Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

تعزيز الإبتــكار.. أحدث سلاح لمواجهة معضلة الفرنك القوي


بقلم سامويل جابير


داخل القاعة البيضاء في مصنع "تيسا"، يُـطوِّر المهندسون أدوات القياس عالية الدقة ()

داخل القاعة البيضاء في مصنع "تيسا"، يُـطوِّر المهندسون أدوات القياس عالية الدقة

تبنّـت الحكومة السويسرية على مدى السَّـنة الماضية، سلسلة من الإجراءات ضدّ الآثار السلبية لارتفاع تكلِـفة الفرنــك، من بينها رصد 100 مليون فرنك لمشاريع ابتكــارية، في خطوة لقِـيت نجاحا كبيرا في صفوف الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ومن ضِمنها شركة "TESA" في كانتون فو بسويسرا الروماندية المتحدثة بالفرنسية.

على مرتفعات رونون ،(Renens) في ضواحي لوزان، تتسلّل الرياح الجليدية بصرخاتها الحادّة بين أعمِدة المباني وسقْف معمَل "تيسا"، المُصمّم على شكل سن منشار. في الداخل، لا يشوش أجواء العــمل الدؤوب، سوى صوت الآلات المكنية. 400 موظف، من مهندسين وميكانيكيين وعمال بسطاء، ينكبُّـون على إنجاز مهمّة محدّدة، ولكن جميعهم يسعى إلى بلوغ هدف مشترك: إنتاج مجموعة واسعة من أدوات القياس عالية الدِّقة، التي تحمل العلامة التجارية "صنع سويسري" والموجهة لقطاعات صناعية مختلفة، مثل السيارات والمِـلاحة الجوية والساعات.

ولئِـن كانت أحوال المكينة تبدو الآن وكأنها تسير على ما يــرام، فـإن ذلك لا ينفي أن المصنع شهد أوضاعا متقلِّـبة لمدة عدة أشهر. فقد رفض الموظفون في الخريف الماضي اقتراحا من قبل الإدارة، التي كانت ترغب في زيادة وقت العمل بدون دفع أي مقابل، ممّا خلق أجواء اجتماعية متوتِّـرة بين نقابة العمال والإدارة.

وأكّدت فلوريان جاكمي، الملحقة الصحفية في معمل "تيسا" أن "الفرنك القوي وضعنا تحت ضغط قوي وخلق شكوكا كبيرة بين الموظفين، ولكن لم ترد قط خطة لإعادة توطين المصنع. على العكس، سنستثمر 3,5 مليون فرنك هذا العام لتحديث مصنعنا من خلال إنشاء قاعة جديدة للطلاء الكهربائي. وهذا يثبت أن شركتنا الأم، وهي مجموعة Hexagon السويدية، تؤمن باستمرارية هذا الموقع".

إبراز الاختلاف للبقاء على قيد الحياة

يعتمد معمل "تيسا" بنسبة تتجاوز 80%، على الأسواق الخارجية في قطاع يَعرف تنافُـسية عالية جدا، لاسيما أن عدد منافسيه الكبار يناهِـز عشرة على المستوى العالمي، وهو بالتالي، مرغما على التوفر على قيمة مُضافة هامة ،تتيح له التعويض عن ارتفاع الأجور وتآكل الهوامش، الناجم عن أسعار الصرف غيْـر المواتية. بينجمان فوليو، الذي يترأس حوالي ثلاثين مهندسا في قسم البحث والتطوير في الشركة، يلخِّـص الوضع قائلا: "نحن مُـجبرون على الابتكار باستمرار إذا ما أردنا مواصلة الإنتاج في سويسرا".

وعلى غِـرار العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة السويسرية، لجأ مصنع "تيسا" إلى دعم الكنفدرالية، التي وزّعت في شهر ديسمبر 2011 غِـلافا ماليا استثنائيا بقيمة 100 مليون فرنك لفائدة مشاريع ابتكارات تكنولوجية، في إطار التدابير المصاحبة لمناهضة الفرنك القوي. ولقي هذا البرنامج نجاحا كبيرا، بحيث تلقت اللجنة الـخاصة بالتكنولوجيا والابتكار أكثر من 1000 طلب للحصول على مساعدات إجمالية قيمة قدرها 530 مليون فرنك سويسري، بهدف توفير دعم محدد وهادف لنقل المعارف والتكنولوجيا بين المدارس العليا والقطاع الصناعي.

ولئن لم تتم الاستجابة لزهاء 80% من الطلبات، فإن مصنع "تيسا" حصل على دعم اللجنة لكلا مشروعيه. وخُصِّصت بالتالي عدّة مئات آلاف الفرنكات للمركز السويسري للإلكترونيات والتكنولوجيات الدقيقة CSEM في نوشاتيل، وهو معهد بحث مختصّ في نقل التكنولوجيا إلى القطاع الصناعي لتطوير تقنية قياس "ثورية"، يُـفترض أن تتيح لـ "تيسا" التقدم بخطوات حاسمة أمام منافسيه.

مشروع محفوف بالمخاطر

ويوضح إيدو فرانسي، المسؤول عن المشروع في مركز نوشاتيل: "طوَّرنا طريقة قِياس لتحريك وضع (مكونات الآلات)، تتميز بدقة لم يسبق لها مثيل. فقد كان مصنع "تيسا" يبحث عن حلٍّ لدمج هذه التكنولوجيا في آلاتــه. وبفضل دعم الكنفدرالية، تمكَّـنا من تعيين فريق يضمّ خمسة إلى ستة باحثين للعمل على هذا المشروع".

ويأمل بينجمان فويو أن تسمح التقنية الجديدة، التي لم تحصل على شهادة براءة الاختراع وتخضع بالتالي لسرية تامة، بزيادة معدّل رقم مبيعات معمل "تيسا" بشكل "ملحوظ". لذلك، يواجه مهندسو المركز السويسري للإلكترونيات والتكنولوجيات الدقيقة بنوشاتيل ضغوط القطاع الصناعي، الذي يتوقع بأن يجهز النموذج الأولي بحلول نهاية هذا العام.

من جانبه، نوّه إيدو فرانزي إلى أن "هذا المشروع قد يؤدّي إلى تسويقٍ تجاري سريع، ولكنه ينطوي على مخاطر، بما في ذلك عدم القُدرة على تصغير هذه التكنولوجيا بما فيه الكفاية، وهذا هو السبب وراء تلقّيه دعْـما من اللجنة الفدرالية للابتكار والتكنولوجيا".

وفي حال نجاح المشروع، لن يكون مصنع "تيسا" المُستفيد الوحيد، بحيث يمكن أن يمثل مكسَبا لشركات أخرى. ويقول إيدو فرانزي في هذا السياق: "عندما نطوِّر تكنولوجيا معيَّـنة لعميل ما، نحلّ في الوقت نفسه سلسلة من المشاكل التي تعاني منها شركات مصنّعة أخرى. فالعميل يملك النتائج في مجاله الخاص لاستخدام تلك التكنولوجيا، ولكن تلك النتائج يمكن أن تُستخدم في ميادين أخرى".

طفرة الابتكارات

ويتفق المهتمّون بعلاقة الابتِكار بالصناعة، بأن تعميق الشراكة بين المدارس العليا ومعاهد البحوث والقطاع الصناعي، هو أحد عوامل نجاح الاقتصاد السويسري في هذه الأوقات العصيبة. ولئن كانت سويسرا لا تزال تحتل مرتبة متقدِّمة كثيرا أمام البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في مجال الابتكار، وِفقا لتصنيف حديث أصدرته المفوضية الأوروبية في بروكسل، فليس هنالك مجال لكي تعيش على أمجادها.

وهذا ما أدركه جيدا برلمانيو سويسرا، بما أن اللجان المختصّة في مجلسيْ النواب والشيوخ قد صادقوا الواحد تِلْـو الآخر على مذكِّرة تدعو الحكومة الفدرالية إلى منح فرصة ثانية للمشاريع الواعدة، التي لم يتم اختيارها في شهر ديسمبر الماضي. وأشارت آن سيدو- كريست، النائبة عن الحزب الديمقراطي المسيحي في مجلس الشيوخ، إلى ضرورة "عدم إهدار فرصة مساعدة المشاريع التي تتمتّع بمؤهِّـلات وتستحق تلقّي الدّعم. فالأمر لا يتعلّق بتقديم الدّعم إلى الشركات إلى ما لا نهاية، بل إعطاء دُفعة دورية (لمشاريع) الابتكار".

وأمام ميول البرلمان إلى تقديم المزيد من المساعدة، يبدو أن الحكومة الفدرالية باتت مضطرّة إلى تخصيص أموال جديدة لفائدة الشركات. غير أن النائبة آن سيدو- كريست تحذِّر من أن "تمويل هذه المشاريع الجديدة، لا ينبغي أن يتم على حساب ميادين تكوين أخرى".

أما بالنسبة لماريو الخوري، رئيس مركز نوشاتيل، فإن العائد على الاستثمارات قد برّر في جميع الحالات، وإلى حدٍّ كبير، رصد الغلاف المالي الأول بقيمة 100 مليون فرنك قائلا: "إن هذا الإجراءات تسمح بصيانة، وحتى خلْـق العديد من مواطن العمل، ذات القيمة المُضافة المُرتفعة في سويسرا. وسوف تظهر تأثيرات هذه التدابير، بعد فترة طويلة من حدوث الأزمة. فقد تؤدّي هذه الخُطوات الحميدة إلى نوعٍ من "طفرة مواليد"، على مستوى الابتكارات في سويسرا".

نضال ضدّ الفرنك القوي

في أوقات الأزمات، يُـعتبر الفرنك السويسري، مثل الذهب، ملاذا آمنا للمُستثمرين. وخلال الفترة الممتدّة بين أغسطس 2008  وأغسطس 2011، ارتفعت قيمة الفرنك السويسري بنسبة 44٪ مقابل اليورو.

وأمام ارتفاع قيمة العُملة الوطنية، والتي تضرّ بشكل خاص بشركات التّصدير وقطاع السياحة، قرّر المصرف الوطني السويسري في بداية شهر سبتمبر 2011، وضْع سقْـفٍ لصرف سِعر الفرنك السويسري: 1.20 مقابل اليورو.

في موازاة ذلك، انكبّت الحكومة السويسرية أيضا على وضْع إجراءات لمكافحة آثار الفرنك القوي. ركّزت أولى التدابير، التي تم الإعلان عنها في فبراير 2011، على تشجيع السياحة الوطنية والتأمين ضدّ مخاطر التصدير وتشجيع التكنولوجيا والابتكار.

في شهر أغسطس 2011، أعلنت الحكومة الفدرالية عن خطّة لمكافحة تأثيرات الفرنك القوي، تبلغ قيمتها الإجمالية 870 مليون فرنك. وخُـصِّص قدْر كبير منها (500 مليون فرنك)، للتعويض عن اللجوء المتزايد من قِبل الشركات، لاعتماد البطالة الجزئية.

دعم الابتكار

من بين التدابير المُـتَّخذة لمكافحة الفرنك القوي، تم تخصيص 100 مليون فرنك لبرنامج خاص للابتكار، ينبغي أن يسمح للشركات بالتنفيذ السريع لمشاريع ابتكارية بالتعاون مع مؤسسات بحثية معروفة.

تلقّت لجنة التكنولوجيا والابتكار أكثر من 1000 طلب في ظرف شهرين، لتنفيذ مشاريع تبلُغ قيمتها الإجمالية 530 مليون فرنك. وفضّلت مشاريع محفوفة بالمخاطر، تمّ تأجيل إنجازها بسبب تآكل الهوامش المُرتبطة بقوّة الفرنك، وأخرى يمكن إيصالها بسرعة للسوق.

تمّ منح كافة المساعدات قبل نهاية عام 2011 للمدارس العليا والمؤسسات البحثية، التي حصلت على موافقة لجنة التكنولوجيا والابتكار، التي كتبت: "لقد تعمّدت الحكومة الفدرالية والبرلمان تحديد مبلغ ومدّة هذا الإجراء، بهدف تعزيز تنافُسية نشاطات التصدير بدُفعة واحدة مخصّصة للابتكار".

وتمكّن بالتالي، المركز السويسري للإلكترونيات والتقنيات الدقيقة في نوشاتيل، والذي يُـعتبر شريكا للجنة التكنولوجيا والابتكار، من دعم 25 شركة في سويسرا في إطار التدابير الخاصة ضدّ الفرنك القوي.

شركة TESA

تأسّست عام 1941. تصنع وتسوق أكثر من 5000 من أدوات ونظُم القياس عالية الدقّة. توظف قُرابة 400 شخص في موقعها برونون بكانتون فو في سويسرا الروماندية الناطقة بالفرنسية.

معظم المنتجات التي تحمِل علامة "صنع سويسري"، مخصّصة في المقام الأول لقطاعات صناعة السيارات والطيران والساعات والميكانيكا الدقيقة.

أصبحت شركة تيسا منذ عام 2001، جزءً من المجموعة السويدية Hexagon Metrology.


(ترجمته وعالجته إصلاح بخات), swissinfo.ch



وصلات

×