Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

تداول سلمي على السلطة في تونس


بين نداء تونس وحركة النهضة.. كل شيء وارد!


بقلم صلاح الدين الجورشي - تونس


في ختام الندوة الصحفية التي عقدتها الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات في وقت مبكر من يوم الخميس 30 أكتوبر 2014 للإعلان عن النتائج الأولية للإنتخابات التشريعية التي جرت يوم 26 أكتوبر، أنشد جميع أعضاء الهيئة النشيد الوطني، فيما نُشرت على الشاشة الخلفية أعداد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب المتنافسة في البرلمان الجديد.  (Keystone)

في ختام الندوة الصحفية التي عقدتها الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات في وقت مبكر من يوم الخميس 30 أكتوبر 2014 للإعلان عن النتائج الأولية للإنتخابات التشريعية التي جرت يوم 26 أكتوبر، أنشد جميع أعضاء الهيئة النشيد الوطني، فيما نُشرت على الشاشة الخلفية أعداد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب المتنافسة في البرلمان الجديد. 

(Keystone)

فاز حزب نداء تونس بأكبر عدد المقاعد بالبرلمان التونسي الجديد. وأقرّت حركة النهضة بالنتائج التي أسفرت عنها الإنتخابات، وقام رئيسها راشد الغنوشي بتهنئة الباجي قائد السبسي. وبذلك، تحقق لأول مرة في بلد عربي التداول السلمي على السلطة، الذي أضفى على تجربة الإنتقال الديمقراطي في تونس مزيدا من المصداقية، وجعل كل المراقبين العرب والدوليين الذين رصدوا مختلف مراحل الإنتخابات، يشهدون بأنه لم تشبها تجاوزات خطيرة من شأنها أن تفتح المجال للتشكيك في صحة النتائج. فما هي الأبعاد والتداعيات لما حصل؟

عندما كانت مختلف الأطراف تتهيَّـأ لتنظيم الإنتخابات، كانت تسُود أجواء تتّسم بالشكوك والقلق. وكانت مبرِّرات ذلك متعدّدة. فالجماعات المسلحة صعَّدت من وتيرة تهديداتها وعملياتها، وهو ما أقنع السلطات بأن الهدف من ذلك، كان العمل على إرباك الدولة ومنع التونسيين من التصويت واستكمال المرحلة الإنتقالية.

لكن عند المقارنة بين تلك الأجواء وبين الظروف الجيِّدة التي جرت فيها عملية الإقتراع، يتأكّد بأن أكثر من ستّين في المائة من المواطنين المرسمين في القوائم الإنتخابية، لم تُـرهِـبهم المخاطر الأمنية التي توالت مؤشّراتها، والتي تمكّنت الأجهزة الأمنية والعسكرية من مُحاصرتها والتقليص من تداعِياتها.

توزيع المقاعد في مجلس نواب الشعب التونسي

حركة نداء تونس: 85 مقعدا

حركة النهضة: 69 مقعدا

الإتحاد الوطني الحر: 16 مقعدا

الجبهة الشعبية: 15 مقعدا

حزب آفاق تونس: 8 مقاعد

أحزاب وقوائم أخرى: 24 مقعدا

مرارة الهزيمة

في ظل هذه الظروف الآمنة، قال التونسيون كلمتهم. وكانت نتيجة ذلك، حدوث تغييرات هامة في المشهد الحِزبي والسياسي للبلاد. لم تعُد حركة النهضة الحزب الأكبر في تونس، وإنما احتلّت الموقع الثاني. ولئن تقبَّل البعض من قادة الحركة هذه النتيجة بطريقة عقلانية، فإن عددا واسعا من أبنائها أحدَث ذلك لهم صَدمة وجعلتهم يشعرون بمرارة الهزيمة.

ومما ولَّـد حالة من الاضطراب في صفوفهم، ما أقدمت عليه قناتان، إحداهما وطنية والأخرى خاصة، باستعراض نتائج عمليتيْ سبْر آراء لأول مرّة في تاريخ تونس، وذلك بعد ما أغلِـقت مكاتب الإقتراع، وأكّد كلّ منهما تقدّم حزب نداء تونس على حركة النهضة بمسافة عريضة. 

وقد ظهر الإرتباك على مختلف قادة الحركة، الذين شاركوا في تلك الحوارات التلفزيونية أو في تصريحاتهم لأنصارهم. وقد تطلّب الأمر بعض الوقت حتى تُدرك قيادة الحركة بأنها خسِرت الإنتخابات، وأن هذه الوضعية الجديدة تتطلّب بذل الكثير من الجُهد النفسي، للإحاطة بأبناء الحركة والبدء في استخلاص الدروس من خلال فهْم ما جرى ومعرفة الأسباب العميقة التي جعلتها تفقد قُرابة الثلث من قاعدتها الإنتخابية التي صوتت لفائدتها قبل ثلاثة أعوام. 

الخطاب الإنتخابي لحركة النهضة هذه المرة لم يُـقنِـع الكثير من المواطنين الذين صوّتوا لها في انتخابات 2011، خاصة وأن هذا الخطاب جاء ليُدافع عن حصيلة فترة حُكم الترويكا (الأحزاب الثلاثة التي أدارت شؤون البلاد من ديسمبر 2011 إلى يناير 2014)، ولكن الجزء الأكبر من الناخبين لهُم وِجهة نظر أخرى، وقد تم تغيير وِجهتهم نحو حزب نداء تونس، الذي نجح في افتكاك المرتبة الأولى، ومن ثمّ قطع الطريق أمام عوْدة الحركة إلى السلطة، إلا برضاه وحسب شروطه.

هذه المسألة تحتاج إلى وقت ومراجعات في العمق، لكن المؤكد أن قيادة الحركة تصرّفت بكثير من المسؤولية والإنضباط، عندما قبلت النتيجة ورضيت بالتداول السِّلمي على الحُكم واعترف بعض مسؤوليها بأنهم دفعوا ثمن المُغامرة التي خاضوها عندما استلموا السلطة في ظرف معقّد وفي مرحلة انتقالية منفلتة.

التوازن بين الرئاسة والحكومة

أما بالنسبة لقادة حزب نداء تونس، فقد وضعتهم الإنتخابات أمام ذات الإختبار الذي واجهته النهضة من قبل، إذ بالرغم من الولادة الحديثة للحزب (تأسس في يونيو 2012)، يجِد نفسه اليوم مسؤولا عن إدارة شؤون البلد في مرحلة صعبة ومعقّدة. لكنه بالرغم من ذلك، فهو حريص على خوْض الإنتخابات الرئاسية وتأمين وصول الباجي قائد السبسي إلى قصر قرطاج. ولهذا السبب، أخّر الحزب الشروع في القيام بمشاورات تتعلّق بتشكيل الحكومة.

من الواضح أن هناك إرادة للإمساك برأسي السلطة التنفيذية إلى جانب الإمساك برئاسة البرلمان. ويعتقد بعض قادة نداء تونس من خلال دعم مرشحهم، أنهم بذلك يكونون أقدر على تحقيق برامجهم وإنهاء حالة التنافر بين قصري القصبة (رئاسة الحكومة) وقرطاج (رئاسة الجمهورية)، وذلك في مقابل من يعتقِد بوجوب المحافظة على قدر من التوازُن بين الرئاسة والحكومة، من خلال اختيار مرشّح آخر من خارج حزب نداء تونس، كضمانة إضافية للحيلولة دون تمركز السلطة لدى طرف واحد. ولا شك في أن لكل اختيار إيجابياته وسلبياته. وما على المواطنين إلا التفكير واتخاذ القرار.

احتمالات متعددة

بالنسبة لتشكيل الحكومة المقبلة، لم يقرّر الحزب الفائز بعدُ شكلَها وطبيعتَها. وفي هذا السياق، تتعدد الإحتمالات. الأول، أن يتوجّه نداء تونس نحو ما تبقّى من الأحزاب التي يعتبِرها قريبة منه، وأن يشكِّل معها حكومة يتولّى هو قيادتها. ومن شأن هذا الخيار أن يضع حركة النهضة وبقِية الأحزاب الصغيرة القريبة منها، في المعارضة.

هناك أيضا احتمال آخر، يتمثل في تشكيل حكومة وِحدة وطنية تجمَع النداء والنهضة وعددا من الأحزاب الأخرى. وهذا اختيار ترغَب فيه النهضة، ولكنه يقوم على المُحاصصة الحِزبية ويقتضي إبرام صفقة ما بين الطرفيْن أو التوصل إلى اتفاق يحمي نظام الحُكم من الإنقسام.

الإحتمال الثالث، أن يتجه الحزب الفائز نحْو حكومة تكنوقراط تُبعِـد السياسيين عن لعبة إدارة شؤون الدولة. ولكل احتمال من هذه الإحتمالات الثلاث تداعيات مُزدوجة على جميع الأطراف.

الوجه الأخير من نتائج الإنتخابات، هو التسونامي الذي عصف ببقية الأحزاب، التي تضاءل حجمها إلى أدنى حد جراء ما يُسمّى بالتصويت المفيد أو الناجع، الذي دعا إليه الباجي قائد السبسي، عندما اعتبر خلال الحملة الإنتخابية أن "من لا يصوِّت لحزب نداء تونس، فقد صوّت لحركة النهضة". وبذلك، أجهز على أحلام مُعظم الأحزاب القريبة منه أو التي يُمكن أن تلتقي معه خلال المرحلة القادمة وغيّبها تماما عن المشهد.

في ضوء كل هذه المتغيِّرات، يمكن القول بأن الديمقراطية الناشئة والصاعدة في تونس، قد قطعت خُطوة أخرى نوعيِة نحو بناء نظام سياسي مختلف عما كان عليه قبل الثورة، لكن لا يعني ذلك انتهاء المخاطِر التي تُحدق بهذه التجربة الطرية. فالإقتصاد هشّ والأمن مهدّد والتونسيون لا تزال تنتظرهم تحدِّيات ثقيلة، في ظل تصاعد الدعوات من صفوف المجتمع المدني إلى اليقظة "لمواجهة محاولات الردّة وإعادة أشباح الماضي".



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×