان لا ترى كبير فائدة في مثل هذا الحوار، بل لأن آخر إجراءات البابا هو إنشاء مركز في مدينة بوردو بفرنسا تابع للفاتيكان، من بين مهامّـه مراجعة الفاتيكان 2 مراجعة نقدية من قبل مجموعة من المختصّـين المُـنتمين إلى التيار الأصولي، التابع للمنشق الكاثوليكي "بوفافر".

إذا ما تواصل هذا المسار وحصل ما يُـسمى بتصحيح التصحيح، فإن الحوار لن تصبح له أية أهمية، لأن أصحاب هذا المسعى، يعتقدون بأن صدقية العقائد الأخرى لا ترقى إلى مستوى العقيدة المسيحية، التي تشكّـل عندهم النموذج الأرقى للإيمان. ومن يعتقد بذلك، فلن يتحاور مع الآخرين من موقع الندية. وبالتالي، سيفقد الحوار مصداقيته، وسيتحوّل إلى عمل ظرفي يلجأ إليه أصحابه لامتصاص حالات الاحتقان، التي يمكن أن تبرز هنا أو هناك، وسيقتصر على مسائل محدودة، مثل التوافق على مواجهة المثليين أو عدم إباحة الإجهاض، أي تحقيق قدر من التعايش المشترك، وهو ما عبّـر عنه البابا عند استقباله للوفد التركي، حين طالبه بالتصدّي للعنف الذي يراه وكأنه يشكّـل نزوعا أساسيا لدى المسلمين.

في المقابل، وخلال ال 25 عاما الماضية، كان البابا يوحنا بولس الثاني له رأي آخر في الحوار واستطاع أن يدعم مؤسسات كنسية وجمعيات دينية، ويبني علاقات مع البلدان الإسلامية ومؤسساتها. وبرز على السطح تيار إصلاحي عمل بشكل بارز وفعّال، ومثّـله المجلس البابوي للحوار بين الأديان برئاسة الكاردينال الإفريقي آرينزي، ثم تولاّه بعده الأسقف الإنجليزي "فتزجيرالد"، الذي وقع إقصاءه أخيرا وعيّـن سفيرا للفاتيكان بالقاهرة. كما تمّ حل المجلس فيما بعد.

وتوجد أيضا عديد من المجوعات المتمسّـكة بالحوار، مثل مجموعة "سانت إيجيديو"، ومجموعة "فوكو لاري"، المهتمة بالمسائل النسائية، ومجموعة البحث الإسلامي المسيحي ومجموعة الدومينيكان في القاهرة، هذه المجموعات تعمل على تنمية دور الأخلاق في السياسة وفي الحوار، وليس دور الدين فقط. وأعتقد أن الحوار قد قطع شوطا لا يُـمكن تجاوزه بسهولة.

سويس إنفو: لكن الحوار بقي محصورا داخل دوائر ضيقة ولم يصل إلى عموم المؤمنين، فما الجدوى منه وما سبب ذلك؟

د. أحميدة النيفر: محدودية الحوار ظاهرة صحيحة عند الجانب الإسلامي، لكنها أقل بروزا في العالم المسيحي. وتعود المحدودية عندنا إلى مسؤولية المؤسسات الدينية الإسلامية التابعة للحكومات، والتي لا تتجاوز ما تريده الجهات الرسمية. كذا الشأن بالنسبة للمؤسسات الأخرى القريبة من الحركات الإسلامية الاحتجاجية، التي تواجه في الغالب تحدّيات سياسية بالدرجة الأولى. وبالتالي، فإن الحوار الإسلامي المسيحي يُـعتبر بالنسبة إليها عملا هامشيا، إن لم يكن مشبوها. لهذا، إذا استثنيا بعض النُّـخب، لا يبدو العالم الإسلامي معنيا بمواجهة الذات ومراجعة علاقتها بالآخر.

أما العالم المسيحي، فهو يبدو أكثر حماسا لقبول تحدّي الحوار، ويعود ذلك إلى عاملين على الأقل. هناك حالة احتفاء بثقافات ومعتقدات دينية وافدة على الغرب، مثل البوذية والإسلام وغيرهما من معتقدات أخرى، وذلك سعيا من أوساط غربية للعثور على إجابات لما طرحته عليهم مرحلة الحداثة وما بعده، وما خلّـفته الأزمة الوجودية التي تخترق جوانب من حياتهم بعد أن أصبحت العلاقة مع المؤسسات الدينية التقليدية على غاية من الضعف.

أما العامل الثاني، فيخُـص حضور الجاليات الإسلامية والآسيوية والإفريقية في أوروبا وأمريكا، حيث أصبح هذا الوجود دائما وليس ظرفيا. فعدد المسلمين في أوروبا يتجاوز حاليا 10 ملايين الدين استقروا بصفة نهائية، وهذا الحضور فرض على المجتمعات الأوروبية أن تقترب أكثر من تلك الثقافات والأديان، وأن تسعى إلى تفهُّـم خصوصياتها الإيمانية ومسيرتها التاريخية. لهذين العاملين، يبدو الحوار أكثر أهمية في العالم الغربي ذي التقاليد المسيحية، مقارنة بالعالم الإسلامي.

سويس أنفو: كيف يمكن إقناع المسلمين بأهمية التمسك بهذا الحوار؟ وما هو مستقبله؟

د. أحميدة النيفر: من لم يُـراهن على الحوار الداخلي، يصعب عليه أن يُـدرك وأن يُـدافع بحرارة على الحوار مع غير المسلمين. فالعالم الإسلامي لا يبدو معنيا بتقديم مساهمة جدّية لترسيخ مثل هذا الحوار، وكل ما هناك، محاولات محدودة.

إلى جانب ذلك، تبدو المرحلة الحالية هي مرحلة صُـعود الأصوليات بمختلف ألوانها وخلفياتها الدينية والسياسية، وهو ما سيشكل عائقا قويا أمام نجاح الحوار الإسلامي المسيحي.

ومع ذلك، أعتقد بأن مشروع الحوار قابل لكي يتحقّـق في مناطق العالم الإسلامي، التي لا تشهد حالات احتقان شديدة، ومن تلك المناطق المغرب العربي وتركيا وماليزيا. في حين أن هناك مناطق أخرى غير مؤهلة لاحتضان الحوار، نظرا لكونها حلبة صراع مباشر تحميها قوى دولية ترغب في تحقيق هيمنة كاملة عليها.

أجرى الحوار في تونس صلاح الدين الجورشي

أسف لكن دون اعتذار

أعرب البابا بندكتس السادس عشر يوم الأربعاء 20 سبتمبر في الفاتيكان عن "عميق الاحترام" الذي يكنـّه "للديانات الكبرى وخاصة للمسلمين"، مُجدِّدا أسفه لإساءة تفسير التصريحات التي أدلى بها حول الإسلام قبل ثمانية أيام خلال زيارته الرعوية لألمانيا، والتي أثارت موجة سخط وغضب عارمة في العالم الإسلامي.

وكان البابا قد سبق وعبّر يوم السبت 16 سبتمبر في الفاتيكان، على لسان أمين سر دولة الفاتيكان الكردينال تارشيزيو بيرتونيس، عن الأسف لإساءة فهم تصريحاته حول الإسلام في الخطاب الذي ألقاه يوم 12 سبتمبر في جامعة ريغينسبورغ جنوبي ألمانيا (التي كان قد درّس فيها سابقا) تحت عنوان "الإيمان والعقل والجامعة: ذكريات وتأملات".

واعتبرت العديد من الدول الإسلامية والجماعات الدينية أن تصريحات البابا صوّرت الإسلام كدين يحرض على العنف والقتل.

نبذة عن الدكتور أحميدة النيفر

أستاذ جامعي في أصول الدين بجامعة الزيتونة بتونس منذ عام 1995.

شارك في عديد الملتقيات العلمية بتونس والبلاد العربية والأوروبية.

صدر له مؤخرا كتاب تحت عنوان "مستقبل الحوار الإسلامي المسيحي" بالاشتراك مع الراهب "موريس بورمانس" عن دار الفكر - دمشق.

كتاب "لماذا أخفقت النهضة العربية؟ حوارية مع د. محمد الوقيدي عن دار الفكر بيروت 2002.

كتاب "الإنسان والقرآن وجها لوجه" قراءة في تفاسير القرآن.

أسس في عام مجلة 15 – 21، منبر الفكر الإسلامي التقدمي.



وصلات

×