تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تفاقم الأزمة يُثير الجدل أيّهما أفضل: استقبال اللاجئين في سويسرا أم مساعدتهم على عين المكان؟

لاجئون سوريون في مخيم للاجئين قرب مدينة زحله في سهل البقاع اللبناني يوم 18 يناير 2015.

(Reuters)

تُعتبر الحرب الدائرة في سوريا من بين أسباب تزايد أعداد اللاجئين والنازحين في شتى أنحاء العالم. وفي الوقت الذي تُوشك فيه الأوضاع على الإنهيار في البلدين المُجاوريْن (لبنان والأردن)، تتساءل سويسرا عن السّبل الكفيلة بالتكثيف من دعمها ومساعداتها للمتضررين.

"كان على متن القارب 350 راكبا، ولقد أصعدونا إليه بركل الأرجل، وكنا جميعا مرضى، بينما مضى علينا أربعة أيام ونصف يوم دون أن نتناول طعاما، وبينما كنا في الطريق، تنبّهتُ إلى دخول الماء، ولحسن الحظ، اعترضتنا ناقلة نفط، فقامت بالإتصال بخفر السواحل".

نيروز كحيل، ابنة الـ 30 عاما، لا يمكن لها أن تنسى لحظة وصولها إلى الساحل الإيطالي في سبتمبر 2013، فقد غادرت هي وعائلتها مدينة حلب السورية قبل ثمانية أشهر إثر وقوع قنبلة على مسجد مجاور أدت إلى تدمير جزء من منزلها.

تصريح الإقامة من فئة "ب" (B) بدءُ حياة جديدة في سويسرا

PLACEHOLDER

في شقتهم المُطلة على الشارع الرئيسي لبلدية ‘روتَنتورم’ في كانتون شفيتس، وفي يومٍ شتوي جميل، يجلس الزوجان جوان عثمان وميديا جولاق على أريكة سوداء في غرفة الجلوس الرئيسية المُرتبة.

وفي الخارج، تشهد القرية حركة نشيطة، مع توَجُه الزوار إلى السفوح المحيطة لِجبال الألب في أنحاء البلاد، لمُمارسة رياضة التزلج. وفي داخل الشقة، يلعب تيريج ذو الربيعين مع أخته تيريفا التي تكبره بعام في ركن قريب، ويتقافزان بين الفَينة والأخرى لرؤية والديَهم وتناول بعض الحلوى.

ومع الهدوء الذي يبدو على مُحيا الزوجين الشابين وهما يحكيان عن حياتهما كلاجئَي حَرب سوريَين، إلّا أنَّ الجِراح الكامنة تحت السطح بادية بوضوح، كما تؤرقهما المخاوف بشأن أفراد العائلة والأصدقاء الذين مازالوا عالقين في سوريا. وتجد جولاق صعوبة في وقف دموعها التي تنهَمر على وجها بصمت وهي تقول "أعرف أن أطفالي سيعيشون في حرية وسلام دون أن يتمكن أحدٌ من إلحاق الضرر بهم، ولكني مازلت أفكر بعائلتي في سوريا كل يوم".

ولم يكن بِوِسع جولاق وزوجها عثمان، وكليهما في عامه التاسع والعشرين، تَصَوُّر ما ستؤول إليه حياتهما بعد زواجهما في عام 2010. ويَستَذكرعثمان بِفَخر منزلهما في مدينة حلب، تلك المدينة المتميزة بمساجدها الجميلة وقلعتها التاريخية المثيرة للإعجاب.

كانت جولاق تعمل كمُدَرِّسة خصوصية للغة الأنجليزية بعد تخَرُّجها من جامعة حلب وهي تحمل شهادة البكالوريوس في الاقتصاد. أما عثمان فكان يعمل في مجال المحاسبة والخدمات اللوجستية في شركة للنقل والتصدير، بعد أن أمضى ثلاثة أعوام في دراسة إدارة الأعمال في جامعة اللاذقية، دون أن يُكمِل العام الأخير لِدراسته.

وفي عام 2011، ومع إجتياح الاحتجاجات المُناهضة للحكومة مناطق مُتعددة في سوريا، أبصَرَت طفلتهما الأولى تيريفا النور. وفي العام التالي، وأثناء إندلاع الحرب الأهلية، رُزقا بابنهما تيريج. بَيد أن الأسرة الصغيرة سرعان ما اضطرت إلى مغادرة المدينة، مع انعدام وجود الكهرباء، أو الأطباء، أو الدواء، وانفجارات القنابل العشوائية اليومية. وكما تقول جولاق بِمَزيج من الأنجليزية والألمانية "كانت الأيام الأخيرة التي امضيناها في حلب مُرَوِّعة للغاية".

وفي أغسطس من عام 2013، هربت جولاق برفقة عائلتها المُمتدة للبحث عن مأوى في منزل أحد الأقارب شمال غرب سوريا، ليتوجهوا بعد ذلك إلى تركيا. وفي نهاية المطاف، وعلى إثرِ حصول جولاق وعثمان وطفليهما على تأشيرة دخول الى سويسرا، إستقلت الأسرة الصغيرة طائرة حَطَّت بهما في زيورخ في يناير 2014. وكانت والدة عثمان قد انتقلت إلى سويسرا في وقت سابق من عام 2011 بسبب قضايا سياسية، واستقرت في بلدية اينزيدلن (في كانتون شفيتس).

ومع نَجاتهم من هَول الأحداث الدامية في وطنهم، إلّا أن مصير الأسرة ظلَّ مجهولاً الى حدٍ كبير. وقد إضطر الزوجان الى الإنتقال مرات عديدة، حيث أقاما في البداية مع والدة عثمان مدة شهرين، تبعتها إقامة قصيرة في مأوى للاجئين في بازل، تلاها انتقال آخر إلى مركز لجوء ‘ديغينبالم’Degenbalm في كانتون شفيتس لمدة خمسة أشهر.

PLACEHOLDER

وعلى الرغم من التحديات الإستثنائية التي تنشأ كنتيجة لتقاسم السكن مع عدد كبير من الغُرباء، إلّا أنَّ كلا من جولاق وعثمان يتحدثان بتفاؤل عن الوقت الذي أمضياه في ملجأ ‘ديغينبالم’. ومن الواضح أن جولاق كانت تَجد مُتعة في مساعدة المقيمين الآخرين، حيث كانت تمضي وقتها في إعطاء دروس في الألمانية للمبتدئين، وتعليمهم المباديء اللغوية الأساسية، بالإضافة الى تقديم برامج فنية أسبوعية للأطفال. وأثناء حديثها، تتناول هاتفها الخليوي لتبحث بسرعة عن تسجيل فيديو لحفلة أقيمت في المركز، غنّى فيها الاطفال بعض الأغاني الإنجليزية المُحببة مثل Wheels on the Bus.

"كان الفريق المسؤول في الملجأ يعاملنا بشكل جيدٍ للغاية"، كما تقول جولاق، وتضيف "كانوا يحترموننا. إنهم يجعلونك تشعر وكأنك وسط عائلتك".

وقبل أربعة أشهر، حصلت الأسرة الصغيرة على تصاريح الإقامة من فئة (B) كلاجئين مُعترف بهم. ومن ثمَّ، إنتقلوا للسكن في شقة وسط بلدية ‘روتينتورم’ (في كانتون شفيتس أيضاً). وفي الأثناء، يحضَر كلا من جالوق وعثمان دروساً يومية لتعلم الألمانية، ويتناوبان على رعاية طفليهما عندما يكون الطرف الآخر في المدرسة. وبينما يحرزان تقدماً جيداً في تعلم اللغة الألمانية، إلّا انهما يجدان صعوبة كبيرة في فَهم اللهجة المحلية.

ومع هذه التطورات، بدأ الزوجان بِوَضع الخطط للمستقبل، والحديث عن آمالهما بمواصلة التعليم، والعثور على عمل في سويسرا بالنتيجة. ومن جهتها، تَوَّد جولاق العمل في شركة للاتصالات أو في أحد البنوك. أما عثمان، فيحلم بوظيفة في الأمم المتحدة، ويضحك الإثنان عند التفكير بإضطراره عندئذٍ إلى تعلم اللغة الفرنسية.

على الجانب الآخر، تبدو جولاق مُتشائمة بشأن مصير وطنها، ويساورها الإعتقاد باستمرار هذه الحرب لسنوات عدة بَعْد. وهي تأمل بمصير مختلف لسويسرا، البلد الذي سوف ينشأ فيه طفليها. وكما تقول:"أتمنى بكل جوارحي أن يكون السلام مازال موجوداً هنا في سويسرا".

في بادئ الأمر، لجأت رفقة عائلتها إلى لبنان ومن ثم إلى تركيا، ثم اليونان، لقد كلفتها رحلتها إلى أوروبا 13 ألف دولار، وتتذكّر بحسرة وعيون منتفخة كيف اضطرت إلى ترك ابنتين من بين أربع بنات لها، تتراوح أعمارهن ما بين 5 و 10 سنوات، قائلة: "زوجي السابق لم يشأ الرحيل إلى أوروبا فقال لي: يمكنك اصطحاب اثنين من البنات فقط، فاختاري. لقد كانت أسوأ لحظات حياتي".

وفي إيطاليا، ركبت نيروز كحيل القطار المتجه مباشرة إلى سويسرا، حسبما أشار عليها المُهرِّبون: "كنتُ أريد الذهاب إلى ألمانيا، ليس لسبب معين، وإنما فقط لأن كل الأشخاص الذين التقيت بهم كانوا راغبين في الذهاب إلى هناك".

وعندما وصلت إلى تيتشينو، تسلَمها أحد رجال الشرطة السويسرية: "لقد كان محترما، فقد أحضر لنا البيتزا"، وأضافت: "كان أول تعامل إنساني منذ أن خرجنا من سوريا، عند ذلك قلت: كفاني، فقد تعبت من السفر من بلد إلى آخر، وبناتي أيضا هلكن. وهكذا بقينا في سويسرا".

الأزمة السورية

نيروز كحيل ليست الوحيدة في هذه الوضعية، ففي الأشهر الستة الأولى من عام 2014، اضطر نحو 5,5 مليون شخص إلى مغادرة منازلهم، بحسب ما ورد في أحدث تقريررابط خارجي صادر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وهذا الرقم يُضاف إلى 51,2 مليون شخص يمثلون تعداد اللاجئين والنازحين حتى نهاية عام 2013.

في المقابل، هذه هي المرة الأولى، التي يمثل فيها السوريون العدد الأكبر من اللاجئين في العالم، حيث فاق عددهم في يونيو 2014 الثلاثة ملايين لاجئ، في حين لم تكن سوريا، قبل عامين فقط، داخلة ضمن قائمة أول ثلاثين دولة مُصدرة للاجئين.

محتويات خارجية

هذا المُحتوى مأخوذ من شركاء خارجيين. لا يُمكننا أن نضمن عرض هذا المحتوى دون حواجز.

وتكشف الإحصاءات عن أمر آخر مثير للقلق، وهو أن الدول الأكثر فقرا هي التي تتحمل أكبر التكاليف الإقتصادية والإجتماعية والإنسانية الناجمة عن رعاية اللاجئين، وفي الواقع لا يعبر سوى 4٪ فقط من اللاجئين السوريين الحدود الأوروبية، وفقا لمنظمة العفو الدولية.رابط خارجي

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، وصل عدد السوريين الذين تقدموا بطلبات لجوء لدى دول الإتحاد الأوروبي 150 ألفا، وهو ما يعادل، إلى حدّ ما، عدد الأشخاص الذين دخلوا الأراضي التركية في بحر أسبوع واحد بعد التقدم الذي أحرزه تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش سابقا) في مدينة كوباني، وفق المعطيات التي جمعتها المنظمة الإنسانية.

محتويات خارجية

هذا المُحتوى مأخوذ من شركاء خارجيين. لا يُمكننا أن نضمن عرض هذا المحتوى دون حواجز.

من جهتها، أشارت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن الدول المحاذية لسوريا لم تعد قادرة على استيعاب أعداد أكثر، لا سيما مع وجود تقصير من طرف المجتمع الدولي في تقديم الدعم الكافي.

ووفقا للدراسةرابط خارجي التي نشرتها في مطلع شهر يناير 2015، يعيش ثلثا اللاجئين السوريين في الأردن تحت خط الفقر المحلي، وفي لبنان، حيث أصبح عدد اللاجئين يعادل ربع عدد السكان المحليين، يُعتبر الوضع أيضا في غاية الحرج.

وتحكي نيروز كحيل قائلة: "لقد مكثنا ستة أشهر في شقة صغيرة بغرفة واحدة، ولم تكن الكهرباء تكفي سوى لإنارة مصباح واحد، وكان زوجي السابق يعمل، ولكن بدون أجرة، وأنا أمضي وقتي مع بناتي في المنزل، ولم يكن لدي نقود لإرسالهن إلى المدرسة"، أما أصعب شيء كان عليها تحمله حسب قولها فكان النفور من اللاجئين السوريين، ذلك أن "اللبنانيون لا يريدوننا".

زيادة المساعدات للضحايا

منذ اندلاع الحرب قبل نحو أربع سنوات، استقبلت سويسرا حوالي تسعة آلاف سوري، نصفهم حصل على تأشيرة دخول مُيسّرة بموجب مرسوم حكومي صدر في سبتمبر 2013، وقد التزمت برن بحصة محدّدة من قبل الأمم المتحدة، تتضمّن استيعاب 500 لاجئ سوري آخر من ذوي الحالات الخطرة، بحلول عام 2016.

تزايُد في أعداد طالبي اللجوء

في عام 2014، بلغ عدد طلبات اللجوء، المقدّمة في سويسرا، 23765 طلبا، أي بزيادة 11٪ عن العام الذي قبله، وكانت أكبر المجموعات من المتقدمين الإرتيريون حيث بلغ عددهم 6923 لاجئ، يليهم السوريون (3819)، ثم السريلانكيون (1277).

تعتبر الزيادة المُسجّلة في سويسرا معتدلة بالمقارنة مع أوروبا، التي سجّلت في التسعينات أعلى معدّل (600 ألف طلب لجوء، ومعدّل زيادة 35٪ منذ عام 2013).

تمثل طلبات اللجوء المقدَّمة في سويسرا 4٪ من مجموع الطلبات المقدمة في أوروبا، وقد بلغت نسبة الذين مُنحوا حق اللجوء في سويسرا 26٪ من الحالات (15٪ في عام 2013)

(المصدر: كتابة الدولة لشؤون الهجرة)  

نهاية الإطار التوضيحي

من جهة أخرى، ترى الحكومة السويسرية بأن "المساعدة على عين المكان تمثل أولوية"، وحتى الآن، قدّمت مساعدات بقيمة 128 مليون فرنك، وإلى جانب المساعدات الطارئة، قامت برن بتمويل مشاريع لصالح العائلات اللبنانية التي تستضيف سوريين وببناء مدارس في لبنان والأردن.

غير أن المنظمة السويسرية لمساعدة اللاجئين،رابط خارجي ترى من جانبها بأن هذه الإجراءات ليست كافية، وأن سويسرا وأوروبا "عليهما أن يقدما أكثر"، وقال ستيفان فراي، المتحدث باسم المنظمة، لـ swissinfo.ch: "يُوجد أشخاص مخطرين نسبيا، كالنساء العازبات اللاتي معهن أطفال، والمرضى وكبار السن، الذين قد يكون مجرد نقلهم إلى أوروبا إنقاذا لحياتهم".

ومن وجهة نظر ستيفان فراي، يوجد لدى سويسرا عدد كاف من أماكن الإيواء: "يوجد في الكانتونات السياحية مساكن محتملة، كالفنادق القديمة التي يمكن إجراء تعديلات عليها، وربما أيضا المقار التجارية أو الصناعية. لا ينبغي أن نضع في اعتبارنا مستوى عاليا من الراحة، وإنما يكفينا مجرد إنقاذ الأرواح".

وبدوره، اقترح هاينتس براند، وهو اختصاصي شؤون الهجرة في حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي، معروف بمواقفه المؤيدة لفرض قيود على حق اللجوء)، أن يتم منح الأشخاص، الذين ينتظرون البتّ في طلبات لجوئهم، صفة الحماية المؤقتة إلى غاية أن ينتهي النزاع، وهو الإجراء الذي جرى اعتماده بعد الحرب في يوغوسلافيا سابقا، ويتيح سرعة التحرك لحماية عدد لا بأس به من الأشخاص.

وجدير بالذكر، أن براند تمكن من الاطلاع بنفسه على الوضع في لبنان خلال رحلة قام بها في نهاية ديسمبر 2014، وقد تطرّق إلى ذلك في حديثه لـ swissinfo.ch حيث أشار إلى أن "مخيمات اللاجئين في حالة إهمال، ومستشري فيها الفقر، ووضعها مُحزن بشكل مخيف، والمستقبل فيها مظلم، والأمل معدوم".

وباعترافه، غيّرت هذه التجربة بعض الشيء في طريقة تصوّره للوضع، مما جعله يؤيد، على حدّ قوله، فكرة الإلتزام بحصة (من اللاجئين) تتضمن الحالات الصحية الأكثر خطورة وتلك المتعلقة بلمّ شمل العائلة، وفي نفس الوقت، يؤكد على أن المساعدات تكون أكثر نجاعة إذا ما قُدّمت على عين المكان.

وأفاد النائب عن حزب الشعب أيضا أن "معظم الناس الذين قابلتهم في المخيمات يقولون بأنهم لا يريدون المجيء إلى أوروبا، ويفضلون البقاء قريبا من بلدهم، لكي يمكن لهم متابعة تطورات الوضع والعودة حالما تسمح الظروف".

تغيير النظرة

في نفس السياق، قال روجر زيتررابط خارجي، الأستاذ الفخري في مركز الدراسات المتعلقة باللاجئين في جامعة أكسفورد: "كلا الإستراتيجيتين ضروريتين"، وأكد لـ swissinfo.ch أن الدول الأوروبية بمقدورها، بل من الواجب عليها، أن تقدم المزيد من الإمكانيات والجهود لإعادة توطين اللاجئين السوريين، وقال: "من المعروف جيدا أن الكثير من اللاجئين يبحثون عن فرصة لإعادة التوطّن نظرا لضعف المستقبل في المنطقة، إلا أنّ واحدا فقط ينجح من بين كل عشرة".

تصريح الإقامة من فئة "ف" F إقامة مؤقتة في مواجهة مستقبل مجهول

PLACEHOLDER

في مساء شتاء بارد، اجتمعت عائلة كبيرة مكونة من دزينة أو نحو ذلك من الآباء، والأمهات، والأعمام، والعمات، وأبناء العمومة والخال، ومن الأطفال الصغار جداً وحتى العَوان، في شقة وسط مدينة سانت غالَّن.

وقبل بضعة أعوام فقط، كان الموضع الطبيعي لإجتماع هذه العائلة سيكون في دمشق المزدحمة، أما اليوم، فتجمعهم مدينة أجنبية تَبعد عن وطنهم الأم بآلاف الكيلومترات.

واليوم، وجدت هذه العائلة مأوى لها في سويسرا بفضل نجوى سيداح، التي إنتقلت إلى سويسرا من سوريا في تسعينيات القرن الماضي، والتي كرَّسَت جهداً كبيراً خلال الأعوام الماضية لاستقدام عائلتها إلى سويسرا، لاسيما بعد اندلاع الحرب الأهلية في وطنهم الأم. وفي المساء، يعمل ابنها كمترجم لخاله محمد سيداح وابنته قمر، اللذَين لم يمضي على وجودهما في سويسرا سوى عام واحد، وعمته، أميرة آلجارحي، التي وصلت الى الكنفدرالية في نهاية عام 2014.

PLACEHOLDER

وفي الوقت الراهن، تتوزع الأسرة المباشرة لمحمد سيداح في أوروبا. وفي حين تقيم زوجته وبناته الثلاث معه في سويسرا، يعيش ولداه في الدنمارك.

"الجميع مستعد للموت في أي لحظة"، كما يصف الرجل الضعيف البنية، المُتَسِم بالجدية الحياة في دمشق خلال الحرب بنبرة هادئة، وهو يجلس على مائدة الطعام في منزل شقيقته.

وكانت رحلة سيداح وأسرته الى سويسرا قد بدأت بمغادرة سوريا عن طريق عبور الحدود مع لبنان. وقد استغرقتهم الرحلة التي لا تزيد عن الساعتين في العادة، ثمانية ساعات هذه المرّة. من ثمَّ، مكثوا مدة شهر في غرفة إستأجرها لهم أحد الأقارب في لبنان، ليتوجهوا لاحقاً الى سويسرا في ديسمبر 2013، بعد حصولهم على تأشيرة دخول.

"كنت أتخيل بلداً جميلاً و أشخاصاَ وَدودين" كما يقول سيداح عن وطنه الجديد. وعلى الرغم من إرتياحه لوجوده في سويسرا، لكن أفكاره مع "الأشخاص الكثيرين في سوريا الذين ما زالوا يواجهون الخطر هناك".

وكانت أخته نجوى قد تكفلت بِجَمع المال من الأصدقاء، لتأمين إقامة مؤقتة للأسرة في دير يقع في بلدية ‘فيل’ خلال الأشهر الثلاثة الأولى من وجودهم في سويسرا. بعد ذلك، انتقلت الأسرة للإقامة في شقة في سانت غالن (شرق سويسرا).

وفي الأثناء، يجد سيداح نفسه أمام بداية جديدة لحياته وهو في سن الخامسة والخمسين. وهو يُمضي وقته بين حضور دورات تعلم اللغة الألمانية، والتنزه في الغابة، وزيارة أقاربه. كما يأمل في العثور على عمل بمرور الوقت. وفي إشارة منه إلى سقف الشقة، أخبرنا أنه كان يعمل في الرسم وأعمال الجص في سوريا.

بدورها، تَداوم ابنته قمر ذات الثمانية عشر ربيعاً على الحضور في مدرسة لتعلم اللغات. وقد نجحت الشابة الودية الثرثارة، التي ترتدي حجاباً وسترة شتاء أنيقة، في عَقد بعض الصداقات بالفعل. وهي تنوي المباشرة في التدريب المهني بحلول العام المُقبِل، وتحقيق حلمها في أن تصبح مُصممة للديكور الداخلي. وماتزال قمر تحتفظ ببعض الذكريات الجيدة عن سوريا: الشوارع المزدحمة، مدرستها وأصدقاؤها، ومناسبة عيد الفطر، كما تشرح باللغة الألمانية ببطء. وهي تود زيارة وطنها مرة أخرى يوماً ما، عندما يَعُم السلام ربوعه مجددا.

اليوم، تتوفر العائلة على تصريح الإقامة من نوع "ف" (F)، الذي يمنحهم حق البقاء المؤقت في سويسرا، حيث لا يمكن ترحيلهم في الوقت الراهن، بسبب حاجتهم الى الحماية نتيجة ظروف الحرب القائمة في سوريا. وبالرغم مما يشوب مستقبلهم من غموض، إلّا أنَّ سيداح وابنته يركزان على تكوين حياة جديدة في سويسرا.

"عليَّ أن أعيش حياتي، بِغَض النظر عن ما قد يكون عليه الوضع"، كما يوضح.

PLACEHOLDER

وفي حين يتطلع محمد سيداح إلى الأمام، ما تزال أفكار أميرة الجارحي، التي تبلغ عامها الخمسين مُرتكزة بشدة على حياتها الماضية. ويملأ الحزن عينيها الغامقتين وهي تفكر بابنيها، وابنتها، وأحفادها الذين مازالوا في سوريا. كما إن لها إبناً آخر يعيش في اليونان.

تَنصَب أفكار الجارحي في كيفية الوصول بهم إلى بر الأمان. وهي تعترف بصعوبة خلودها للنوم وبأنها تبكي كثيراً."أولادي يعيشون في خطر كبير"، كما تقول، "ومع أني أشعر بالأمان هنا، ولكن قلبي معهم".

وكانت الجارحي قد غادرت دمشق في النصف الثاني من عام 2014 في رحلة الى الحدود التركية إستغرقت ثلاثة أيام. وهناك، انتظرت شهرين ونصف في اسطنبول، لتستقل طائرة إلى سويسرا بعد حصولها على تأشيرة الدخول. وهي تعيش الآن مع شقيقها وزوجته نجوى. وبدورها، حصلت مؤخراً على تصريح الإقامة من نوع (F) أيضاً، ولن تتخلى عن أملها في انضمام أطفالها اليها في سويسرا يوماً ما.

"ينبغي أن يَحدونا الأمل في المستقبل دائماً"، كما تقول، وتضيف "الأمل يحقق المعجزات".

لكن، وفقا للأستاذ زيتر، الذي قام بتكليف من اللجنة الفدرالية لقضايا الهجرة بإعداد تقرير حول حماية المشردين:رابط خارجي "يجب علينا إعادة النظر في التوزيع داخل أوروبا، باعتبار أن القليل من الدول، منها السويد وألمانيا، هي التي أبدت استعدادا لاستقبال أعداد معتبرة".

وأما بخصوص المساعدة على عين المكان، يُصرّ روجر زيتر على ضرورة تغيير النظرة، معتبرا بأنه "من المفروض أن ننتقل من الحلول الطارئة إلى تقديم المساعدات طويلة الأجل. يجب علينا أن نفكر في كيفية تحسين معيشة اللاجئين، دون أن يكون هناك ضرر يلحق السكان المحليين نتيجة الضغوط التي تطرأ على نظام الرعاية الصحية والتعليم". 

"هنا أشعر بالإحترام"

وعلى إثر المناشدة من قبل المفوضية العليا للاجئين والنداء الذي أطلقته مجموعة من المنظمات السويسرية (انظر الحاشية)، تعتزم الحكومة الفدرالية دراسة كيفية تكثيف المساعدات للضحايارابط خارجي. وفي أواخر شهر فبراير الجاري، سيكون متعينا على الإدارات المعنية تقديم مقترحات بشأن تعزيز المساعدات في عين المكان وبشأن الظروف التي تسمح لسويسرا باستيعاب عدد أكبر من اللاجئين.

في انتظار أن تُسفر الجهود السياسية عن حل، تبقى نيروز كحيل على أمل أن تستلم ردا على طلب اللجوء الذي تقدّمت به منذ أكثر من عام، فيما تقيم حاليا في شقة في مدينة فريبورغ وتستغل الوقت في دراسة اللغة الفرنسية، وقد تمكّنت، بفضل تدخل الصليب الأحمر، من ضم ابنتيها الأخريين إليها، واليوم تذهب البنات الأربع إلى المدرسة للتعلّم.

"لقد حالفني الحظ، حيث التقيتُ بأناس يمدّون لي يد المساعدة، ولا أريد أن أغادر سويسرا، ليس لأجل المال ولا لأجل الحصول على الرعاية الصحية، وإنما، أنا هنا أشعر بالاحترام، وبأني إنسان".

100 ألف سوري في سويسرا؟

في مطلع شهر يناير 2015، وعبر رسالة موجهة إلى رئيسة الكنفدرالية، طالبت 28 منظمة وطنية الحكومة باستيعاب 100 ألف لاجئ سوري من خلال تبسيط الإجراءات.

ووفقا للمجلس السويسري للسلام، الذي يدعم هذه المبادرة، تشتمل التسهيلات على ضمان سفر آمن إلى أوروبا، والضغط على الإتحاد الأوروبي لكي يكون أكثر سخاء في استقبال اللاجئين.

تبدو فرص الإستجابة لهذا النداء ضئيلة، وهو: "أمر غير واقعي ومضحك"، حسب تعبير هاينتس براند، عضو حزب الشعب السويسري، الذي يرى أن الكانتونات السويسرية "قد بلغت الحد" ولم تعد لديها أماكن.

في المقابل، أوردت صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" عن مصادر وصفتها بالمطلعة، أنه من الممكن أن تشارك سويسرا في مشروع تجريبي للمفوضية الأوروبية يقوم على أساس أن تستقبل القارة الأوروبية ما مجموعه 10 آلاف لاجئ سوري.

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك