Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

بعد ثلاث سنوات ونيف


ثورات الربيع: كيف تحوَّلت وإلى أين تسير؟


بقلم سعد محيو - بيروت


لا زالت الأولوية القصوى في المجتمعات العربية للشأن الاقتصادي - الإجتماعي. في الصورة: شبان عاطلون عن العمل من خريجي التعليم العالي في تظاهرة نظمت في تونس عام 2011 للمطالبة بالتشغيل. (Keystone)

لا زالت الأولوية القصوى في المجتمعات العربية للشأن الاقتصادي - الإجتماعي. في الصورة: شبان عاطلون عن العمل من خريجي التعليم العالي في تظاهرة نظمت في تونس عام 2011 للمطالبة بالتشغيل.

(Keystone)

ثلاثُ سنوات عجاف مرّت الآن على موجة ثورات الربيع العربي، من دون أن تتوضّح تماماً بعدُ طبيعة هذه الثورات أو ديناميكياتها، وبالتالي، مآلها. بالطبع، دوافع هذه الإنتفاضات معروفة، وقد تحدثت عنها بإسهاب، التقارير المتلاحقة عن التنمية البشرية العربية التي أصدرتها الأمم المتحدة ولخصتها في: عجوزات المعرفة والحرية واللامساواة بين الرجل والمرأة، هذا بالطبع إضافة إلى وصول التحديث الإقتصادي - الإجتماعي والسياسي (ومعه مسألة الهوية) في كل الدول العربية تقريباً إلى طريق مسدود، وغياب مفهوم الأمن الإنساني بفعل سيطرة الدولة الأمنية (المخابرات والجيش) على مقدرات الأمور.

ويمكن تلخيص هذه العوامل في ثلاث: مسألة الهوية والصراع الإجتماعي (الطبقي) والعلاقة مع ظاهرة العولمة، بصفتها أحد المحدّدات الكبرى الجديدة، ليس فقط للإقتصاد والسياسة، بل أيضاً للثقافة والفِكر في كل دول العالم.

كل هذه العوامل مجتمعة كانت حاضِرة خلال اندلاع الثورات، لكن الطريقة التي تفاعلت بها هذه العوامل في الشارع المنتفِض، كانت غامِضة إلى حدٍّ كبير ومتناقِضة (تبعاً لتناقُض القِوى الإجتماعية التي تحملها) إلى حدٍّ أكبر.

فالقوى الإسلامية مثلاً، اعتبرت أن هذه الثورات هي في الواقع انتفاضة الهوية على ما اعتبرته تهميشاً للأيديولوجية الإسلامية، ليس فقط مع الدولة الحديثة العربية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، بل أيضاً منذ انهيار الخلافة العثمانية عام 1924. وجاءت المكاسب الإنتخابية الكاسِحة التي حققتها هذه القوى في مصر وتونس، ولكن أيضاً في المغرب، لتؤكِّد لها صحّة تحليلها ولتركِّز كل جهودها بالتالي، على بناء دولة إسلامية بأقصى سرعة مُمكنة، مستفيدة من الدّعم الأمريكي لها.

بيْـد أن سَنة واحدة من تجربة سلطة الإخوان في مصر، سُرعان ما أثبتت خطل هذا التحليل. فقد تجاهلت كثرة واسعة من فئات المجتمع المصري جهود الإخوان لـ "أسلمة" الدولة والمجتمع، تطبيقاً لشعار "الإسلام هو الحل" ونزلت بكثافة إلى الشوارع في 30 يونيو 2013، ليس لإعلان رفض الهوية، بل للتشديد على أولوية الشأن الإجتماعي أو بالأحرى "صراع الطبقات على ما عداه".

الأمر نفسه تكرّر مع القوى العِلمانية والقومية والوطنية (وإن بشكل أقل حدّة بسبب ضعفها، من جهة، ولأنها ليست في السلطة، من جهة أخرى)، والتي أعطت الأولوية للحرية والديمقراطية، أي عملياً، للهوية السياسية، فإذا بها تُـفاجَأ بأن غالبية المجتمع تنحاز عَملياً إلى ما هو ضدّ هذه الأخيرة، أي لصالح سلطة الدولة العميقة التي نشبت ثورة 25 يناير 2011 أصلاً ضدّها، على اعتبار أنها قد تحقِّق ما قفزت عليه دولة الإخوان: الأمن والخبز. وقد اتخذ هذا التطوّر شكلاً ضبابياً من الوطنية المصرية المتطرِّفة، المُتمحوِرة حول الدولة (أياً يكُن شكلها).

في تونس، كادت التطوّرات تصِل إلى الحصيلة نفسها، لولا أن تدارك حزب النهضة الأمر وسارع إلى استيعاب الإنتفاضات الشعبية المطلبية المُحتملة، من خلال تقديم تنازلات سريعة في الدستور وفي العلاقة مع الأحزاب العِلمانية على حساب الهوية والأيديولوجيا.

طلاب وناشطون يتظاهرون في الرباط للمطالبة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية

تظاهر في الرباط بعد ظهر يوم الأحد 24 مارس 2014، حوالى ألف شخص من طلاّب وخرِّيجين عاطلين عن العمل وناشطين في حركة سياسية نشأت في غُـمرة الربيع العربي، للمطالبة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية، كما أفاد مصور لوكالة فرانس برس.

وتجمع المتظاهرون أمام البرلمان للمطالبة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية، وكذلك أيضا لإحياء ذكرى القمع الدموي لتظاهرة طلاّبية جرت في 23 مارس 1965، وجرت تظاهرتهم بهدوء.

وجرت التظاهرة في ظل انتشار غير ظاهر لعناصر الشرطة ولم يسجل خلالها أي حادث، وقد أطلق المشاركون فيها شعارات تندِّد بالموازنة الضئيلة المخصّصة للتعليم وتطالب بتعميم المِنح الدراسية.

ومن بين المتظاهرين، أعضاء في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (مستقلة)، التي تعتبر من أبرز منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في المملكة والتي اتّهمت هذا الأسبوع السلطات بشن حملة "قمع" ضدها. وشارك في التظاهرة أيضا خرِّيجون عاطلون عن العمل، وهؤلاء يتظاهرون منذ سنوات في شوارع الرباط للمطالبة بتوظيفهم في القطاع العام.

كذلك شاركت في التظاهرة حركة 20 فبراير، التي ولِـدت في غُـمرة الربيع العربي ونفّذت تحركات احتجاجية عديدة للمطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية جِذرية، قبل أن تنضب تحركاتها خلال هذا العام. وكانت هذه الحركة قادت تحركات احتجاجية في 2011 دفعت بالسلطات إلى وضع دستور جديد للبلاد أقر بأغلبية ساحقة في استفتاء عام.

(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب. بتاريخ 24 مارس 2014)

جلاء الغموض

الآن، وقد اتَّضح أن الأولوية القصوى في المجتمعات العربية هي للشأن الإقتصادي - الإجتماعي، فإن العديد من قسمات الغموض التي أحاطت بهذه الثورات، قد تنجلي. ولن يكون من العسير بعد الآن استطلاع ما قد تؤول إليه التطوّرات، على الأقل في بلدان الربيع العربي (تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا).

صحيح أن شعارات الديمقراطية والحريات لن تختفي، وصحيح أن قِوى الإسلام السياسي ستُعيد في نهاية المطاف، وبعد أن تفيق من صدمة الخروج من جنة الحُكم إلى جحيم السجون مجدّداً، النظر في أسباب تناقض أولوياتها مع الأولويات الشعبية، كما حدث لإسلاميي أردوغان بعد سقوط تجربة أستاذهم أربكان عام 1997، إلا أن هذا لن ينفي الحقيقة بأن الدولة الأمنية عادت بقوة إلى الساحة بدعم شعبي واضح. فهل سيعني هذا "نهاية التاريخ" بالنسبة إلى أولوية الصراع الإجتماعي؟

الدولة الأمنية، خاصة في مصر، ستنشط من الآن فصاعداً لتثبيت أقدام شرعيتها على محاور ثلاث: الحرب ضد "الإرهاب" والضرب على وتر الوطنية المصرية وانتهاج سياسة خارجية نشطة لتغذية هذه الوطنية، خصوصاً في منطقة منابع النيل وسيناء، وربما أيضاً في المجابهة الشكلية مع الولايات المتحدة، وطرح مشاريع اقتصادية كبرى، كبناء مليون شقة سكنية وتطوير قناة السويس.

نظام حسني مبارك أفاد أيّما إفادة من المِحور الأول، حين حظِي بشرعية قِتاله ضد الإرهاب الأصولي طيلة عقد كامل من التسعينيات. والأرجح، أن النظام الجديد برئاسة المشير السيسي سيُراهن على الأمر نفسه، خاصة وأن الأمن باتت له الأولوية لدى قطاعات واسعة من المصريين.

بيْد أن مسألة الأمن والإرهاب، وعلى رغم أنها ستمنح النظام الجديد فرصة كبيرة لالتقاط الأنفاس، ستكون في الواقع أشبَه بمعالجة مرض السرطان بالأسبيرين. هذا ناهيك عن أنها مؤقّتة. فسكان مصر، الذين تجاوز تعدادهم الـ 86 مليون نسمة، نِصْفهم تحت خطّ الفقر وثلاثة أرباعهم تحت سِن الخامسة والثلاثين، يحتاجون إلى ثورة إنتاجية حقيقية وشاملة، قادرة وحدها على "توفير فرص العمل والتعليم والمسكن والغذاء والعلاج"، وهي أمور وعَـد بها المشير السيسي المصريين في خطاب الترشيح للرئاسة يوم 16 مارس 2014.

بيْد أن اللايقين، يُهيمن على قدرة السيسي على تنفيذ هذه القفزة الإنتاجية لسبييْن رئيسييْن: وجود طبقة كومبرادورية (أي مرتبطة بالشركات والإقتصاديات الأجنبية) قوية وظاهرة العولمة التي ترتبط بها هذه الطبقة.

بالنسبة إلى السبب الأول، معروف أن الطبقة المُهينة حالياً على مصر، هي طبقة رجال الأعمال الجدد الكومبرادوريين الذين برزوا في عهديْ السادات - مبارك، والتي تضم أيضاً كِبار رجال بيروقراطية الدولة وأجهزة الأمن والجيش. وكل هذه القوى ستقاوِم بشراسة إعادة بناء الدولة على أسُس جديدة وحديثة وإنتاجية، ناهيك عن معارضتها البديهية لأيّ فكرة حول العدالة الإجتماعية وإعادة توزيع الدخل وتوجيه الدولة للإقتصاد والإستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية والإستراتيجية.

لقد أشار السيسي في خطاب الترشيح إلى "ضرورة إعادة بناء جهاز الدولة، الذي يعاني من الترهل، بحيث يتحدّث بلغة واحدة ويصبح وحدة واحدة"، (وهذه إشارة إلى صراع "إقطاعيات" القضاء والشرطة ودوائر الإقتصاد)". لكن، هل هذا ممكن من دون مُجابهة ما يسميه المفكر العربي سمير أمين "الكتلة الرِّجعية بقيادة البورجوازية الكومبرادورية"؟

أمين يُعرّف هذه الكتلة على النحو التالي: "إنها (أي الكتلة) برزت خلال الأربعين سنة الماضية من خلال صعود البورجوازية الغنية، التي كانت المستفيد الوحيد من اللامساواة الفضائحية، التي ترافقت مع النموذج الليبرالي المُعولَم، وهي تضم بِضع عشرات الآلاف، ليس من "منظمي المشاريع المبتكرين"، كما يسمِّيهم البنك الدولي، بل من أصحاب الملايين والمليارات، الذين يعود الفضل في ثرواتهم إلى التواطُـؤ مع جهاز الدولة ضِمن منظومة الفساد. هذه البورجوازية الكومبرادورية (التي يسمِّيها المصريون طبقة الطُّفيْليين الفاسدين)، تنشط بحماسة لضمِّ مصر إلى النظام الإمبريالي المُتعوْلم، من دون شروط، وهي تشمل في صفوفها العديد من جنرالات الجيش والشرطة و"مدنيين" لهم روابط بالدولة وشخصيات دينية والشيوخ البارزين في الأزهر".

في الوقت نفسه، يقول عبد الحكيم عبد الناصر، نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إنه رغم دعْمه ترشيح السيسي للرئاسة، إلا أنه يخشى أن تبتلع هذه الطبقة الكومبرادورية، والتي قال إنها "تسيطر عملياً على الإعلام والإقتصاد في مصر"، الجُهود الإصلاحية التي قد يقوم بها السيسي.

جدار العولمة

لكن، حتى لو نجح الرئيس المصري الجديد في تجاوُز بعض العقبات الكأداء التي تضعها هذه الطبقة في وجه التنمية الإنتاجية في مصر، إلا أنه سيصطدم في النهاية بجِدار السبب الثاني، الذي أشرنا إليه، وهو نظام العولمة.

فهذا النظام، الذي استند منذ أربعة عقود إلى النظريات الليبرالية الجديدة (أو ما يسميه اليساريون "الرأسمالية المتوحِّشة")، سيفرض على السيسي أن يضع إصلاحاته أيضاً في الإطار النيو – ليبرالي، وهذا يشمل رفع الدّعم عن مشتقّات الوقود والغذاء، وإصلاح الخلل في ميزانية الدولة ومكافحة التضخم ومواصلة مشاريع الخصخصة، وكل ذلك سيفرض تدابير تقشُّفية قاسِية على شعب يُعاني أصلاً من أزمات معيشية خانِقة. هذا، علاوة على أن إسرائيل، التي تتمتّع بنفوذ خاص وبارز في نظام العولمة، كانت ولا تزال ترفُض إقامة أي مشاريع إنتاجية في مصر، لأن ذلك سيشكِّل، كما سبق لديفيد بن غوريون أن قال، "خطراً على موقع الدولة العبرية وأمنها القومي في الشرق الأوسط".

الحل الوحيد الذي يبدو مُمكناً لتحقيق التنمية الذاتية في مصر، هو ما أسماه خبير اقتصادي يساري "العمل على الإنفكاك أو الخروج من النظام العالمي". بيْد أن هذا بالطبع يتطلّب قماشات سياسية غير متوافِرة حتى الآن، لا في المنطقة العربية ولا في بقية مناطق الجنوب في العالم، وبالتالي، سيجد النظام المصري الجديد، وفي الواقع أي نظام عربي آخر في منظومات الربيع العربي، نفسه متنازعاً بين عوْلمة مدمّرة تفرض ذاتها بالقوة العارية، وبين تنمية اجتماعية - إنسانية حقيقية مستحيلة.

وبين الواقع والإستحالة، ستكون الثورات الشعبية المتجدِّدة والمُتتالية في مصر وبقية المنطقة العربية، هي - على الأرجح - الحاضِر والمستقبَل الوحيديْن لشعوب المنطقة.

 

إن عوامل الهوية والصراع الاجتماعي والعولمة ستواصل التفاعل العنيف في المنطقة، جنباً إلى جنب مع ظواهر التطرّف الأصولي والتفكك الاجتماعي والطائفي - الإثني، والحروب الأهلية في المجتمعات العربية التعدّدية، لكن سيْف الحسْم في نهاية المطاف، سيكون لصالح الصراع الطبَقي بين كثرة الفقراء الكاسحة، التي تقودها الآن "الطُّفرة الشبابية" الكبرى، وبين الواحد في المائة من الأغنياء المُنتمين إلى بيروقراطية العولمة.

هذا الوضع يذكِّر - حسب مؤرخين ومراقبين - بالمناخات الشعبية التي سبقت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 ومهّدت لها، قبل أن تتسلّم قيادتها البورجوازية الفرنسية. هذا بالطبع مع الفارق الكبير، أن هذه الأخيرة كانت ثورية مناقِضة للإقطاع، فيما البورجوازيات العربية رِجعية مُستسلِمة بالكامل لبيروقراطية العوْلمة ومراكِزها وشركاتها وجيوشها.

swissinfo.ch



وصلات

×