Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

تحديات جديدة تتطلب حلولا مبتكرة


انعدام الأمن في مناطق النزاعات يُؤرّق المنظمات الإنسانية




 انظر لغات أخرى 2  لغات أخرى 2
إحدى موظفات الامم المتحدة تصفّق بينما يقوم عمال بإنزال شحنة من المساعدات الإنسانية بدوما، الواقعة بضواحي دمشق يوم 20 مارس 2014. (Reuters)

إحدى موظفات الامم المتحدة تصفّق بينما يقوم عمال بإنزال شحنة من المساعدات الإنسانية بدوما، الواقعة بضواحي دمشق يوم 20 مارس 2014.

(Reuters)

منذ عشر سنوات تقريبا، وبالتحديد منذ 2006، أصبح العامل الأمني معطى لا يُمكن التغافل عنه خلال تقديم الإعانات الطارئة والمساعدات الضرورية إلى ضحايا الحروب والنزاعات. وقد شهدت سنة 2011 عددا كبيرا من الهجمات التي استهدفت العاملين في المجال الإنساني حيث بلغ عدد الموظفين المتضررين 308 ضحية، وفقا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة.

تعقّد الوضع الأمني في أكثر من منطقة في العالم، وازدياد منسوب العنف، وتنوع مصادر الأخطار، دفع المنظمات الإنسانية إلى إدماج هذا الهاجس ضمن دوائر التخطيط ورصد الميزانيات وأقسام الدعاية والتعريف بطبيعة أنشطتها ومبادئها. ولقد طفا هذا الموضوع على السطح من جديد بعد المصير المأساوي الذي لاقاه المواطن الأمريكي العامل في المجال الإنساني بيتر كاسيغ على يد تنظيم "داعش" بسوريا.

التحدّي الامني الانشغال الأوّل

هذا الإنشغال الأمني بات "يحظى بأهميّة كبيرة في أعمالنا"، مثلما يقول بيتر شتاودخر، مسؤول ملف الأمن بمنظمة كاريتاس – سويسرا، التي تنشط في العديد من البلدان التي تشهد حروبا ونزاعات مثل العراق وسوريا وليبيا وأوكرانيا، أو التي شهدت كوارث طبيعية كتايلاند، وهاييتي والكونغو الديمقراطية. ويضيف شتاودخر: "في هذه المناطق هناك درجة كبيرة من انعدام الأمن، ونحتاج فيها إلى أن تكون لنا خطة خاصة لتأمين مشروعاتنا وموظفينا، ويمرّ هذا عبر تخصيص ميزانية ووضع خطة للغرض".

سلامة الموظفين والمستفيدين هو أيضا الشغل الشاغل لدى مؤسسة "أرض الإنسان" التي تقدم العديد من الخدمات الإنسانية في مناطق النزاعات ولصالح اللاجئين السوريين والعراقيين في لبنان والأردن وكردستان (شمال العراق). وتشرح زيلي شاللّر، مسؤولة الإتصال بهذه المنظمة الإنسانية ذلك فتقول: "تهدف التدابير المتعلقة بالأمن التي نتبعها إلى تجنّب الأضرار المتعمّدة، والأضرار الطارئة صدفة. وليس المقصود من هذه السياسة القضاء على الخطر تماما، ولكن دراسة الوضع الميداني لكل بعثة، ووضع خطة أمنية والسهر على تنفيذها، بما يسمح والتقليل من تعرّض موظفينا للأخطار".

بدورها، اضطرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تنشط في أكثر من 80 بلدا جميعها مناطق نزاعات مسلحة لأسباب داخلية أو خارجية، مع مرور الوقت إلى التأقلم مع هذا التحدّي، وتقول ديبه فخر، الناطقة الرسمية باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالمقرّ الرئيسي في جنيف: "لو أخذنا اليوم بلدانا مثل سوريا والعراق وليبيا كأماكن للعمل نرى أن هناك مشاكل أمنية كثيرة، ولم يعد الأمر يقتصر على فئة واحدة، بل على جماعات كثيرة". لكن التدابير الأمنية وتوفير الحماية في مجال العمل الإنساني تخضع إلى معادلات محددة وتوازنات دقيقة.

اليوم، هناك الكثير من الأماكن لا نستطيع الوصول إليها لأننا لم نحصل على الإذن الضروري، ولا نستطيع أن نتصرّف من تلقاء أنفسنا
ديبه فخر، الناطقة الرسمية باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف

الحماية من دون فقدان الجدوى

إحدى هذه التوازنات تتمثل في احترام شروط السلامة من دون فقدان الفعالية والجدوى، فقد أدى تطوّر البيئة المحيطة بالعمل الإنساني إلى وضع نظريات حول كيفية توفير الأمن في هذا المجال من دون الحد من فعالية العاملين فيه أو الإنتقاص من تأثيره الميداني. وتذهب بعض التصوّرات المنشورة في العدد الثامن من مجلة  Revue des bonnes pratiques إلى أن الهرم الأمني ثلاثي الأضلع، يقوم على المقبولية التي تسعى إلى الحد من الاخطار عبر ربط علاقات طيبة تقوم على الثقة المتبادلة مع الفاعلين المحليين، وعلى عنصر الحماية، الذي يهدف إلى تجنّب أن يكون العاملون في المجال الإنساني عرضة للتهديدات المستمرة، وأيضا على عنصر الردع عند الضرورة لحماية المشروعات قيد التنفيذ.

وبالتوازي مع هذه النظرية، يرى شتاودخر، المسؤول بمنظمة كاريتاس - سويسرا أن "التخطيط الأمني السليم هو الذي يسعى إلى تحقيق وظيفتيْن: السماح بإيصال الإعانات بطريقة آمنة، وضمان الفعالية والجدوى المرجوّتيْن"، لكنه يحذّر من أن التخطيط الأمني المُسبق "لا يجب أن ترافقه رغبة دائمة في تنفيذ ما خطط له، بل لابد من القيام بتقييم ميداني مستمر للتمييز بين ما هو ضروري وما هو غير ضروري من تلك التدابير".

وتقتضي النظرة الواقعية أن "لا يتوقّع أحد أن تكون جدوى العمل الإنساني واستدامته في مناطق خطرة كالعراق وسوريا وأفغانستان على نفس الدرجة لما هو عليه الحال في مناطق أخرى لا تشهد نفس الحدّة من العنف".

وتعترف السيدة ديبه فخر بأن تحقيق هذا التوازن بين السلامة من ناحية، والفعالية من ناحية أخرى ليس بالأمر السهل، فالأوضاع اليوم كما تراها "معقّدة جدا، وللتحدّث مع جميع أطراف النزاع نحتاج في بعض الأحيان إلى وقت طويل، وإلى مفاوضات شاقة، ... ونحن نكتفي في كثير من الأحيان بالحد الأدنى من الضمانات للوصول إلى تحقيق التأثير الإيجابي والوصول إلى المحتاجين لأنهم هم سبب وجودنا". وللتأكيد على ما سبق، تضيف الناطقة بإسم اللجنة الدولية للصليب الاحمر: "اليوم، هناك الكثير من الأماكن لا نستطيع الوصول إليها لأننا لم نحصل على الإذن الضروري، ولا نستطيع أن نتصرّف من تلقاء أنفسنا".

خيار الردع أم الإنفتاح؟

قد يُؤدي بناء الجدران العازلة التي تعلوها الأسلاك الشائكة أو الحد من حركة موظفي المنظمات الإنسانية إلى تحقيق شيئ من الأمن والسلامة، لكنها إجراءات قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إيجاد هوة بين هذه المنظمات والمستفيدين من خدماتها، وتفخيخ المقبولية بها.

وبشكل عام، فإن سياسة الردع لا تكون مقبولة إلا إذا كانت تستخدم "لإنقاذ أرواح بشرية أو ضرورية لإيصال معونات عاجلة وطارئة حتى لا تحدث كارثة ما"، برأي شتاودخر. أما اللجوء إلى الحراسة المسلحة أو الإحتماء بسلاح طرف دولي ما فإنه "يجعل السكان المحليين ينظرون إلى هذه المنظمات على أنها في مركب واحد مع القوات الأجنبية المنتشرة في بلدهم، وبالتالي تتقاسم معها المسؤولية عما يحدث"، بحسب شتاودخر.

وللتأقلم مع هذا الوضع، تلتجئ بعض المنظمات الإنسانية في بعض الأحيان إلى تقليص حضورها على الساحة من خلال التخلّي عن الشارات الدالة عليها أو استخدام سيارات ذات ترقيم محلي أو سيارات أجرة لتنقلات أفرادها، لكن إجراءات كهذه أيضا قد تخلق التباسا وغموضا بشأن هوية المنظمة الإنسانية، وهو ما يؤدي بدوره إلى غياب الشفافية ويُوجد نوعا من التوجّس لدى الفاعلين المحليين.

قتلى في صفوف موظفي الامم المتحدة

يقول اتحاد موظفي الأمم المتحدة أنه قتل حوالي 61 شخصا يعملون لصالح المنظمة خلال 2014، أزيد بقليل مقارنة بعام 2013 (58)، و2012 (37).

يتكوّن ضحايا العام الماضي من 33 من قوات حفظ السلام، و16 مدنيا، و9 متعقدين، و3 مستشارين.

كانت مالي، المكان الذي شهد أكبر عدد للضحايا إذ توفي على ترابها 28 من قوات حفظ السلام، خاصة في شمال البلاد بين شهري يونيو واكتوبر.

كانت غزة، أخطر مكان لموظفي الأمم المتحدة حيث قتل منهم 11 خلال حرب الصيف الماضي مع إسرائيل. وأعتقل ايضا العشرات من أفراد الموظفين ومن ارتبط بهم من الامم المتحدة، وبعضهم اتخذ برهائن ومختطفين.

آين ريتشارد، رئيس نقابة الموظفين دعا الجمعية العامة على بذل المزيد من الجهد لحماية الموظفين الذين يواجهون مخاطر متزايدة.

رغم ذلك، لا ترى ديبه فخر أن هناك وصفة سحرية تصلح للتعامل مع كل الأوضاع، وتذهب إلى أن "الأمر يتوقّف على الوضع الميداني من منطقة إلى أخرى. فالعمل في العراق اليوم مثلا ليس مثل العمل في ليبيا أو اليمن،... وكل مكان نتواجد فيه يقتضي استراتيجية معيّنة للعمل. لا يُوجد حلا مثاليا بمعزل عن السياق الواقعي والميداني".

العمل مع شركاء محليين

بدلا من خيار القوة والردع، اختارت مؤسسة "أرض الإنسان" مقاربة أخرى تقوم أساسا على الإقتراب والإنفتاح أكثر ما يُمكن على السكان المحليين. ولتحقيق ذلك، أشارت زيلي شاللّر إلى أن "الغالبية العظمى من موظفينا ينحدرون من البلدان التي ننشط فيها. وهذا الطابع المحلّي يسمح لنا بتحديد احتياجات المستفيدين بدقة، وبالتالي وضع مشروعات تستجيب لانتظاراتهم".

هذه المقاربة ايجابية لكونها تسمح بالإنصات إلى مشاغل الهيئات المحلية وإلى تقييماتها للوضع وهي الأنجح بالضرورة للتعامل مع الواقع الميداني، ولذلك يرى مسؤول كاريتاس- سويسرا أنه "من المهم التعاون مع هذه الهيئات، لكن من دون أن نصدّر لها مشكلاتنا، أو أن نعرّضها بسببنا للخطر".

ودائما ضمن خيار الإنفتاح على الواقع والتعاون مع الأطراف المحلية، تسعى اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى "التأقلم مع تقاليد وعادات وأساليب عمل المكان الذي نتواجد فيه"، وفي هذا برأيها "احتراما للأشخاص الذين نعمل معهم"، على حد قول ديبه فخر.

أما الأمر الآخر، فهو أن هذه المؤسسة الدولية غير الحكومية تعمل مع الشريك الأوّل لها في كل دولة وهي الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر أو الهلال الأحمر، وهي التي تساعدها في تنفيذ المشاريع وفي التعرّف على البيئة وفي التواصل مع الأطراف المتنازعة، وحتى عندما يستحيل على المتعاونين الأجانب العمل في مكان ما، يتم إرسال المساعدات عبر متطوّعين محليين ومنظمات أهلية.

رغم أهمية العامل الأمني وخطورته، تتوفر العديد من المسارات لتعزيز استدامة المساعدات الإنسانية وتأكيد أهميتها، ومن ذلك حملات التوعية والتواصل المكثّف مع السكان والهيئات المحلية، والإنصات والإستماع إلى الفئات المستفيدة لتوفير الحلول الممكنة والأنسب في إطار من الشراكة، مع الأخذ بعين الإعتبار أسباب المشاكل وليس فقط عواقبها.

×