Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

تكلفـة المعيشة لا زالت مرتفعة


"جزيرة الغلاء" تتعرض لضغوط متصاعدة


بقلم ماثيو آلــن


لوحظ مؤخرا لجوء العديد من المتاجر السويسرية إلى خفض الأسعار بسبب ارتفاع قوة الفرنك. (Keystone)

لوحظ مؤخرا لجوء العديد من المتاجر السويسرية إلى خفض الأسعار بسبب ارتفاع قوة الفرنك.

(Keystone)

يزيد سعر زجاجة مشروب الكولا في سويسرا بـ 40% عن ألمانيا المجاورة. أما بعض أصناف اللحوم المجففة القادمة من إيطاليا فقد تكلف المستهلك في بلاد الألب خمسة أضعاف الثمن المُعتمد في منطقة اليورو. فهل يجب على الدولة السويسرية أن تتدخّل لخفض الأسعار أو أن يُترك الأمر لآليات تحكم السّوق؟

وفقا لمؤسسة حماية المُستهلكين في سويسرا الناطقة بالألمانية، تزيد تكاليف المُشتريات المنزلية بالنسبة للسويسريين بـ 15 مليار فرنك عمّا يدفعه جيرانهم الحدوديون في النمسا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

وفي الوقت الحاضر، يخططُ تحالف يضم مجموعات مدافعة عن حقوق المستهلكين، بدعم من قطاع الضّيافة، إلى إطلاق مبادرة شعبية لإجبار الحكومة على التحرّك ضدّ المُستوردين الذين "ينهبون" السّويسريين من خلال اعتماد أسعار باهظة. وتأتي هذه الخطوة بعد المُبادرة البرلمانية، التي أُطلقت في سبتمبر 2015، والهادفة إلى إحياء فكرة إعادة النظر في قوانين مُناهضة الإحتكار.

النقاش حول مسألأة اقتناء المستهلك السويسري لنفس المنتوج المعروض في البُلدان المجاورة ولكن بثمن أغلى بكثير، ليس وليد الأمس، بل يغلي على نار هادئة منذ سنوات طويلة. ولكن ارتفاع سعر الفرنك بصورة مفاجئة يوم 15 يناير 2015، على إثر تخلّي المصرف الوطني السويسري عن دفاعه عن العملة، سلّط المزيد من الضوء على "جزيرة الغلاء".

وقد يكون من المعقول أن نفترض أن القُـوة الشرائية المرتفعة للمستهلكين والشركات في سويسرا تسدّ بعض النقص الناجم عن مشاكل ارتفاع أسعار الصادرات والفنادق. ولكن المُورّدين في منطقة اليورو تعمّدوا منذ فترة طويلة اللجوء إلى فرض أسعار أعلى على السويسريين الذين يُعتبرون مُستهلكين أغنى نسبيا. وحسب تقديرات صدرت عن الحكومة الفدرالية في عام 2004، فإنه بوسع الشركات السويسرية توفير 65 مليار فرنك سنويا إن استطاعت الحصول على السلّع بنفس السعر الذي تدفعه الشركات في منطقة اليورو.

وفي تصريحات لـ swissinfo.ch، قال بيتر ديتريش، الرئيس التنفيذي للجمعية السويسرية لصناعة الآلات والمعدات الكهربائية والمعادن "Swissmem": "إذا ما ذهبت الشركات السويسرية إلى ألمانيا لشراء قطع غيار أو أدوات، فنحن نعلم أن مُورديهم سيفرضون عليهم سعرا عاليا مخصصا للسويسريين". ويواصل المسؤول في مجموعة الضغط هاته قائلا: "ينتهي بنا المطاف دائما ككبش الفداء الذي يتوجّب عليه دفع ثمن أعلى".

مبادرات في الإنتظار

كازيمير بلاتسر، الذي يرأس الفدرالية الوطنية لأصحاب المطاعم والفنادق السويسرية "Gastrosuisse"، يخشى من تفاقم هذه المشكلة الآن بعدما ارتفعت قيمة الفرنك مقابل اليورو. وهو يقود حاليا حركة تضم رجال أعمال ومجموعة لحماية المستهلكين، وتعمل على قدم وساق بُغية إطلاق مبادرة شعبية تحمل اسم "أسعار واردات عادلة".

وفي مقابلة مع صحيفة "تاغس أنتسايغر" (تصدر بالألمانية في زيورخ)، أضاف رئيس "غاستروسويس" التي تعد أيضا مجموعة ضغط أنه "ليس من العدل أن يكون سعر كيلوغرام واحد من لحم خنزير بارما الإيطالي مثلا لا يتجاوز 10 يورو (10,7 فرنك سويسري) في منطقة اليورو، بينما يصل إلى 50 فرنكا في سويسرا"، مُعربا عن اعتقاده بأن "القوانين السويسرية المناهضة للإحتكار ليست قوية بما فيه الكفاية لمنع المُوردين الأجانب من فرض أسعار غير معقولة في سويسرا".

بلاستر لم يذكر بالتحديد التاريخ الذي قد تظهر فيه المبادرة المُقترحة، كما لم يفصح عن أية تفاصيل إضافية تتعلق بنصها. ولكنه يزعم أن المزيد من فروع القطاع الصناعي تبدي دعمها للمبادرة.

وقد تمّ التصويت في العام الماضي ضدّ مشروع برلماني طويل الأمد كان يهدف إلى تحديث القوانين السويسرية المناهضة للاحتكار. ورُفض المشروع بسبب خلافات بين السياسيين وأطراف معنية أخرى ضمّت مجموعات أعمال مختلفة. ولكن هانس ألتهير، العضو في مجلس الشيوخ، أطلق مبادرة برلمانية جديدة في سبتمبر 2015 تهدف إلى ضمّ شركات لها حصص أقل في السوق من الشركات الإحتكارية الكلاسيكية.

غير أن الحلول المقترحة لم تنجح في إقناع رابطة الشركات السويسرية "economiesuisse" التي رفضت كلا المُبادرتين، لأن التحديد الدقيق للشركات التي قد تخضع للقانون المنقّح عملية صعبة، فضلا عن الإشمئزاز من مواجهة المزيد من القوانين.

عندما تنخفض الأسعار

في السياق، قال توماس بليتشر، المسؤول عن المنافسة والتنظيم في "رابطة الشركات السويسرية": "إن الفرق في الأسعار عنصر أساسي في أيّ اقتصاد يتحكّم فيه السوق، وأيّ تدخل من قبل الدولة في تحديد الأسعار ستكون له نتائج عكسية على المدى الطويل".

وأضاف بليتشير أن لجنة المنافسة السويسرية تتمتع بما يكفي من السلطة لوأد أيّ ممارسة ضارة مناهضة للمنافسة من قبل الشركات الإحتكارية في مهدها.

وعلى سبيل المثال، تمّ تغريم الشركة المُصَنعة لمعجون الأسنان "Gaba" في عام 2009 لأنها منعت عميلا نمساويا من إعادة بيع منتوجها في سويسرا. وبعد ذلك بعامين، تمّت معاقبة شركة "Nikon" بسبب عرقلتها للواردات الموازية، تلتها شركة "BMW" في عام 2012. ولازالت تجري تحقيقات أخرى في هذا المجال.

وقد انتهجت جمعية الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم مسارا شبيها برابطة الشركات السويسرية، في حين يظل بيتر ديتريش من "سويسميم" غير مقتنع بأن القواعد أو القوانين هي الطريقة المُثلى لمعالجة مشكلة ارتفاع الأسعار.

ومن المؤكد أن الأسعار عند الإستهلاك أخذت في التراجع منذ أن اتخذ المصرف الوطني السويسري قرار إلغاء عتبة الحد الأدنى لليورو مقابل الفرنك. وقد زُينت واجهات المتاجر في الشوارع بعلامات العروض المُميزة خلال الأسابيع القليلة الماضية، بينما يتدافع تجار التجزئة المحليون للترويج لسلعهم، بعد أن واجهوا انتقادات في عام 2011 لفشلهم في خفض الأسعار عندما ارتفعت قيمة الفرنك.

وكانت تُحرك معظم هذه الإجراءات طفرةٌ في سياحة التسوّق عبر الحدود في اتجاه منطقة اليورو. ويُقدر أن هذه الظاهرة تلحق بالمحلات السويسرية خسائر سنوية تُحتسب بالمليارات. ويقول منتقدو المبادرتين: "إن هذا بالتأكيد مؤشر على أن الأسواق التنافسية المفتوحة تعمل بالفعل".

بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة السويسرية لا تقبل الأسعار المرتفعة للموردين الأجانب كأمر واقع. فمن خلال التكاتف ضمن مجموعات شرائية واحدة، فإنها تزيد من قدرتها على مساومة الأسعار، بل هناك شركات صغيرة ومتوسطة أقدمت على تأسيس كيانات داخل منطقة اليورو لتتمكن من اقتناء السلع مثل أيّ من المشترين المحليين.

"السبيل الوحيد"

ومع ذلك، يعتقد مراقب الأسعار السويسري، ستيفان مييرهانس، أنه لازال يتعيّن بذل المزيد من الجهود لمنع المُورّدين والوُسطاء من التلاعب بالأسعار.

وأضاف مييرهانس في تصريحات لـ swissinfo.ch أن "الطريق التّـنظيمي هو السبيل الوحيد لمكافحة الأسعار الباهظة في سويسرا، وهذا يتطلّب تدخّل الدّولة لضمان عدم تشويه منافسة السوق".

ويتابع المسؤول الفدرالي المكلف بمراقبة الأسواق قائلا: "هنالك تشويه للمنافسة عندما لا يتمتع ناشر سويسري سوى بفرصة ضئيلة لإثبات حضوره في ألمانيا لأن سعر الورق مرتفع بنسبة تتراوح بين 20 و40% في سويسرا. إن الموردين الأجانب يقومون بتجزئة الأسواق وتقطيعها، وبذلك يُجبرون المستهلكين السويسريين على شراء سلعهم بأغلى سعر".

ما سبب غلاء الأسعار في سويسرا؟

أدت عوامل عديدة إلى اعتماد أسعار أعلى بشكل واضح في سويسرا بالمقارنة مع جيرانها الأوروبيين.

وتـُدرج في المعادلة أيضا الأجور المرتفعة وأسعار الإيجار. كما أن العديد من المنتجات المتخصصة الراقية التي توجد في سويسرا تتطلب قوة عاملة ماهرة للغاية، تتقاضى بالتالي رواتب عالية.

يؤكد توماس بليتشير من رابطة الشركات السويسرية "economiesuisse" أن الشركات السويسرية تدفع أجورا كبيرة للحصول على بعض أكثر العُمال إنتاجية، وعلى نظام تكوين مهني من بين الأفضل في العالم.

هناك أيضا الحواجز التقنية أمام التجارة عبر الحدود السويسرية، والتي حاولت الكنفدرالية كسرها في السنوات الأخيرة. ففي عام 2010، أدخلت المبدأ المعروف باسم "كاسيس دو ديجون" الذي يسمح للمنتجات التي تمّ تصنيعها وبيعها بشكل قانوني في أحد بلدان الإتحاد الأوروبي، أن تباع بدون قيود في بقية البلدان الأعضاء. ولكن عددا من المنتجات – في الصناعات الطبية، والكيماوية، والكهربائية – أزيلت عمدا من القائمة. ومن عوامل الغلاء الأخرى: ضرورة كتابة علامات السلامة باللغات الوطنية السويسرية الثلاث، وهو ما يرفع من تكاليف التعبئة.

ومن النظريات المتداولة أن المستهلك السويسري أكثر حساسية فيما يخص الجودة بالمقارنة مع نظرائه في البلدان الأخرى. ولئن كان السويسريون منفتحين أيضا على التساوم، فيبدو أنهم مستعدون دائما لدفع ثمن مرتفع للحصول على المنتجات التي تلبي معايير الجودة العالية.


(ترجمته من الإنجليزية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch

×