تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تحديات مُعاصرة برونو جوسّاني: "لا يمكن أن تكون التكنولوجيا محايدة"

بونو جوساني في الصورة

"هل لا يزال مارك زوكربيرغ نفسه يدرك فعلا حقيقة فيسبوك؟"، يتساءل برونو جوساني، في مقابلة مع إيريكا لانتزي، كورييري دِل تيتشينو، يشير بأصابع الاتهام إلى مفارقات المجتمع الرقمي ومخاطره ومزالقه.

(RSI)

ما مدى فهم الإنسان للآلات التي اخترعها وما مدى سيطرته عليها؟ الكاتب والمفكر برونو جوسّاني يرى بأن التكنولوجيا الرقمية أصبحت تشكّل خطرا متزايدا على الديمقراطية والمجتمع.

برونو جوسّانيرابط خارجي هو المنسق العالمي للمنظمة الفكرية "تيد رابط خارجيTEDرابط خارجي"، التي تعنى بتنظيم المؤتمرات حول "الأفكار الجديرة بالتداول"، تحت شعار "تيد TED" و "تيد اكس TEDx"، وتُخرِج أفلام فيديو تحت شعار "تيد توكس TED Talks" وتبثها عبر الانترنت.

وفيما يلي ننشر مقتطفات من المقابلة التي أجرتها معه إيريكا لانتزي ونشرتها صحيفة كُورييري دِل تيتشينورابط خارجي في 13 نوفمبر 2018.

swissinfo.ch: ما هي النظرة إلى التقدم التكنولوجي؟

برونو جوسّاني: نستطيع من خلال نظرة بعيدة المدى استخلاص عدّة نقاط، أولا: نشهد منذ بضع عقود نموا تكنولوجيا متسارعا، في حين أن كافة المؤسسات والنظم التي طورناها على مر القرون سارت في منحنى خطي.

ثانيا: إن للتطور التكنولوجي تأثير عميق على هويتنا الفردية والجماعية وعلى البنية الاجتماعية ككل، لأنه يغير طريقة تواصلنا مع العالم ونظرتنا له وعلاقاتنا مع الآخرين.

ثالثاً: التكنولوجيا لا تأتي من السماء، وليست محايدة قطعا، فمعظم ما نستخدمه منها تم تطويره من قبل مجموعة صغيرة من الأشخاص، معظمهم من الذكور، ومن المهندسين، وفي مكانين أو ثلاثة أماكن من العالم، ومن الجنس الأبيض أو الآسيوي، ومن الشريحة العمرية بين 20 و 40 سنة، يفرضون علينا طريقة تفكيرهم، وتؤثر نظرتهم، بشكل كبير جدا، على كل ما نفعله ونقوم به من خلال هذه التكنولوجيات.

swissinfo.ch: هل كانت التكنولوجيا التي نعرفها اليوم أمرا محتّما علينا؟

برونو جوسّاني: نعم ولا، فمن طبيعة هذه التكنولوجيا أنها حتمية، حيث لم يكن أمامنا بد من استخدام الهاتف النقّال بالنظر إلى التطور العلمي والتكنولوجي الذي قاد إلى اختراعه، ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للحال الذي وصلت إليه الهواتف الذكية وتطبيقاتها المختلفة في مراقبتنا والسيطرة على حياتنا، وقد كان من الممكن أن يكون لدينا وسائل أقل ضررا وأرقى أخلاقا، وتخدمنا لا أن تستعبدنا.

swissinfo.ch: كيف نميّز بين التقنيات الجيدة والضارة؟

الناظر إلى واقعنا اليوم، يجد بأن النشاط الذي يستقطب غالبية الناس، في البلدان الصناعية، هو التفاعل مع الشاشة

نهاية الإقتباس

برونو جوسّاني: لا توجد تكنولوجيا جيدة وأخرى ضارة، وإنما هناك طرق مختلفة لاستخدامها، فقد تصبح التكنولوجيا سيئة حين لا يكون أمامنا سوى التكيّف معها والسماح لها بتوجيه حياتنا، وقد تكون جيدة حين نستفيد من منافعها ونحسن التنبؤ بآثارها السلبية المحتملة ونحد منها أو نتفاداها، على المستويين الفردي والجماعي.

swissinfo.ch: كيف نتسلح في مواجهة التكنولوجيا؟

برونو جوسّاني: من المعلوم أن هناك تقنيات كألعاب الفيديو والهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي لها آثار سلبية وقد تولّد الإدمان، وكذلك نعلم بأن الذكاء الاصطناعي ممثلا في الروبوتات قد يقضي على العديد من الوظائف، التي لا يمكن تعويضها إلا جزئيًا، ولذلك، لابد لنا من تسليح أنفسنا، بأن نثقّف سواء الشباب أو البالغين، وأن نهذّب بعض أنواع التطبيقات والبرمجيات والمنتجات، وأن نتخذ التدابير الكفيلة بمواجهة المشاكل الاجتماعية الناشئة.

swissinfo.ch: كيف نتربى على التكنولوجيا؟

برونو جوسّاني: بالتأكيد أنه ليس ضروريا أن نصبح متخصصين في كل شيء، ولكني أقول أنه من غير الصواب أن تحمل في جيبك جهازا في غاية التطوّر، يسمح بمتابعة جميع المعلومات في العالم، ويراقب كل خطوة وحركة أو اتصال تعمله، دون أن تعرف نظام عمله ولا طريقة استخدامه.

وأعتقد أن من الأفضل، على سبيل المثال، تعليم الترميز "البرمجة" منذ المرحلة الابتدائية، لا لكي يصبح الجميع مبرمجين، فهذا ليس هو الهدف، لأننا نعلّم القراءة والكتابة لا لكي نصبح كلنا كُتّابا، وإنما لكون تعلّم القراءة والكتابة يتيح لنا فهم العالم، والتواصل، وتنظيم الأفكار، والتعبير.

والمهم في الموضوع هو أن لغة العالم أضحت تتألف، وبشكل متزايد، من البرمجيات والخوارزميات، ولكي يحيا الإنسان واعيا بما يدور حوله، عليه أن يتعلمها ويفهمها، والناظر إلى واقعنا اليوم، يجد بأن النشاط الذي يستقطب غالبية الناس، في البلدان الصناعية، هو التفاعل مع الشاشة (للهاتف المحمول أو للكمبيوتر أو للتلفزيون أو للوحة القيادة في السيارة أو لماكينات بيع التذاكر ...).

swissinfo.ch: ماذا تعني بقولك إن التكنولوجيا ليست محايده؟

برونو جوسّاني: خذ على سبيل المثال إحدى التقنيات المجانية، كالشبكات الاجتماعية، التي يتم إنشاءها على أسس سيكولوجية الإقناع أو "علم نفس الإقناع" من أجل التأثير على المستخدِمين وجعلهم أكثر اعتمادا أو ادمانا، بحيث يكون ما يُجمع من المعلومات الخاصة عن الشخص المستخدِم وسلوكه وأفكاره هو الثمن الذي يُدفع نظير الاستخدام، ويتم تصنيف وتبويب تلك المعلومات ثم بيعها لأصحاب الإعلانات الذين يقصفوننا فيما بعد بوابل من العروض الموجّهة، التي هي في العادة تجارية، وقد تكون سياسية أيضا.

هذا الأمر ظهر جليا خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وأحدث منه ما حصل في البرازيل وغيرها، وتكمن المشكلة في كون هذه الإعلانات التجارية أو السياسية سرعان ما يتم التلاعب بها بطريقة موجّهة لتمرير أخبار كاذبة أو رسائل زائفة.

swissinfo.ch: أليس قانون الخصوصية الأوروبي الجديد كافيًا لحماية بياناتنا الشخصية؟

برونو جوسّاني: هو بداية جيدة، ولكنه لا يزال غضا، فنظم الاتصالات الموجودة حاليا لا تكترث كثيرا بالخصوصية، وقد تم تطويرها بحيث تبدو صوريا متوافقة مع القانون، ولكنها في الحقيقة "تمتص" كل معلومة ممكنة مهما كانت، ولم تقف مثل تلك تصرفات عند مجرد سلوك شرير من قبل مبدعي التكنولوجيا، ولكنها أيضا غيّرت كثيرا مفهومنا للخصوصية.

وقبل ثلاثين عاما، كان مجرد فتح ملف سري يجرّ فضيحة، بينما قام 30 مليون شخص في عام 2018 بتركيب أجهزة أليكسا أمازون وهوم غوغل في منازلهم طوعا، ليتمكّنوا من الاستماع باستمرار إلى كل ما يدور خلف الجدران من حولهم".

swissinfo.ch: كان دوما هناك تقدم تكنولوجي، فلماذا نكثر من الحديث عنه اليوم؟ ألسرعته الخيالية؟

برونو جوسّاني: التكنولوجيا هي إحدى القواعد الأساسية المساهمة في تحقيق التقدم الاجتماعي والثقافي، وحينما نتحدث عنها لا نتحدث عن التكنولوجيا الرقمية فقط، واليوم يدور الحديث حولها أكثر لأنها تمنحنا قدرات وإمكانيات فائقة جدا مقارنة بالماضي.

وربما يكثر الحديث عنها أيضا باعتبار أن الذهنية الغربية تنظر نظرة اسطورية إلى قدرات التكنولوجيا الصناعية، لدرجة أن الطبيب الذي ينقذ حياة 300 شخص سنويا لا يحظى بالتبجيل الذي يبلغه شخص تمكن من إطلاق تطبيق جديد لمشاركة الصور.

اليوم هناك زيادة في ديمقراطية التعبير، ولكن هناك بالتأكيد قدرة أقل على تصفية المعلومات وتطوير التفكير النقدي

نهاية الإقتباس

swissinfo.ch: الابتكار ليس ديمقراطيا بتاتا، بينما شبكه المعلومات التي تُنشؤها التكنولوجيا هي قمة في الديمقراطية، أهذا وهم أم مفارقه؟

برونو جوسّاني: أعتقد بأنه مفارقة شاسعة، فاليوم هناك زيادة في ديمقراطية التعبير، ولكن هناك بالتأكيد قدرة أقل على تصفية المعلومات وتطوير التفكير النقدي.

نحن ننتج معلومات بزيادة كبيرة، ولكني لا أجرؤ على القول بأننا حققنا، خلال العقدين الماضيين، الكثير من التقدم في المعرفة والفهم، وتبدو كل المعلومات أمام تدفق المعلومات تبدو كلها متساوية (وتغريدة الرئيس تبدو مساوية لتغريدة الصديق)، فيُستهان بها وتُعامل معاملة عادية.

وأخيرا، سرعة انتشار المعلومات لا تدع وقتا للتفكير، بينما تفرض رد فعل فوري، ولا يمكن للنظام السياسي، حتى ولو كان قويا، تحمل هكذا سرعة على المدى الطويل.

swissinfo.ch: يقول البعض إن التكنولوجيا تجاوزت قدراتنا العقلية ...

برونو جوسّاني: في الحقيقة، أن هناك من يعتقد فعلا بأننا تجاوزنا قدراتنا النفسية، ويتساءل المرء عمّا إذا كان مارك زوكربيرغ نفسه لا يزال يدرك حقيقة فيسبوك، ليس فقط كنظام تكنولوجي، وإنما كنظام اجتماعي وثقافي؟

في الآونة الأخيرة، قال أحد مؤسسي إينستاغرام إننا نعيش بالنسبة لشبكات التواصل الاجتماعي حقبة ما قبل نيوتن، حيث أننا نعلم بأنها تعمل، ولكن لا نعرف كيف، ولا نعرف لماذا تُستقطَب المعلومات، ولا لماذا أصبحنا نعتمد بشكل متزايد على هذه التقنيات، ولا لماذا نندفع في الرد بفظاظة على بعض الرسائل.

swissinfo.ch: نحن بحاجة إلى فلاتر لتصفية المعلومات، ومن أجل ذلك نستخدم الخوارزميات. هل يعني هذا أن التكنولوجيا والآلات ستحل محل أدمغتنا؟

برونو جوسّاني: هناك منافسة قوية بين قدرة أدمغتنا على استيعاب المعلومات ومعالجتها وقدرة الآلات على نشر المعلومات على نطاق واسع، وهناك أيضا تناقض أساسي، إذ كيف يمكن، على سبيل المثال، تتبع 1742 شخصًا على تويتر بكفاءة؟ هناك صخب كثير.

ويمكن للفلاتر الخوارزمية أن تكون إيجابية إذا ساعدت على استخلاص معلومات مهمة، ولكنها وللأسف تستخدم لتحديد المعلومات التي نتفاعل معها أكثر (كأن تهيّج أعصابنا أو تؤكد قناعاتنا)، وبالتالي تجلب مشاركة أكثر، وتسهل للشركات جني الأرباح عن طريق الإعلانات.

swissinfo.ch: كيف نمتلك المبادرة حيال التكنولوجيا بدلا من الاستسلام؟

برونو جوسّاني:  الجواب القاطع، هو أن نتوقف عن التعاطي مع شبكات التواصل الاجتماعي. والأمر المستغرَب هو لماذا يرسل رجال الأعمال في منطقة وادي السليكون جنوب خليج سان فرانسيسكو في كاليفورنيا الأمريكية، وهم الأعرف بالتكنولوجيا لأنها صُنعت بأيديهم، أبنائهم إلى المدارس التي لا يوجد فيها شاشات، ويحظرون عليهم استخدام الهواتف المحمولة حتى سن المراهقة، ويضمّنون عقود المربيات شروطا صارمة جدا تكفل حظر استخدام الشاشات.

مع ذلك، يبدو الأمر في غاية الصعوبة، نظرا لوجود جحافل من المهندسين والأخصائيين النفسيين الذين يهتمون في تصميم الأنظمة والواجهات التي تورّث لدينا التبعية والاعتماد، وبناء عليه، ليس أمامنا سوى العمل على ترشيد استخدامها.

ومن المثير للدهشة أننا نهتم كثيرا بما تأكله بطوننا، بينما لا نهتم إلا قليلا بشأن المعلومات التي نغذي بها عقولنا، ونعتقد أننا أقوياء، ويمكننا الدفاع عن أنفسنا، في حين أن كل ما يرد على الشاشة يدخل رؤوسنا بدون فلاتر، وهذا أمر في غاية الخطورة، لأنه يحدد العلاقة بين بعضنا البعض، كما يحدد كيفية قراءتنا لأحداث العالم من حولنا، ونكون واهمين جدا لو أننا اعتقدنا أنه سيكون بإمكاننا لاحقا تنظيف الصور داخل رؤوسنا. 

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك