رويترز عربي ودولي

مقاتلون من القوات الليبية الموالية للحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة في سرت يوم الجمعة. تصوير: اسماعيل الزيتوني - رويترز.

(reuters_tickers)

من باتريك ماركي

سرت (ليبيا) (رويترز) - بعد ستة أشهر من القتال الشرس تقدمت قوات الأمن الليبية في عمق مدينة سرت الليبية الاستراتيجية لدرجة أنه أصبح بإمكانهم الآن تمييز اللهجات المصرية والتونسية لأعدائهم من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية وهم يتبادلون السباب على جبهة القتال.

وقال مسؤولون أمريكيون وليبيون إن النصر بات وشيكا في تلك الجبهة النائية للحرب ضد الدولة الإسلامية حيث يتحصن بضعة مسلحين باقين من المتشددين في مساحة صغيرة لا تتعدى كيلومتر مربع.

لكن المعركة كانت طويلة وصعبة وتحمل دروسا للقوات التي تدعمها الولايات المتحدة التي تسعى لطرد الدولة الإسلامية من مدينة الموصل العراقية الأكبر مساحة بكثير من سرت والتي تبعد أكثر من 2500 كيلومتر عنها.

قال أسامة عيسى (37 عاما) وهو رجل أعمال يقاتل مع القوات الليبية في حي الجيزة آخر حي تسيطر عليه الدولة الإسلامية في سرت "واجهنا مقاومة لا تصدق. لا يتركون مواقعهم حتى عندما تنهار منازل على رؤوسهم... يعلمون أنهم سيموتون على أي حال ولذلك يقاتلون بشراسة."

والهزيمة في سرت ستضر بقدرة الدولة الإسلامية على إظهار أنها تتوسع عالميا وستحرمها من موطئ قدمها خارج العراق وسوريا. وخسارة سرت والموصل في فترة قصيرة سوف تهوي بمعنويات التنظيم وعلى الأرجح قدرته أيضا على تجنيد أتباع.

لكن المتشددين في سرت كبدوا المقاتلين الليبيين خسائر فادحة وقتل على الأقل 660 وأصيب ثلاثة آلاف في المعارك كما صمدوا لمدة أطول مما كان متوقعا.

وأثبت مسلحو الدولة الإسلامية مهاراتهم في حرب العصابات وأظهروا نقاط ضعف القوات المتقدمة التي تفتقر للخبرة في حرب المدن وسلطت المعارك أيضا الضوء على الفاعلية المحدودة للضربات الجوية عندما تصل جبهات القتال لهذا التقارب.

كما تلفت المعارك الانتباه أيضا إلى أهمية محاصرة المقاتلين خلال الحرب بسبب هرب الكثير من سرت. وقدر قائد ليبي عدد من تمكنوا من الفرار بأنهم 400 متشدد يشنون حاليا هجمات خلف خطوط القتال بقنابل يتزايد تطورها باستمرار.

كما أن الخلاف المتنامي بين الفصائل المختلفة داخل القوات الليبية يدق ناقوس الخطر للجماعات المتنوعة التي تقاتل الدولة الإسلامية في الموصل بأن نهاية المعركة قد تنذر بفوضى سياسية وتخاطر باندلاع صراعات عسكرية جديدة.

*"حرب قذرة"

استولت الدولة الإسلامية على سرت تدريجيا في بداية عام 2015 مستغلة الفوضى التي تعم ليبيا منذ بداية الحرب الأهلية فيها بعد الإطاحة بمعمر القذافي في 2011.

وأصبحت سرت -مسقط رأس القذافي- قاعدتها الرئيسية في شمال أفريقيا. وكما في العراق وسوريا بدأ قادة المتشددين في فرض رؤيتهم المتشددة في سرت. وحظروا تدخين النرجيلة وتدخين الغليون وأجبروا النساء على ارتداء ملابس تغطي أجسادهن بالكامل.

وفي وقت لاحق استعبدوا النساء المهاجرات وفرضوا ضرائب وعقوبات مثل الجلد علنا والصلب.

وبدأت القوات من مدينة مصراتة القريبة التي أصبحت موالية لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في العاصمة طرابلس الهجوم العسكري لاستعادة سرت في مايو أيار بعد أن هددت الدولة الإسلامية أمنهم.

وتتحصن آخر مجموعة من المتشددين في حي الجيزة بالمدينة المطلة على البحر المتوسط ويستخدمون أنفاقا بدائية وقناصة وشراكا خداعية للدفاع عن حصنهم الأخير.

واختبأ المتشددون بين الأسطح المنهارة والشوارع المليئة بالأنقاض في الجيزة واستخدموا سواتر الرمال لتوفر لهم الحماية من القصف والضربات الجوية.

وتدعم المئات من الضربات الجوية الأمريكية وغارات بطائرات هليكوبتر وفرق صغيرة من المستشارين العسكريين البريطانيين والأمريكيين القوات الليبية في المعركة. وحاليا يستخدمون الدبابات التي كانت لديهم منذ العهد السوفيتي لفتح ممرات لهم عبر الأنقاض فيما ينتقلون من منزل لمنزل في محاولة للقضاء على مقاومة المتشددين.

قال طالب يقاتل في وسط ركام لأحد المنازل المنهارة في الجيزة "نسمعهم في الليل يصيحون ويهددوننا قائلين إنهم قادمون للقضاء علينا ... هناك قناصون وألغام. نحن نتقدم فيلقون علينا القنابل اليدوية. إنها حرب قذرة."

وسمع دوي إطلاق نار من القناصة في حين كانت المجموعة التي ينتمي لها الطالب تراقب الأوضاع عبر فجوات في الجدران المهدمة. وكانت القذائف تمرق فوق الرؤوس من آن لآخر.

واستعدت مجموعة أخرى مسلحة بالكلاشنيكوف -وبعضهم رجال من كبار السن يرتدون الزي العسكري وآخرون طلبة يرتدون الجينز- للتخلص من قناص متحصن في موقع قريب.

معقل مفقود

كان أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية قد دعا المتشددين في وقت سابق من الشهر الحالي للسفر إلى ليبيا. ولم تكن هذه أولى دعواته حيث يقاتل تونسيون وسودانيون ومصريون في المدينة.. لكن سرت كقاعدة انتهت.

قال جيف بورتر الباحث في (نورث أفريقا ريسك) للاستشارات "كان من المفترض أن تكون سرت قاعدة للمنسحبين من العراق وسوريا لكن هذا الأمر انتهى الآن. من الناحية الإستراتيجية يمكن للدولة الإسلامية أن تشير إلى سرت وتقول لأتباعها إنها كانت حقا عالمية وتتمدد لكن لا يمكن أن تفعل ذلك بعد الآن."

وقال مسؤولون بالمخابرات في مصراتة إنه كان يوجد في السابق ما يصل إلى 2500 مقاتل في سرت أغلبهم أجانب.

أما سرت الآن فإن معظم مناطقها خالية من الناس ولم تعد الحياة إلى الأحياء الواقعة على أطراف المدينة التي يسكنها 80 ألف نسمة حيث تحمل المباني آثار القذائف والرصاص.

ولم يبق من آثار حكم التنظيم سوى القليل. ويرفرف علم ليبي كبير فوق تقاطع طرق الزعفران حيث كان المتشددون يعدمون ضحاياهم في السابق. ولا تزال رموز الضرائب التي كان يجمعها التنظيم مرسومة على جدران المتاجر.

وأفراد القوات الليبية في معظمهم مدنيون حاربوا القذافي وعادوا للمساعدة في صد تنظيم الدولة الإسلامية ومنهم طلاب وحرفيون وضباط سابقون بالجيش.

وقال صلاح الحوتي وهو طالب يبلغ من العمر 22 عاما يقاتل في صفوف القوات الليبية "ربما يستغرق الأمر أسبوعا أو اثنين مما أراه الآن (لإنهاء مقاومة تنظيم الدولة الإسلامية في سرت)" مشيرا إلى أنهم "خزنوا إمدادات وأغذية تحت الأرض."

ويقول قادة ليبيون إن تقدمهم تعثر بسبب الضحايا ونقص الذخيرة وشكوا من أنهم لم يتسلموا شيئا من معدات الرؤية الليلية وغيرها من الأسلحة التي طلبوها من حلفائهم لمواجهة القناصة.

وزاد الخوف من شن ضربات جوية وقصف بشأن المدنيين المحاصرين الذين يستخدمون في بعض الأحيان كرهائن.

وقال مسؤول المخابرات في مصراتة محمد جنيدي إنه نفس الموقف كما هو في العراق وسوريا مشيرا إلى أن التنظيم يستخدم الأنفاق ويستخدم المدنيين دروعا بشرية."

وقال جنيدي إنهم مقاتلون محترفون وهدفهم هو قتل أكبر عدد ممكن "منا".

*هل توجد معارك جديدة؟

يأمل قادة ليبيون في أن يقضي الانتصار في سرت على تهديد التنظيم في كل أنحاء ليبيا.

لكن المقاتلين الذين فروا قبل تطويق سرت لا يزالون يشكلون تهديدا. وفر بعضهم إلى الجنوب مما سيعزز على الأرجح الاتصالات بين الدولة الإسلامية وجماعات متشددة أخرى في منطقة الساحل القاحلة ومنها بوكو حرام النيجيرية والقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي.

وتتصاعد نذر مشكلة أخرى تتمثل في التنافس بين الجماعات المقاتلة. وقد حول البعض اهتمامه إلى تجدد القتال مع فصائل أخرى في الشرق حيث يقود حليف القذافي القديم خليفة حفتر قوات لا تعترف بحكومة طرابلس المدعومة من الأمم المتحدة.

وكانت قوات حفتر سيطرت على أربعة موانئ رئيسية للنفط من فصيل منافس في وقت سابق من العام. وسمح حفتر بإعادة فتح المؤسسة الوطنية الليبية للنفط لكن الكثير في أهل مصراتة يرونه قائدا عسكريا متسلطا.

وقال عبد المنعم أبو بريدة وهو فني سيارات خاض القتال من أجل السيطرة على طرابلس ويشارك الآن في قتال سرت "حاربت في ثلاثة حروب والرابعة قد تكون ضد حفتر ومن يعرف ضد من ستكون الخامسة؟"

(إعداد سلمى نجم ومعاذ عبد العزيز للنشرة العربية - تحرير أحمد حسن)

reuters_tickers

  رويترز عربي ودولي