Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

بعد رفض صفقة "غريبن"


سويسرا مُحتارة في تحديد معالم جيشها المستقبلي


بقلم مارك - أندري ميزري


في الثامن عشر من مايو 2014، رفض الناخبون السويسريون صفقة شراء مقاتلات جديدة من طراز "غريبن" لفائدة سلاح الجو. (AFP)

في الثامن عشر من مايو 2014، رفض الناخبون السويسريون صفقة شراء مقاتلات جديدة من طراز "غريبن" لفائدة سلاح الجو.

(AFP)

يطرح الرفض التاريخي لشراء الطائرات الحربية من طراز "غريبن" في التصويت الشعبي الذي أجرى يوم 18 مايو 2014، التساؤل حول طبيعة الدور الذي يتعيّن على الجيش بصفة عامة وسلاح الجو بالخصوص، القيام به في المستقبل. ولا يتعلق الأمر بمعرفة هل يُريد السويسريون جيشا أم لا، بل بخصوصية الدور الذي يجب عليه القيام به.

"لم يكن الأمر بمثابة تصويت حول مستقبل الجيش، لأنه لو كان كذلك، لما استطعنا كسب المعركة"، مثلما يقول جو لانغ، النائب البرلماني السابق عن حزب الخضر والعضو المؤسس لمجموعة "من أجل سويسرا بدون جيش"، الذي أضاف "بل هو تصويت ضد شراء طائرات مقاتلة جديدة، وتصويت ضد الزيادة في حجم النفقات العسكرية. كما أرى فيه أيضا رفضا للغطرسة العسكرية، التي أعادت إلى الأذهان ذكريات الماضي، حينما كان الجيش بمثابة البقرة المقدسة".

في المعسكر المضاد، يرى أيضا دونيس فروادفو، رئيس الجمعية السويسرية للضباط، بأن تصويت 18 مايو لم يكن ضد الجيش، إذ قال "إن أنصار التيار المسالم وأنصار التيار المناهض للجيش، لا يتجاوزون 30 او 35% من مجموع الناخبين، لكن ما تم في هذه المرة، هو أن النسبة بلغت 53%، وهذا معناه أن الفارق لا يتعلق بناخبين معادين للجيش، بل صوّتوا كذلك إما لرفض شراء الطائرات او لمعارضة وزير الدفاع اولي ماورر او ضد حزب الشعب (اليميني الشعبوي) أو أنهم كانوا في حيرة ولم يعودوا واثقين من التوجه الذي يجب اتباعه في مجال السياسة الأمنية في هذا البلد".

في انتظار المخطط البديل

بإمكان سويسرا أن تشتري في المستقبل حتى حدود 44 طائرة مقاتلة جديدة، مثلما يقترح ممثل حزب الشعب السويسري في مجلس الشيوخ، ورئيس لجنة القضايا الأمنية بالبرلمان السويسري أليكس كوبريخت، إذ سيكلف استبدال طائرات F/A18 وطائرات تايغر ما بين 6 و8 مليار فرنك سويسري.

وكان وزير الدفاع أولي ماورر قد ردد قبل التصويت، بانه  "لا يوجد مخطط بديل". فسلاح الجول السويسري يملك في الوقت الحالي 86 طائرة مقاتلة – 32 من طراز F/A 18 التي يمكن تشغيلها حتى عام 2030 على الاقل، و54 طائرة من طراز F-5 تايغر. لكن النقاش الدائر بخصوص استبدال طائرات F/A 18 من المفروض أن يتم الشروع فيه قريبا، مثلما اشار الى ذلك وزير الدفاع أولي ماورر. وكانت صفقة شراء 22 طائرة من طراز "غريبن" التي فشلت في تصويت يوم الأحد 18 مايو، تهدف لاستبدال  طائرات تايغر التي من المفروض أن يتم سحبها من الاستعمال قريبا.

ونظرا لعدم التمكن من استبدال طائرات تايغر بطائرات غريبن، يرى اليكس كوبريخت بأن سويسرا سوف لن تُقدم على استبدال طائرات F/A 18 بنفس العدد الموجود، بل قد تشتري 44 طائرة مقاتلة جديدة، مثلما صرح للإذاعة العمومية السويسرية الناطقة بالألمانية. وقد كان الحزب الليبرالي الراديكالي، عقب تصويت يوم الأحد 18 مايو 2014، الحزب الوحيد الذي ابدى استعدادا لإعادة فتح ملف شراء طائرات مقاتلة.

ومن جهتها، أكدت شركة داسو الفرنسية أن عرضها المتعلق ببيع طائرات "رافال" الذي تقدمت به لسويسرا، "لم يعد صالحا" ولكن يمكن تجديده. ويكفي لذلك أن يتم التقدم بالطلب من جديد.

(المصدر: وكالة الأنباء السويسرية SDA-ATS)  

الجيش في مرحلة إصلاح

في سويسرا، يتم بشكل دوري إعداد تقارير عن السياسة الأمنية، وتُـنشر كل اربعة أعوام، بدل عشرة كما كان من قبل. ومن المتوقع نشر التقرير القادم في شهر سبتمبر المقبل. لكن الجمعية السويسرية للضباط تخشى أن يكون مجرد "نسخة من التقرير السابق الصادر في عام 2010"، إذ يقول دونيس فروادفو "لقد أصبح من الصعب جدا تقديم أدلة على ضرورة الاحتفاظ بجيش قادر على تنفيذ المهام الثلاثة الأساسية، التي هي القتال والحماية والمساعدة، حيث لم يعد هناك إجماع سياسي من الأساس، لأن هناك قسما من الناخبين يرغب في إلغاء الجيش، وقسم آخر يرغب في أن تضل لديه القدرة على القتال".

وليست عمليات إصلاح الجيش هي التي تنقص طوال السنوات الأخيرة، مثلما يُذكر بذلك هانس – أولريخ إيرنست، الذي كان يشغل منصب الأمين العام لوزارة الدفاع الفدرالية ما بين عامي 1979 و 1996، ولكن هذه الإصلاحات إما أن صياغتها كانت قبل انهيار جدرا برلين أو أنها "أُدخلت عليها تعديلات من قبل البرلمان"، دون أن ننسى تلك الإصلاحات التي "لم تعرف التطبيق الفعلي". والنتيجة هي أن "الإصلاحات لم تتم بالفعل ولم يتم تصحيح نقاط الضعف الحالية لدى الجيش السويسري".

ويرى هانس - أولريخ إيرنست، أن نقطة الضعف الرئيسية تكمن في حجم الجيش. "ليس في عدد الجنود، بل في كوننا نملك الكثير من الجنود المحترفين والقليل من الجنود الاحتياطيين. فنحن نملك في الواقع نوعين من الجيش: مدارس التجنيد التي بها مجندون في طور التدريب،  وجنود مدربون. فالجندي الذي يقضي 260 يوم تجنيد، يقضي أكثر من نصف تلك الفترة في مدارس التدريب . وهذا نظام غير صالح تنفرد به سويسرا، لأن المعايير الدولية تقتصر على ثمانية اسابيع تدريب اساسي".

وحتى جو لانغ يرى أن حجم الجيش السويسري كبير و أنه "حجم اصطناعي يتم التمسك به لأسباب أيديولوجية". ويرى المناصر للتيار السلمي أن "المشكلة الرئيسية بالنسبة للجيش، تكمن في عدم قدرته على تبرير استمراره في الإحتفاظ بهذا الحجم، بدوافع وتبريرات السياسة الأمنية. فهذه السياسة الأمنية تنص على ضرورة تواجد 20 الف جندي لمهام الدفاع، في الوقت الذي يتواجد فيه 100الف جندي. والسبب الوحيد في الإحتفاظ بحجم 100 الف جندي، هو فقط للإحتفاظ بضرورة أداء الخدمة العسكرية الإجبارية".

الإحتماء بحلف شمال الأطلسي.. لم لا؟

يبدو أن تقليد الإحتفاظ بالخدمة العسكرية الإجبارية، هو تقليد يتمسك به السويسريون بشدة، بحيث أنهم رفضوا في تصويت 22 سبتمبر 2013 بنسبة ثلاثة أرباع الأصوات، مبادرة مجموعة سويسرا بدون جيش، التي كانت ترغب في إلغاء التجنيد الإجباري. وفي انتظار احتمال أن يُعاد طرح الموضوع من جديد على الطاولة، هناك موضوع شراء الطائرات الحربية الذي سيعود للنقاش قريبا، مع إحالة الطائرات الحربية من طراز تايغر F-5 على التقاعد.

وكان الحادث الذي وقع مؤخرا عند اختطاف طائرة مدنية أثيوبية وتحويلها الى جنيف، قد ذكّر السويسريين بأن قواتهم الجوية كانت تُوكل في بعض الأوقات مهامها الى الجيران الفرنسيين والإيطاليين والألمان. عندها يطرح سؤال نفسه، لماذا لا تضع سويسرا الصغيرة نفسها تحت حماية مضلة حلف شمال الأطلسي؟

هذا ما يعترض عليه دوني فروادفو بقوله "لكن سويسرا اختارت الحياد، وبالتالي لا يمكن الإنضمام الى مجموعة مثل حلف شمال الأطلسي بدون التخلي عن الحياد. وهل بالإمكان تصور حظوظ تمرير مشروع انضمام الى حلف شمال الأطلسي أمام تصويت شعبي ... سيكون في مستوى الصفر بدون شك".  

هانس – أولريش إيرنست يرى من جهته أن السؤال لا يجب طرحه من زاوية الإنضمام "لأنه سواء كانت سويسرا عضوا في حلف شمال الأطلسي أم لا، فلا أحد بإمكانه مهاجمتها جوا أو برا بدون الدخول في صراع مع حلف شمال الأطلسي". ويضيف الأمين العام السابق لوزارة الدفاع الفدرالية "نحن في هذه الحالة كمن صعد في القطار بدون أن يدفع التذكرة".

خلال ساعات العمل

من ناحيته، أبدى كريستوف كيكايس، الرئيس السابق للجيش في الفترة ما بين 2004 و2007، قلقا من الطريقة التي عالجت بها وسائل الإعلام عملية اختطاف الطائرة المدنية الإثيوبية نحو جنيف، إذ يرى أن "الكل لم يحتفظ إلا بكون قواتنا الجوية تشتغل فقط أثناء أوقات الدوام المَكتبي. ولكن كان بالإمكان التشديد  على أن الاتفاقات التي أبرمناها مع الدول المجاورة، كانت تُطبَّق بدون مشاكل وان كلا منا قام بدوره. وهذا لم تتم الإشارة إليه ولا مرة".

ويرى هذا الرجل الذي أمضى كل حياته المهنية في سلاح الجو السويسري، بنوع من الإقتناع، أنه من أجل "تمرير مشروع شراء طائرات جديدة"، يجب كسب المعركة الإعلامية، لأن الكثير من الناس يجهلون كلية المهام التي توجد من أجلها القوات الجوية السويسرية. إذ يشرح بأن "المجال الجوي السويسري تعبره يوميا حوالي 3500 طائرة مدنية. وعندما ندرك بأن بعضا من هؤلاء لا يحترمون قوانين الملاحة، فهذا يعني أنه يجب التدخل".

وهذا ما يتم على سبيل المثال، عندما لا ترد طائرة على مكالمات المراقبة الجوية او عندما ينقصها مخطط ملاحة او عندما يتعرض نظام اتصالاتها بالراديو لعطل ما. عندها يتطلب الأمر من سلاح الجو السويسري تحديد هوية الطائرة وإرغامها إما على تحويل مسارها أو على الهبوط. ويشير كريستوف كيكايس إلى أن "هناك حالة تدخل على الأقل في اليوم".

سيدة اشتراكية على رأس وزارة الدفاع؟

يرى رئيس الجيش السابق ايضا بأن التصويت  ضد شراء طائرات "غريبن" يمكن أن نجد له تفسيرا بأمر لا علاقة له مع السياسة الدفاعية. فهو لكونه قد شارك في عدة تجمعات قبل تصويت 18 مايو، تكوَّن لديه إحساس قوي بأن الناخبين كانوا يرغبون في توبيخ حزب الشعب السويسري على نتيجة تصويت 9 فبراير، التي تم فيها قبول مبادرة الحزب الرامية إلى تحديد الهجرة المكثفة، إذ يقول "لقد تولد لدى الناس إحساس بأنه تم  تفخيخهم من قبل حزب الشعب السويسري وتولّدت لديهم رغبة حقيقة في الأخذ بالثأر".

أما دونيس فروادفو، رئيس الجمعية السويسرية للضباط، فيتساءل عما إذا كان في مقدور وزير من حزب آخر، تحقيق نتائج أفضل من أولي ماورر في الدفاع عن صفقة شراء طائرات "غريبن". ويجيب على تساؤله بقوله "لست متأكدا من ذلك. ولكن على وزارة الدفاع أن تمر إلى أيدي وزير من حزب آخر غير حزب الشعب السويسري. فقد بقيت السياسة الدفاعية لفترة طويلة متأثرة كلية بنظرة حزب الشعب (التحرير: 3 وزراء خلال الـ 19 عاما الماضية)، وهذا ما علينا ان نتساءل بشأنه... لأنه يمثل مشكلة حقيقية. ما الذي سيحدث لو أشرفت سيدة اشتراكية على وزارة الدفاع؟ هل سيكون في ذلك  الخلاص، أم الإنتحار؟ هذا ما لا أملك الإجابة عنه"، على حد قوله.  


(نقله من الفرنسية وعالجه: محمد شريف), swissinfo.ch



وصلات

×