Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

بعد رفض فكرة صندوق عمومي للتأمين الصحي


المعركة الإنتخابية حُسمت لكن تأثير جماعات الضغط سيتواصل


بقلم صونيا فيناتزي


 انظر لغة أخرى 1  لغة أخرى 1

أثارت المناقشات التي سبقت التصويت يوم الأحد الماضي 28 سبتمبر على المبادرة الشعبية "من أجل صندوق عمومي للتأمين الصحّي" الجدل من جديد حول دور جماعات الضغط في مجال السياسة الصحية في سويسرا. فوجود أعداد كبيرة من أصحاب المصالح في أروقة البرلمان الفدرالي يشير إلى التأثير البالغ لهذه المجموعات على القرارات التي تتخذها السلطات التشريعية.

في هذا الصدد، يقول كلود لونشان، مدير معهد Gfs لسبر الآراء في برن: "تمثل الضغوط التي تمارسها هذه الجماعات جزءً لا يتجزّأ من العملية التشريعية في سويسرا، وهي حاضرة في جميع القطاعات. ولكن هي أقوى ما تكون في مجال السياسات الصحية. والجميع، من مرضى، وأطباء، ومستشفيات، وكانتونات، وشركات صناعة الأدوية، وشركات التأمين، كلها تمارس ضغوطا على البرلمان للدفاع عن مصالحها المتعارضة".

ويُلفت هذا المحلّل السياسي، الذي يُلقي محاضرات كذلك في جامعات بازل وزيورخ وسانت – غالن إلى أن "قيمة السوق السويسرية للرعاية الصحية تفوق 60 مليار فرنك في السنة، نصف هذا المبلغ يتأثّر بالقرارات التي تتخذها السلطات السياسية. ومع هذا التأثير الكبير للدولة على طريقة توزيع الموارد المالية، فمن المنطقي أن تكون هناك ضغوط شديدة على أصحاب القرار".

ويضيف كلود لونشان، أنه - بالمقارنة مع قطاعات أخرى - فإن "تغلغل جماعات الضغط، في مجال الصحة، هو أعمق وأكثر توازنا بين جميع الأطراف المعنية، على مستوى البرلمان، مقارنة بقطاعات أخرى".

 حضور كبير على مستوى اللجان

هذا الرأي تتفق معه أيضا سارة بوتيكوفر، الباحثة في معهد العلوم السياسية بجامعة زيورخ، حيث تشدّد على أن هذا التسلّل يظهر بوضوح على مستوى تركيبة لجنتيْ الضمان الإجتماعي والصحة العمومية (CSSS) سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، حيث تُصاغ المقترحات التي تطرح للنقاش في الجلسات العامة لغرفتي البرلمان الفدرالي.

وتوضّح هذه الباحثة، التي أنجزت أطروحة دكتوراه حول البرلمان السويسري، فتقول: "في لجنتيْ الضمان الإجتماعي والصحة العمومية، يحتفظ 21 عضوا (من جملة 25 على مستوى مجلس النواب) و10 أعضاء (من جملة 13 على مستوى مجلس الشيوخ) بعلاقة مباشرة مع الشركات أو المنظمات العاملة في المجال الصحي".

فاللجان، وبالطبع أعضاؤها، يلعبون دورا رئيسيا في تحديد وتوجيه القرارات البرلمانية. ولهذا السبب يثير الحضور القوي على مستوى اللجنتيْن لأعضاء أو حتى لرؤساء مجالس إدارة بعض الشركات أو المنظمات العاملة في مجال الصحة، جدلا لتأثيره الكبير على قرارات البرلمان.

استقلالية مشكوك فيها

يُتّهم أعضاء مجلسي النواب والشيوخ المرتبطون بهذه الجماعات باستمرار بحصولهم على أموال للقيام بهذه المهمّة، لكن الموقع الإلكتروني للبرلمان السويسري يحذّر من أن جماعات الضغط هذه لا يجب أن تكون جزءً من غرفتيْ البرلمان، ولا يحق لها المشاركة في المناقشات.

في المقابل، يرد المعنيون بالأمر وبشكل منتظم أيضا برفض تلك الإتهامات، ويقولون إنهم مثلهم مثل بقية النواب، أي أنهم برلمانيو نخبة، يقومون إلى جانب مهمّتهم السياسية (التي تعتبر دواما جزئيا)، بأنشطة مهنية، وتكليفات أخرى (إقتصادية، واجتماعية، غيرها،...). ويؤكّدون أنهم يتخذون قراراتهم باستقلالية تامة، استنادا إلى قناعاتهم، وأنها لا تخضع بالمرة إلى إملاءات شركات أو منظمات مقابل أموال يحصلون عليها.

وتعلّق سارة بوتيكوفر قائلة: "سيكون من المثير للإهتمام القيام بتحليل مفصّل لعمل اللّجان، أي جميع المقترحات التي تم التقدّم بها، لمعرفة من هو مقدّمها، وفي أي سياق تم تقديمها، والكشف عن مواقف كل عضو من أعضاء اللجان" منها عند التصويت عليها.

لكن الواقع يشير إلى أن النقاش خلال الجلسات العامة هو الذي يتسم بالعلنية فحسب، أما أعمال اللجان فتظل سرية. ومع أنه يحق للباحثين مراجعة تقارير الجلسات، إلا أنه لا يجوز لهم نشر تفاصيل المناقشات في العلن. أما ما يحصل عليه البرلمانيون من مكافآت نتيجة مهامهم في الشركات والمؤسسات، فتطغى عليه السرية الكاملة.

في شهر يونيو 2014، رفض النواب المنتمون إلى أحزاب اليمين والوسط مجرّد الإستماع لمقترح يدعو إلى ضرورة الزام أعضاء البرلمان بتوضيح ما إذا كانت الأنشطة التي يزاولونها إلى جانب مهمّتهم التشريعية مأجورة أم لا؟ (دون الوصول إلى مطالبتهم بالكشف عن المبلغ الذي يحصلون عليه بالضبط).

وقد خذل كل نواب الحزب الليبرالي الراديكالي (يمين) زميلتهم إيزابيل مورات، صاحبة المبادرة، حيث لم يصوت أحد لفائدتها، لكنها حصلت في المقابل على دعم نواب حزب الخضر الليبراليين، وحزب الخضر السويسري، والإشتراكيين، وجميعهم لا يشكلون الأغلبية داخل البرلمان، وبالنتيجة سقط المقترح.

غياب تام للشفافية

تبعا لذلك، ترى سارة بوتيكوفر أن هذا النقص في الشفافية يطرح مشكلة. لأننا "لا نعرف - اليوم - كل علاقات التبعية التي تربط بين أعضاء البرلمان ومجموعات الضغط المختلفة. والنائب البرلماني المثالي لا ينبغي أن يتسّلم راتبا أو مكافأة من شركة أو منظمة هدفها التأثير على قرارات البرلمان"، بحسب قولها.

وتلاحظ بوتيكوفر أن مسألة الشفافية تطرح بقوة خاصة عندما يتعلّق الأمر بطبيعة العلاقة بين النواب وجماعات الضغط في قطاع الصحة، لأن تلك الروابط هي أقوى منها في أيّ قطاع آخر. وبشكل عام، تُعدّ جماعات ضغط شركات صناعة الأدوية وشركات التأمين الأكثر حضورا وتأثيرا مقارنة بغيرها.

وتوضّح سارة بوتيكوفر ذلك بقولها: "لدى هذه الأطراف العديد من جماعات الضغط المعتمدة، وحضورها داخل مبنى البرلمان مهمّ جدا لنسج علاقات مباشرة مع النواب، وللحفاظ عليها. ويتعيّن على على كلّ من يريد أن يكون له تأثير أن تكون لديه شبكة من الإتصالات، ولكي يتسنى له ذلك، عليه العمل باستمرار لتحقيق مسعاه".

في المقابل، يرى كلود لونشان، أن "هناك توازنا ما بين مختلف جماعات الضغط الناشطة في قطاع الصحة، لأن جميعها ممثلة تمثيلا جيدا في البرلمان"، أما المعضلة فتتمثل في أن هذا التوازن من شأنه "إعاقة السياسة الصحية، لأنه مع هذا التوازن بين مجموعات المصالح المختلفة، يصبح من الصعب التوصّل إلى توافق، وإدخال إصلاحات".
ثم إذا تمكنت مجموعة معينة من فرض تصوّراتها تحت سقف البرلمان، فقد تواجه لاحقا آلية الديمقراطية المباشرة (أي سلاح الإستفتاء الشعبي)، لأنه من المرجح جدا أن يلتجئ المعارضون إلى إطلاق مبادرة تُعرض على التصويت الشعبي. وفي السنوات الأخيرة، أبدى الناخبون رفضا مستمرا لأي تغيير.

من المحتمل أن يستمرّ الكفاح خلال الأشهر القادمة من أجل الحدّ من تأثير جماعات الضغط والمصالح على قرارات البرلمان، خاصة وأنه مدعو للنظر في العديد من الإصلاحات الهامة، فيما يتعلّق مثلا بالتعديلات المقترحة على القانون الفدرالي للمنتجات العلاجية، وهو ملف ترتبط به مصالح مالية هائلة، ويكفي أن يعلم المرء أن السوق السويسرية في مجال الدواء تبلغ قيمتها 6 مليار فرنك في السنة الواحدة.

جماعات الضغط في الظل
يحقّ لكل عضو في البرلمان السويسري أن يرشّح شخصيْن يمكنهم الدّخول إلى مبنى البرلمان بصفة ضيفين. ويمكن لهذه النوعية من الضيوف أن يكونوا ممثلين لجماعات مصالح، وبالتالي يكون متاحا لهم القيام بأنشطة لكسب نواب للدفاع عن مصالحهم تحت سقف البرلمان.

الأشخاص المعتمدُون غير ملزمين بالكشف عن طبيعة مهمّاتهم. وبالتالي هناك العديد من الأشخاص التابعين لجماعات الضغط مسجلين على قوائم مجلس النواب أو مجلس الشيوخ فقط تحت تصنيف "ضيف" أو "متعاون شخصي". لكن يُلاحظ، من جهة أخرى، تزايد عدد العاملين مع جماعات الضغط والذين لا يُخفون قيامهم بهذا الدور، دون الإعلان عن الجماعات التي كلّفتهم بلعب ذلك الدور.

حتى الآن، باءت جميع المحاولات التي بُذلت من أجل وضع قواعد واضحة في هذا المجال، وجعل الروابط أكثر شفافية بالفشل الذريع.

في المقابل، أصبح الآن بالإمكان بسهولة التعرّف على روابط المصالح التي تخص جميع أعضاء البرلمان ومدعويهم وذلك بفضل الجهد الذي قام به عدد من الصحفيين ومن العاملين في مجال المعلوماتية الذين أنشأوا LobbyWatch "منصة من أجل سياسة شفافة". وسيمكّن هذا الجهد في المستقبل من كشف روابط وعلاقات أعضاء جميع اللجان البرلمانية أيضا. وهو ما يحصل الآن جزئيا مع لجنتيْ الضمان الإجتماعي والصحة العمومية. 


(نقله إلى العربية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch

×