Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

تحقيق من قلب كوريا الشمالية


مُمارسة التزلّـج في ظل دولة التحكُّـم الشامل


بقلم تيم نيفيل - كوريا الشمالية


تنتشر دعاية النظام الكوري الشمالي في كل مكان بل تصل إلى أعلى نقطة في مسارات التزلج في أعالي الجبال (Patitucci Photo)

تنتشر دعاية النظام الكوري الشمالي في كل مكان بل تصل إلى أعلى نقطة في مسارات التزلج في أعالي الجبال

(Patitucci Photo)

من المُرجّح أن ما من أحد يرغَـب بقضاء عطلة تزلّج في دولة ترزح تحت وطْـأة نظام قمعي نووي شائك. مع ذلك، تجمع زيارة إلى المُنتجع الأحدث – والوحيد - الفاخر في كوريا الشمالية الخصوم مع بعضهم البعض، لتمضية بضعة أيام من المرح والحياة الطبيعية النِّـسبية، وهذا أمرٌ جيد. أليس كذلك؟

وكأن غِطاءً ثقيلاً قد رُفِع لحظة انطلاق الحافلة  لمغادرة العاصمة بيونغ يانغ، وآثار القلق الذي تراكم، تبدأ بالتبخّـر. وأخيراً، بدأ الواقع الغريب لتمضية خمسة ليالٍ في كوريا الشمالية، بالتلاشي مع كل ميل يأخذنا إلى عالم أقلّ ألْـفة. نحن في طريقنا إلى منتجع "ماسيك ريونغ"، منطقة التزلج الأكثر غرابة على وجه البسيطة.

أسندتُ رأسي على زجاج النافذة وأنا أراقب ناطِحات السحاب في العاصمة، وهي تتضاءل خلف مطبّات معبر "ماسيك" الجبلي، المكسو بالغابات. أشخاص فرادى يتحرّكون بخُطى ثقيلة عبْر الحقول، التي يتناثر عليها الثلج نحو بساتِين من شأن أغصان أشجارها العارية، أن تزدهي بالكمثرى مع حلول فصل الربيع القادم. جندي يمتطي درّاجة وحيدة السّرعة في الطريق الوحيد المبلّط بالخرسانة، وبندقية الإقتحام الزيتية الخاصة به، تتقافز في سلّة الخوص المثبَّـتة بالمِقوَد.

كان من الصعب أن تخيل وجود أي شيء رائع حول التزلّج في كوريا الشمالية، ولكن أربعة منا كانوا قد وقَّعوا للذّهاب إلى المنتجع، كامتداد لرحلة منظمة بسعرٍ منخفِض في بيونغ يانغ وما حولها. وكانت البلاد قد احتفلت لبضعة أيام في منتصف فبراير 2014 بـ "يوم النجم الساطع للزعيم الأبدي"، الذي يؤشر إلى ما كان سيكون عيد الميلاد الثالث والسبعين (73) للزعيم الكوري الراحل الجنرال كيم جونغ إيل، مُقيمة الرقصات الجماعية ومعارض الزهور وعروض السباحة الإيقاعية.

حقوق الإنسان والجذب السياحي

في 17 فبراير 2014، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً يقع في 372 صفحة حول سِجل حقوق الإنسان في كوريا الشمالية الذي صادف اليوم اللاحق لاحتفالات الكوريين الشماليين بما كان سيكون عيد الميلاد الـ 73 للرئيس الكوري السابق كيم جونغ إيل (الذي توفي في ديسمبر 2011)، في حال اعترافك بسجلات الولادة السوفييتية، أو عيد ميلاده الـ 72 لو كنت مُصدِّقاً للحسابات الكورية الشمالية.

وبغضِّ النظر، يُعتبر التقرير إلى حدٍّ كبير، السجِل الأكثر موثوقية والبحْث الأكثر استفاضة لسجل حقوق الإنسان في الدولة المارِقة الأشَـد عُزلة في العالم. ومن جهتها، رفضت الصين - الحليف القوي لكوريا الشمالية - التقرير يوم 17 مارس، في حين قالت كوريا الشمالية إنه مليء بالأكاذيب ووصفته بـ "أداة تآمر سياسي".

كثيراً ما يورد التقرير عِبارات مثل "الإجهاض القسري" و"التجويع المتعمّد"، وهو يروي قصة رجل حُكِم عليه بالسجن في مُعسكر عمل بسبب تلويثه غير المقصود لصورة كيم جونغ إيل المطبوعة في صحيفة استخدمها لامتِصاص شراب مَسكوب. 

ووِفق التقرير، لا يُسمح للنساء بركوب الدراجات الهوائية، ولكني رأيت مئات النساء يقُمن بذلك. وورد في نصّ التقرير "هناك حُكم بموجب القانون، ولكن لا سِيادة للقانون".

كان وقتاً رائعاً حقا - زيارة الجثّة الشمعية المُحنَّطة لـ "القائد العزيز" في ضريح خافِت الإضاءة في قصر "كومسوسان"، الذي كان مقر إقامة والِده، والإطلاع على جرائم المُعتدين الإمبرياليين الأمريكيين في متحف تحرير الوطن الحربي البهي على نحوٍ غريب، واجترار حساء مُتبّل في إحدى المناسبات - ولكن ما يرافق هذا المكان من وقائع، كان قد بدأ بإرهاقي أيضاً.

فقد كان سائح أسترالي ينتمي إلى مجموعة أخرى، قد إعتُقِل للتَّـو، بزعم توزيعه مواد مُرتبطة بالديانة المسيحية في بلد ينعدم فيه تماماً أي نوع من التسامح مع المسيحيِّين. كما اتُّـهم عضو في مجموعتنا ظُـلماً بالعبَـث بتأشيرته، بغية السماح له بالبقاء لفترة أطول. وقد تعلّق الأمر بي، كنت قد دخلت بتأشيرة سياحية، أكّد لي الكوريون الشماليون المُتعاملون معي، سلامتها، كوني حالياً كاتب رحلات أكثر من مُراقب صحفي. مع ذلك، توجّب عليَّ أن أبذل مجهوداً كبيراً كي أمنَع نفسي عن التفوّه بأي كلمة والإنحناء أمام التماثيل والتظاهر بالتبجيل عند إبلاغنا عن مدى "حُبّ" القادة لشعوبهم.

وجدير بالملاحظة، أن التفاصيل المروِّعة للوحشية التي يُمكن أن يتّصف بها هذا "الحب"، قد توثقت في تقرير غير مسبوق من 212,000 كلمة، أصدرته لجنة الأمم المتحدة للتحقيق، المعنية بجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية حول حقوق الإنسان. وعرضت اللجنة نتائج التقرير على مجلس حقوق الإنسان في جنيف يوم الاثنين 17 مارس 2014. وقال مايكل كيربي، رئيس اللجنة، إن خطورة وطبيعة الفظائع المُرتكبة التي لا يمكن وصْفها، "تكشِف عن دولة استبدادية، لا يوجد لها مثيل في العالم الحديث". ولم أستطع إلّا أن أتساءل، والآن هل نحن ذاهبون إلى التزلج فعلاً؟

وكان منتجع "ماسيك ريونغ"، الواقع على بُـعد 175 كلم شرق العاصمة بيونغ يانغ، قرب مدينة ونسان الساحلية شمال البلاد، قد إفتُتِح بصورة رسمية يوم 31 ديسمبر 2013، عندما قام المارشال كيم جونغ أون - الإبن الأصغر ووريث كيم جونغ إيل، بركوب مقعَد تلفريك هوائي إلى أعلى المُنحدَر رقم 6 - مُرتدِياً قبَّعة فَـرو سوداء - وأطلق على "صنيعته" صِفة "الإنجاز المعصوم عن الخطأ".

 (Patitucci Photo)
(Patitucci Photo)

"معجزة"

وكانت جحافل من "الجنود البُناة"، المُنتمين إلى صفوف الجيش الشعبي الكوري، قد اخترقت سفوح قمّة جبل تايوا المغطّاة بأشجار البتيولا، والذي يرتفع إلى 1,362 متراً، لتُـشكِّل 11 منحدراً، تواجه جِهة الشمال. وفي أسفل هذه المنحدرات، يقف فندقان على شكل شِبه منحرف، يحتويان على 120 غرفة وحوض سباحة وحانة لغناء "الكاراووكي" ومطاعم بهيجة، تقدم السرخس المُخلّل وسمك السلمون المَكسو ببذور السمسم وشرائح ليِّـنة من لحم البقر. ولا يهم أن يُعاني الملايين من سكان كوريا الشمالية من سوء التغذية أو أنهم محرومون من الكهرباء. وقد استغرق إنجاز "مُعجزة البناء الاشتراكي" هذه، عاماً واحداً فقط، ومع ذلك يبقى هناك سؤال كبير مطروح: لِمَ كان إنشاء كل هذا بالدرجة الأولى؟

قد يبدو الأمر سخيفاً، ولكن مع اهتزاز الحافلة وهي تمضي قُدُماً، كان الشعور بالإرتياح حقيقياً. فبعد أسبوع من القلق حول ما يمكن وما لا يُمكن فعله، أصبحنا قُـبالة عالم أكثر بساطة من الثلوج والجاذبية يمكن لأي متزحلق في أي مكان، فهمه. هل سيكون المنتجع مقتصراً على النّخبة فقط بالفعل؟ وهل كان كل هذا نوع من الخطّة المُتقنة لكسب المزيد من الدّعم للنظام؟ أيّ سائح مجنون كان سيرغب بالذّهاب إلى هناك؟

لم أكن أمتلك الإجابات. ولكن آمالي بدأت تتصاعد بالفعل مع تجلّي منطقة التزلج أمامي. لو كان باستطاعة أي شيء أن يحقن شيئا من النور في الصخر، فهو الرّغبة الكونية في اللعب.

في أعلى الجبل

ثلوج خفيفة كانت قد تساقطت مع تباشير الصباح. وقبل بزوغ ضياء الفجر، انتظم نحو اثنى عشر رجل يحملون المكانِس والعصي في صفوف، وبدأوا بتنظيف الطُّرق والممرّات بشكل نظامي. ومن القاعدة، كان يمكن سماع ألحان شعبية تصدح من مرصد عِملاق بحجم لوحة الإعلانات، بينما تطلق أشرطة فيديو لزهور متمايلة وأمواج متراكمة وصواريخ نارية ومضاتها عبْر الشاشة. المنحدرات كانت فارغة في ذلك الوقت.

وخلافاً لكوريا الجنوبية، التي ستستضيف دورة الألعاب الأولمبية الشتوية المُقبِلة، لا تتوفر كوريا الشمالية على ثقافة تزلّج كبيرة. ومن أصل 23 مليون شخص يمثّلون سكّان البلاد، يمارس نحو 5,000 شخص فقط، ينتمي مُعظمهم إلى الجيش، هذه الرياضة.

وقبل إنشاء منتجَع "ماسيك"، لم تكن هناك سوى منطقة واحدة للتزلّج تقع في المناطق النائية في شمال البلاد، ولكنها صغيرة، وقد تكون (أو لا) ما زالت مفتوحة لحد الآن. ويمتاز منتجع "ماسيك" بأنه أسهل وصولاً، ولكنه ليس سهل المنال. ففي حين يبلغ المُرتَّب الشهري لوظيفة جيِّدة 10 دولارات (8.7 فرنكات)، تبلغ كُلفة التذكرة اليومية في المنتجع نحو 30 يورو (36 فرنكا سويسريا).

من الصّعب العثور على الزلاّجات والأحذية الطويلة وأعمدة التزلج والملابس المقاومة للماء، التي تسمح بتنفّس الجلد، والنظارات الواقية والخوذ والقفازات الجيدة، لكن منتجع "ماسيك" يُتيح استِئجار كل شيء. توجّهت إلى غرفة الإستئجار بالأسفل تحت الفندق رقم 2.

لم يخطر ببالي وجود طابور - كان هناك تسعة غربيين بالضبط في المنتجع وكنت قد التقيتهم جميعاً في غضون ساعات من وصولنا - ولكني وجدت الغرفة مزدحِمة جداً في الواقع. وكان ما يصل إلى 200 شخص من الكوريِّين، لم يكن ضمنهم مدرّبي التزلج الثلاثين أو نحو ذلك، يصطفّون داخل وخارج الغرفة في انتظار استئجار الجديد من كل شيء.

"بعض الكوريين لديهم الكثير من المال"، كما أخبرتني أماندا كار، التي تعمل كمُرشدة رحلات في رحلتها الـرابعة والأربعين (44) إلى كوريا الشمالية في وقت لاحق، لأن باستطاعتهم الحصول على العُملة الصعبة. كما أن رياضة التزلج ستكون مجانية للعديد من الكوريين الآخرين، كنوع من المُكافَأة للأداء الجيد لوحدات عملهم أو لبعض الجهود "الثورية" الأخرى. من جانبه، أعلن كيم جونغ أون، عندما زار المنتجع يوم رأس السنة الجديدة، بأن أحداً لن يدفع شيئاً طيلة مدّة إقامته.

 ( PatitucciPhoto)
( PatitucciPhoto)

التزلج... حق من حقوق الإنسان؟

تعتبر حقيقة افتتاح منتجع "ماسيك" للمتزلجين بحدِّ ذاتها، أمرا لافتا للنّظر بعض الشيء، لأن حصول كوريا الشمالية على مصاعِد التزلج، لم يكن سهلاً بالنسبة للنظام الحاكم. وعندما حان الوقت لشراء مصاعِد التزلّج لـ "ماسيك"، كان اللجوء إلى سويسرا للتسوّق، أمراً طبيعياً.

فعلى أية حال، يُفترض أن كيم جونغ أون وأخته، كانا يذهبان إلى المدرسة في برن، حيث تعرّف الشاب الذي أصبح دكتاتوراً فيما بعد، على حياة التزلج. وكانت شركة في سانت غالن قد عرضت بيع بعض هذه المصاعد بحوالي 7 ملايين فرنك، ولكن كتابة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية تدخّلت لمنع الصّفقة.

"من الواضح أن هذا المشروع هو دعاية رفيعة المستوى للنظام"، كما قالت ماري أفيت، المتحدثة باسم كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية للصحفيين في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، كان بيع "سِلع كمالية"، مثل مصاعد التزلج، سينتهك العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على كوريا الشمالية والهادِفة إلى معاقبة بيونغ يانغ على برنامجها النووي.

غضب لإنكار هذا "الحق" الأساسي

"تلجأ ‘الدول الديمقراطية’، التي تناصِر ‘المساواة بين جميع الناس’ و‘الدفاع عن حقوق الإنسان’ و‘الحرية’ إلى أعمال جنائية عدائية تنتهك كرامة دولة ذات سيادة في محاولة منها لحرمان الشعب الكوري من حقّهم الأساسي في التمتّع بحياة ثقافية"، كما جاء في بيان عنيف صَدَّحت به وكالة أخبار شينخوا الصينية بلهجة نائِحة. حتى السويسريين كانوا يتمتّعون بالتزلّج عندما كانت [سويسرا] ما تزال دولة فقيرة ومتخلِّفة، كما استمر تقاذف الكلمات. "نحن نخدع أنفسنا حين نقول إن التزلج ينتمي إلى أولئك الأشخاص رفيعي المستوى".

ومع أن هذه التصريحات كانت مدعاة للسُّخرية، إلّا أن الكوريين الشماليين أصابوا من جانبهم في نقطة أيضاً، وإن لم يقصدوا ذلك. فالحق في التزلج ينبغي أن يكون من المبادئ الأساسية بالفعل، بسبب ما ينطوي عليه من حقوق أخرى مُجتمعة: الحق في السفر والحق في السعادة والحق بأن تكون مسؤولاً عن مسارِك الخاص.

ومن المُرجّح أن مصاعد التزلّج المُثبَّتة في المنتجع، جاءت في نهاية المطاف من خِلال الصين، على الرغم من التفاصيل التي أوردها تقرير أخير للأمم المتحدة حول بَراعة الكوريين الشماليين في الإلتفاف على العقوبات. وكنُت قد أحصيت 20 مدفعاً ثلجياً جديداً سويدي الصنع وآلتين حديثتيْن لتسوية الثلوج من صنع بومبارديي (تكتل يضم مجموعة من الصناعات الكندية)، كما رأيت محلاً يبيع سترات تزلّج بقيمة 300 دولار مع أنواع من الشوكولاطة السويسرية، الأمر الذي جعلني أتساءل عن جوْدة هذه المُنتجات.

ومع امتطائي لمصعد التزلّج الأول برفقة صديقي دان باتيتوتشي، المصور السويسري الأمريكي، كان ميكانيكيان على الأرض يبعُدان عنا بنحو 30 متراً للأسفل يُديران مزلاجا ذا ماسورة بمفتاح إنجليزي كبير، فناديتُ مُمازحا: "أحكما تضييقه جيدا!".

الطريق يأخذنا  مدة 43 دقيقة لكي نرتفِع مسافة 710 متراً إلى الأعلى. وفي سويسرا، يستغرق الأمر عشر دقائق أقل لركوب ثلاثة أضعاف هذه المسافة إلى قمة جبل "شيلتهورن" المشهور في جبال الألب. ولكن العديد من الكوريين يركبون المصاعد فقط - بدون زلاّجات - وقد يجعل إبقاءها بهذا البطء من السّهل بالنسبة لهم تجاوزها عندما يحين وقت النزول.

حين وصولنا إلى الأعلى، بادرنا عمّال المصعد بانحناءة ترحيب. رجل من بيونغ يانغ وقف ليلتقط صورة معي. رئيس الندل في مطعم المحطة العليا المصمم على شكل مُثمن بداخله خزان كبير للأسماك، قال إنه يهوى التزلج، وبخلاف ذلك، كنا وحدنا. "حسنا إذن، دعنا نتزلج في كوريا الشمالية"، قال صديقي وهو يدفع بنفسه إلى أسفل المنحدر.

أسلوب للتحاور

في الواقع، كانت تجربة التزلّج جيدة بشكل مُذهل. وقد هيّأت آلات تسوية الثلج ممرّاً واحداً فقط في أعلى المنحدرات، مما ترك سوالف بعرض 15 مترا من مسحوق ثلجي على جانبي الجزء المُهيّأ من ممر التزلج. أغلب الكوريين ظلوا يتزلجون على منحدرات المبتدِئين الأسهل استخداما في الأسفل، ما كان يعني أن الجزء العُلوي من الجبل لنا بأكمله. وكان بإمكاننا التزلّج على ثلوج جديدة على طول الطريق إلى الأسفل، لنعاود الكرّة ثانية - بعد نحو ساعة - على ثلوج بِكر إلى جانب المسارات التي قمنا بخطها.

"للمرة الأولى في أسبوع، لا يوجد أحد حولنا للمراقبة"، كما قالت يانا بانوفا، طالبة القانون التشيكية في مجموعتنا، حينما توقّفنا في منتصف الطريق إلى أسفل. "هذا شيء جدير بالإشارة حقاً". وفي الواقع، لم نكن الوحيدين المُستمتعين بقدر أقل من المراقبة.

فعند قاعدة الجبل، كان عدد من الكوريين الذين كان عدم ارتدائهم للزلاّجات من قَبل واضحاً، يختبرون نِقاط التوقّف الأفضل، بمساعدة من سياج السلامة البرتقالي في الغالب. وفي مكان آخر، كان الأطفال يلعبون ويضحكون على الزلاّجات، في حين كان الكوريون الشماليون يتعانقون داخل مصاعد التلفريك وهم في طريقهم إلى الأعلى، ثم يُلوِّحون لك بحماس عند رجوعهم للأسفل.

"هذا الأمر جيد جداً للسكان المحليين"، كما أخبرني أحد المُرشدين الكوريين الشماليين، الذي سأدعوه السيد "كيم" فقط، لأكون على الجانب الآمن. "هذا جديد جداً بالنسبة لنا. سوف ترى الكثير من الناس القادمين من ونسان لتمضية اليوم". وتبعد مدينة ونسان الساحلية، التي يقطنها نحو 200,000 شخص، 24 كيلومتراً إلى الشرق. ولأجل أن يُسمح لك بالقدوم إلى هنا، ينبغي أن تتوفّر على تصريح سفر ووسيلة نقل، ناهيك عن النقود.

كنت قد أمضيت ليلة جيدة في الفندق رقم 1، الذي كان يمكن أن يكون مُعاراً من منتجع "ساس في" السويسري. كان للغرف جدران خشبية تعكِس ذوقاً جيداً وتدفئة أرضية وأسِرّة مَتينة تغطّيها مفروشات جديدة. كما كان هناك دش كبير ونوافذ تعمل على عزل الدوي المنبعث من اللوحة الإعلانية بشكل كامل تقريباً. حتى مقابِض الأبواب بدَت سويسرية.

الفجر البازغ لآخر يوم متبقّي لدينا، كان بارداً وصافياً، مما جعل الثلوج تبدو أنعم وأرق من ذي قبل. كما حضر المزيد من الناس أيضاً. رجل في من الجيش الشعبي ببزته الزيتونية الرتيبة يلتقط صوراً لعائلته في الثّلج.

سيدة محلية مَرِحة لاحظَت طول قامتي - حيث يبلغ طولي المتريْـن – وطلَـبَـت منّي أن أناولها كتلة الجليد المشابهة للسيْف المُتدلية من السّقف، وكانت سعيدة جداً بتلبِيَـتي لطلبها. أما مُدربي التزلّج، فقد انفصلوا إلى ثلاث مجاميع أسفل المُنحدر 6، لتباشر كل مجموعة منهم بالتدريب. وكنت قد حاولت التزلّج معهم مرة، ولكني حصلت على أمر حادّ بالتوقّف من رئيس المُدرّبين.

خلق الحوار

تقرير الأمم المتحدة الأخير حول حقوق الإنسان في كوريا الشمالية، أعلن عن  فشل مُنتجع "ماسيك ريونغ" للتزلج وجميع المشاريع المهيبة الأخرى، التي كلَّفت مئات الملايين من الدولارات في تحقيق "أي أثر إيجابي فوري على الأوضاع العامة للسكان"، وهذا أمرٌ يصعب مناقشته.

في نفس الوقت، فإن المجيء إلى هنا والإختلاط مع الكوريين الشماليين بغياب رقابة أيّ مرافقين والتلويح لهم في مصاعد التلفريك وتقاسم بهجة التزلج، مهما قد تبدو تافِهة، يحقق شيئا لا تستطيعه الدبلوماسية، فهو يجعلنا نرى وجهاً لأعداءٍ كبار مجهولي الهوية ويُعرّض الجميع إلى شيء أقرب إلى الحقيقة قليلاً.

"من غير المُجدي الجلوس في المنزل والقول بأنه لا ينبغي عليك القدوم إلى مكان كهذا"، كما قال بِيت توبَّر، البريطاني الذي يُدير عملاً تجارياً للتزلّج في الصين، والذي جاء إلى "ماسيك" للمساعدة في تعليم المُرشدين كيفية التزلّج. "هذا مجرّد تذمر. السياحة تُسهم في خلق الحوار".

مشاريع مهيبة

وِفقاً لتقرير الأمم المتحدة، أنفق نظام الحُكم في كوريا الشمالية في الأعوام الأخيرة، ما بين 200 و530 مليون دولار على إنشاء الصروح واللوحات الجدارية والتماثيل وغيرها من "دعاية التأليه"، لتمجيد القادة العِظام وحزب العمّال الكوري الحاكم.

كما أنفقت كوريا الشمالية ما لا يقل عن 35 مليون دولار لبناء مُنتجع التزلج وما لا يقل عن 67,7 مليون أخرى، كتكاليف لتطوير الأراضي، وفقا لخطّة العمل التي تمّ الحصول عليها من موقع NK News.org الإخباري.

وبرزت "مشاريع مهيبة" أخرى بشكل كبير في بيونغ يانغ، المدينة المخصّصة للعائلات الأكثر ولاءً فقط. والآن، يمكنك اللّهو في حمّامات السباحة، ذات الأمواج الصناعية في منتزه مياه "مونسو"، ومشاهدة ألعاب الدلافين في دولفيناريوم "رونغنا"، وركوب الأفعوانية في مدينة ملاهي "كايسون".

swissinfo.ch



وصلات

×