تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تحليل نتيجة التصويت حان أوان إجراء إصلاح هادئ لقطاع الإعلام العمومي في سويسرا

داخل أحد الأستوديوهات التلفزيونية

بعد أن تمكنت من الحصول على دعم واضح من الشعب السويسري، يتعيّن الآن على هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية التوجّه إلى اجتذاب مُستهلكي الغد.

(swissinfo.ch)

في أعقاب حملة طويلة جدا، وافق السويسريون أخيرا بأغلبية عريضة على نظام تمويل الخدمات السمعية والبصرية العامة من خلال دفع رسوم سنوية. في الوقت نفسه، اتضح أن التوجّهات الداعية إلى تكليف القطاع الخاص لوحده بمهمة تأمين إعلام يتميز بنوعية جيّدة لم تقنع الناخبين. والآن، تستعد هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية لرفع عدة تحديات تشمل خفض الإنفاق ومزيد الإستجابة لاحتياجات الأجيال الشابة.

من خلال رفض حوالي 72٪ من الناخبين التخلي عن تأمين تمويل عام للقطاع السمعي البصري العمومي، أظهر الشعب السويسري تعلقه بإعلام نوعيّ يتميّز بجودته. فقد وافق المواطنون يوم 4 مارس الجاري على مواصلة دفع رسوم (ستصبح قيمتها 365 فرنك في السنة اعتبارا من 1 يناير 2019) لتمويل وسائل إعلام سمعية وبصرية باللغات الوطنية الأربع. ومن ثم، يُمكن قراءة هذا "التأييد" الهائل باعتباره دليلا على حرص شعبي على استمرار التماسك الوطني.

إجمالا، لم يقتنع السويسريون بالوصفة التي عرضها عليهم أصحاب مبادرة "نو بيلاغ" المتمثلة في تسليم مفاتيح الإعلام لقوى السوق وآلياته. ففي لحظة إيداع بطاقات التصويت بـ "لا" في صندوق الاقتراع، شاهدوا ظلال كبريات مؤسسات البث والنشر الدولية تحوم حول المشهد السمعي البصري السويسري، على أهبة تقاسم الفتات الذي سيُخلفه زوال القطاع العام.

رجل يُجيب على أسئلة مجموعة من الصحافيين

أولفييه كيسلر، الرئيس المشارك للهيئة المديرة لمبادرة "نو بيلاغ" يُجيب على أسئلة وسائل الإعلام في برن يوم ألحد 4 مارس 2018.

(swissinfo.ch)

يوم الأحد 4 مارس، لم يُظهر السويسريون فقط دعمهم لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، التي تعد swissinfo.ch إحدى الوحدات التابعة لها، ولكن أيضا لـ 13 قناة تلفزيونية إقليمية و لـ 21 محطة إذاعية محلية، التي كانت مهددة أيضا من طرف المبادرة. لقد كانت طريقة للإحتفاء بـ "سويسرا – المناطق"، التي يُشكل تنوعها وتلاحمها جزءا من الخصوصيات الأساسية للبلد.

حملة استثنائية

لا مفر من الإشارة إلى أنه نادرا ما تمكنت حملة انتخابية في سويسرا من حشد مثل هذا العدد من الدوائر المختلفة والأوساط المتنوعة. فقد دعا مخرجون وموسيقيون وممثلون مسرحيون وكتاب وهواة رياضيون وممثلون عن السويسريين في الخارج إلى رفض المبادرة. وبالفعل، كانت هناك الكثير من المصالح المعرضة للخطر وهو ما حال دون تمكن النص المعروض على التصويت من حشد أغلبية لفائدته.

من جهة أخرى، يبدو أن الطابع الجذري للمبادرة قد استوقف السويسريين المعروفين عادة بالتوازن والمعقولية. وكما كتبت صحيفة "لوتون" (تصدر بالفرنسية في لوزان)، فإن "السويسريين ليسوا من عبدة الأوثان (أو من المتمسكين بالأيقونات). وإذا ما حدث في بعض الأحيان أن قاموا بالتصويت "ضد النظام" (مثلما حصل في مبادرة الهجرة الجماعية، ومبادرة حظر بناء مزيد من المآذن،...)، فإنهم ليسوا على استعداد للتضحية بإحدى ركائز الهوية الوطنية لمجرد أنها مُكلفة للغاية".

"طول المدة" كان من الخصوصيات التي تميّزت بها الحملة. فهي انطلقت فعلا منذ الخريف الماضي، ثم التهبت السّجالات بسرعة، وخاصة عبر شبكات التواصل الإجتماعي. ويبدو أن هذا الطول غير العادي للحملة قد أصاب المبادرة في مقتل، حسب رأي لوي بيرّون، خبير العلوم السياسية، الذي صرح للراديو والتلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية RTS أنه "من الصعب جدا الحفاظ على المشاعر لفترة بمثل هذا الطول. لقد عشنا حملة على مرحلتين. في العام الماضي، أمكن للجميع التنفيس عن المكبوت بكل طلاقة على الشبكات الإجتماعية والتعبير عن نفاذ الصبر. ثم انحسرت الحيوية إلى حد بعيد". وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي الأولى جاءت مؤاتية للمبادرة في نهاية عام 2017، إلا أن معسكر المؤيّدين استمر في التراجع وخسارة مواقعه منذ بداية العام الجديد.

لم يتم استبعاد جميع الأخطار

لا مفر من القول بأن النتيجة التي أسفر عنها التصويت أشبه ما تكون بجرعة من الهواء النقي لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية. مع ذلك، لا مجال لاستغلال الدعم الشعبي والركون إلى الراحة. فعلى العكس من ذلك، يجب أن تكون المؤسسة على أهبة الإستعداد لمواجهة سلسلة من الهجمات المُرتقبة.

ففي سياق الحملة، تم تداول فكرة إعادة إطلاق مبادرة أخرى لا تستهدف هذه المرة، إلغاء رسوم استقبال البث الإذاعي والتلفزيوني بل تطالب بخفضها إلى النصف. وسيتعيّن الآن على مُؤيدي مبادرة "نو بيلاغ" القول ما إذا كانوا سيقومون بتجسيد هذا المشروع وتحويله إلى حقيقة واقعة أم لا.

أيّا كان الأمر، سوف تضطر هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية إلى شد الأحزمة، نظرا لأن إيراداتها من الرسوم لن تزيد عن 1.2 مليار فرنك، بموجب القانون الفدرالي الجديد للإذاعة والتلفزيون الذي تمت الموافقة عليه بفارق ضئيل جدا في استفتاء أجري سنة 2015.

الأمور لن تتوقف عند هذا الحد، ذلك أن الطبقة السياسية ستكون مدعوة لإعادة رسم مستقبل القطاع السمعي والبصري برمته. ففي شهر يونيو القادم، سوف تتقدم الحكومة الفدرالية بمشروع قانونها المتعلق بوسائل الإعلام الإلكترونية ليُعوض التشريع الحالي. ومن المنتظر أن تكون اللوائح الجديدة المنظمة لخدمات القطاع العمومي غير مرتبطة بقنوات البث. وبالتالي، يمكن أن تحظى وسائل إعلام متاحة على شبكة الإنترنت حصرا أو بوابات اليكترونية تابعة لناشرين بالإعتراف بوصفها من مقدمي خدمات عامة.

ثلاث ورشات إصلاحية

في هذا السياق، يجب على هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية الآن المضي قدما وتنفيذ عدد من الإصلاحات. وبعد أن أسهمت الرغبة المعلن عنها من طرف كبار مسؤوليها خلال الحملة في إعادة النظر في مستقبل المؤسسة بشكل كبير في رفض المبادرة، آن الأوان للإنتقال من إطلاق الوعود إلى العمل والإنجاز.

بعد الإعلان عن النتائج، بدأت هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية في الكشف عن ملامح علاج التشبيب والترشيق المرتقب، حيث صرح مديرها العام جيل مارشان أن "هذه النتيجة ليست نهاية المطاف، بل مجرد بداية". وبالفعل، سيتم إطلاق ثلاث ورشات كبرى:

خطط توفير

أولا، سيتم تنفيذ خطة "كفاءة وإعادة استثمارات" بقيمة 100 مليون فرنك ابتداء من عام 2019 وعلى مدى أكثر من خمس سنوات. تبعا لذلك، سوف تتأثر عمليات الإنتاج والبنى التحتية وقطاعات التقنية والتوزيع والتكاليف الإدارية. وأوضح جيل مارشان "لذلك سوف نقوم بضخ المزيد من الموارد في قطاع الأخبار ونقوم بتوفيرها في مواضع أخرى، على مستوى تكاليف الإنتاج مثلا".  كما اعترف بأن عددا من الوظائف ستكون معنيّة (نتيجة لهذه القرارات). 

مهام ذات أولوية

في المستقبل، ستركز هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية على "ثلاث مهام ذات أولوية" تشمل توفير خدمة إعلامية مستقلة ومتوازنة باللغات الوطنية الأربع، واقتراح إنتاجات ثقافية متنوعة - لا سيما في مجال الأفلام والمسلسلات السويسرية - وتكييف عروضها الرقمية لتلبية احتياجات المجتمع من خلال إطلاق منصة إليكترونية متعددة اللغات.

وسعيا منها للأخذ بعين الإعتبار بشكل أفضل للأوضاع التي تمر بها وسائل الإعلام الخاصة في سويسرا، لن تقوم هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية اعتبارا من عام 2019، بإيقاف الأفلام على قنواتها من أجل بث فواصل إشهارية. وسعيا منها لتحسين تموقع عروضها الرقمية، فلن تنشر الهيئة مستقبلا أيّ نصوص لا علاقة لها بالملفات الصوتية أو أشرطة الفيديو المنشورة على مواقعها الإخبارية.

التعاون مع وسائل الإعلام الأخرى

من جهة أخرى، سوف تبحث هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية بنشاط أكبر عن أي تعاون مفيد مع وسائل الإعلام السويسرية الأخرى. وفي المجال التجاري، أخذت الهيئة علما باستمرار الحظر المفروض على الإعلانات عبر الإنترنت، وأعلنت أنها لن تقترح أي إعلانات مستهدفة (أي تلك التي تتوجه إلى فئات معينة حسب الموقع الجغرافي أو الإهتمامات مثلا) على المستوى الإقليمي، حتى في صورة سماح اللوائح القانونية لها بذلك يوما ما.

هيئة بمزيد من الرقمنة وبشبابية أكبر

من خلال الإصلاحات المنتظرة حتى من قبل أشد المؤيّدين لها، سيتوجّب على هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية التكيّف مع التغييرات السريعة المترتبة عن عالم يزداد رقمنة يوما بعد يوم. وسوف يتعيّن عليها أيضا العمل على اجتذاب جمهور الغد الذي لم يعد يستهلك وسائل الإعلام من خلال قنوات الإذاعة والتلفزيون التقليدية. وفي هذا الصدد، يتصور جيل مارشان على وجه الخصوص بلورة "بوابة رقمية واسعة مفتوحة بوجه الجميع، تعمل حسب الطلب، وتتوفر على محتويات أصلية مصنفة حسب الموضوعات ومواد أرشيفية سنعيد اقتراحها" على الجمهور.

ففي سويسرا الروماندية (أي الناطقة بالفرنسية) مثلا، ومن أجل تحسين حضورها في الأوساط الشبابية، أطلقت الإذاعة والتلفزيون السويسرية RTS وسيلة إعلامية جديدة صُمّمت خصيصا للشباب تحت مسمى "Tattaki".

صحيح أن التحديات هائلة، لكن يبدو الآن أن هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية قادرة على رفعها في ظل قدر أكبر من الصفاء، بفضل الدعم الشعبي الذي نالته ذات رابع من مارس.


(ترجمه من الفرنسية وعالجه: كمال الضيف)

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك