Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

جنيف - 2 مجرد "استراحة محارب"


"مفاوضات الظلال" تنتظر "صفقات" كيري - لافروف


بقلم سعد محيو - بيروت


وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (على اليمين) رفقة نظيره الأمريكي جون كيري في أعقاب ندوة صحفية مشتركة عقدت يوم 14 سبتمبر 2013 في جنيف. (Keystone)

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (على اليمين) رفقة نظيره الأمريكي جون كيري في أعقاب ندوة صحفية مشتركة عقدت يوم 14 سبتمبر 2013 في جنيف.

(Keystone)

"جنيف - 2 أضخم مؤتمر دولي حول سوريا، لكن من دون سوريين". هذا قد يكون المضمون الحقيقي لمؤتمر جنيف - 2 الذي افتتح في مونترو غرب سويسرا يوم 22 يناير 2014. لماذا الصورة على هذا النحو، أي مؤتمر سوري من دون سوريين؟ ببساطة، لأن الأطراف السورية التي تُمسِك الآن بخِناق بعضها البعض، تبدو كزوْج وزوْجة وصلت علاقتهما إلى ذِروة الكراهِية، إلى حدّ التخطيط لقتل بعضهما البعض. ومع ذلك، تتدخّل "سُلطة عليا" وتجرّهما مُكرهين على الجلوس إلى طاولة لا يريدانها وليتفاوضا حول حلول لا يبْغِيانها.

فالمعارضة السورية، بكل أطيافها السياسية المتباينة وألوانِها السياسية المتطايِرة، تشترِط سلفاً أن يسفر جنيف - 2 عن رحيل الرئيس بشار الأسد وحلول حكومة انتقالية مكانه، وهي تفسّر قرارات مؤتمر جنيف - 1 في 30 يونيو 2012 على أنه لا يعني غير هذا الأمر بالتحديد.

هذا في حين أن نظام الأسد يرفض كل أصناف المعارضة ويصنّف غالبيتها الكاسِحة، على أنها إما إرهابية أو تكفيرية أو عميلة للخارج. كما أن الأسد نفسه أبدى بوضوح خلال الأسابيع القليلة الماضية، ليس فقط رفضه التنحّي، بل أيضاً رغبته في الترشّح مجدداً للرئاسة، التي ورثها من والده وجلس على عرشها منذ عام 2000. وقد ذهب وفْده إلى المفاوضات وهو مُقتنِع أن الحلّ الأمني - العسكري الذي يُـنفِّذه بدعْم قوي من موسكو وطهران، بدأ يُـؤتي أكله.

وفوق هذا وذاك، فَقَدَ كلّ من النظام والمعارضة زِمام المبادرة في الحرب المُدمِّرة الدائرة في البلاد منذ ثلاث سنوات، لصالِح القِوى الخارجية التي تُموِّلها، وباتت تديرها من ألِفها إلى يائِها.

فقبل نحو خمسة أشهر، كان النظام يزجّ كلّ أوراقه الإستراتيجية تقريباً في أتُـون المعركة: من مشاركة حزب الله اللبناني (ما بين 5 إلى 7 آلاف مقاتل، وِفق تقديرات رسمية فرنسية) في المعارك، إلى دخول وحَدات كامِلة من الحرس الثوري الإيراني (كقوات تدريب ودعم ولوجستيك) إلى الخِدمة الفِعلية والمباشرة مع الجيش النظامي السوري، مروراً بتدفّق آلاف الشِّيعة العراقيين والباكستانيين وغيرهم، للمشاركة في القتال إلى جانب الميليشيات المَذهَبية التي شكّلها فيْلق القدس في الحرس الثوري الإيراني.

علاوة على ذلك، كان النظام يوظّـف كل الطاقات التكنولوجية العسكرية والأمنية، الروسية والإيرانية (التخطيط العسكري واستخدام المَدافع المدارة إلكترونياً والطائرات من دون طيار وتطوير عمليات القيادة والرّبط والإتصالات.. إلخ) في عمليات الهجوم الواسِعة، التي تمّ تنفيذها على مدى الشهور الأخيرة.

كل هذه التوظيفات أثْـمرت بعض الإنتصارات للنِّظام وحُلفائه، حيث تقوم الميليشيات الشيعية بالقِتال على الأرض، خاصة في منطقة الحدود مع لبنان الإستراتيجية للغاية بالنسبة إلى إيران، فيما تكتفي قوّات النظام بقصْف المدنيين من بعيد بالطائرات والمدفعية.

وفي دراسة جديدة للخبير البارز في الشأن السوري فريديريك هوف، يعتقد "المجلس الأطلسي" أن النظام وإيران يعتبِران أن السيْطرة على دمشق الكُبرى وامتداداتها إلى جبال العلَويين وسواحلهم، يمكّنهما من الإمْساك بأهَم مفاصِل الجغرافيا السورية الثرية، فيما بقِية المناطق التي تسيْطر عليها المعارضة فقيرة و"ستتعفّـن" مع مرور الزمن أو تسقط لُقمة سائِغة من تِلقاء نفسها بين أشداق النظام. أما قرار النظام بالذهاب إلى مفاوضات جنيف، يضيف المجلس، فلم يكُن له من هدف سوى إرضاء موسكو ومنحِها أوراقاً تفاوُضية قوية مع واشنطن.

تدويل الصراع

هذه التطوّرات المحلية السورية، جنْباً إلى جنب مع التبعْثُـر الأسطوري للمعارضة السياسية في الخارج وحروبها الدموية بين بعضها البعض في الداخل، أخرجت الحرب في سوريا، كما أسلفنا، كلياً من سِياقها الداخلي ووضعَتها برمَّتها في أحضان القوى الدولية والإقليمية. ومنذ ذلك الحين، بات قرار الحرب والسلام في بلاد الأمويين يمُـر في واشنطن وموسكو، ويتراقَص على أبواب الرياض وطهران وأنقرة، وصولاً حتى إلى أقاصي الشرق الآسيوي في بلاد الهان (الصين).

جيمي كارتر، الرئيس الـ 39 للولايات المتحدة، عبّر عن حقيقة التدويل والأقلمة (من إقليم) الكامِلة للأزمة السورية بالقول أن "الحرب السورية باتت حرباً لا تُربَح. ولأن القوى السورية ترفُض بعضها البعض، فإن مفاوضات مؤتمر جنيف - 2 ستفشل. ولذا، لا مناص من منْح الأولوية للحلول الخارجية، وبالتالي، من قيام الدول الكُبرى بفرْض الحلول على السوريين".

وهذا ما رآه أيضاً الإسباني خافيير سولانا، مسؤول الشؤون الأمنية والخارجية السابق في الإتحاد الأوروبي، الذي قال إن "نفض الغُبار عن قرارات جنيف - 1  بعد سنة من توقيعها، خطوة إيجابية، لكنها عُـرضة إلى مخاطِر جمّة قد تُطيح الكيان السوري نفسه وتفجِّر الوضع الإقليمي برمّته. ولذلك، لابد من تدخُّل خارجي".

كلام واضح؟

بالتأكيد، لكنه يبدو أيضاً كلاماً رغائبياً إلى حدٍّ كبير أو هو على الأقل ينتظر مآل الصّفقات على جبهتيْن مُتلازمتيْن: جبهة العلاقات الأمريكية - الروسية وجبهة الحوارات الأمريكية - الإيرانية.

على الجبهة الأولى، برزت متغيِّرات واضحة خلال الشهرين الماضيين. فقد تمكّـنت واشنطن وموسكو فجْأة من إبرام صفقة لم تخطُر على بال، حين توافقتا على تفكيك التّرسانة الكيميائية السورية "في أسرع وقت ممكِن"، وبالتالي، على وقْف الضربة الجوية - الصاروخية الأمريكية التي كانت مقرَّرة ضد النظام السوري، وهذا فتح الأبواب على مِصراعيْها أمام العاصمتيْن لوصل ما انقطع بينهما من مساومات حول الأزمة السورية عام 2012. وهكذا، وُلدت صيغة مؤتمر جنيف - 2، وعلى الفور ألمح كل من الوزيران لافروف وكيري أن أيّ طرف سوري يعارض حضور هذا المؤتمر "سيتعرّض إلى عقوبات روسية وأمريكية صارمة".

الوفاق الروسي الأمريكي (وإن كان مؤقتا) حيال سوريا، شمل أيضاً استعداد واشنطن لمنْح موسكو الدّور الأبرز في حلّ الأزمة السورية، هذا علاوة على الوِفاق الأهَم المتعلِّق بحربهما ضد موجة التطرّف الإسلامي، التي اجتاحت المشرق العربي في الأعوام الأخيرة.

الجبهة الإيرانية

بيْد أن فتح الأبواب لم يعنِ تبخّر التبايُن في وجهات النظر حول طبيعة الحلول في سوريا، وهنا دخلت على الخط مُعطيات الجبهة الثانية، أي الحوارات الأمريكية - الإيرانية.

فقد كانت طهران، ومعها موسكو، تضغطان بقوّة  لتحويل الإتِّفاق النووي الإيراني - الغربي إلى مدخل لاتِّفاقات إقليمية حول مسألة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. موسكو تحمَّست لهذه الفكرة، ليس لأنها تعتبر إيران حليفاً يُعتدّ به (الشكوك حول النوايا بين البلدين تاريخية، كما هي آنية وأيديولوجية)، بل لأنها تعرف أن نفوذها على النظام السوري لا يكتمِل من دون ضوءٍ أخضر إيراني.

بيْد أنه لم يكن وارداً بالنسبة إلى واشنطن قبول مشاركة إيران في جنيف - 2 لسببين مُقنعيْن: الأول، أن إيران كانت ستسعى، في حال حضورها المؤتمر، إلى نسْف مقرّرات جنيف 1، لأنها تعتبِر بقاء الأسد في السلطة (حتى إشعار آخر)، ورقة ثمينة لا يجب التّفريط بها بسهولة.

والثاني، أن واشنطن ليست مستعِدّة، لا الآن ولا بعد عقديْن، لاستبدال تحالُفاتها السعودية والخليجية والتركية والإسرائيلية بحِلف إقليمي مُنفرِد مع إيران. كل ما تريده إدارة أوباما في هذه المرحلة، هو سحب أمريكا من جلجلة حروب "مبدأ كارتر"، الذي جعلها قوة إقليمية تدخلية في كل شؤون الشرق الأوسط، ووضعها في سفينة قيادة حربية قُبالة الشواطئ المتوسطية لتُدير من هناك كالمايسترو لُعبة موازين القِوى من بعيد.

راي تقية، الباحث الأمريكي، الإيراني الأصل،  أوضح هذه النقطة بالتحديد، حين شدّد على أن أمريكا "في حاجة إلى صفقة نووية مع إيران، لكن ليس إلى وِفاق (إقليمي) معها"، وهو حذّر من أن إيران، كما الإتحاد السوفييتي قبلها، "قد تحاوِل فهْم اتفاقات الحدّ من التسلّح على أنها تأشيرة دخول إلى عملية توسيع النفوذ الإقليمي، خاصة في سوريا، إضافة إلى العراق".

إلى أين؟

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟ إنها تعني ببساطة، أن جنيف - 2 هو في الواقع مجرّد "استراحة مُحارِب" أو "مفاوضات ظلال" بين الأطراف السورية، فيما المفاوضات الحقيقية تجري بين واشنطن وموسكو اللّتيْن تستخدِمان كواليس جنيف - 2 كمِنْـبر لطرح الشروط والشروط المضادّة.

أما سوريا نفسها، فستبقى بَـيْدقاً في لُعبة شطرنج دولية كُبرى جديدة، يُفتَـرض أن يولَد من رحمها نظام دولي جديد، بدأت معالِمه تتّضح شيئاً فشيئاً في استراتيجية الاستدارة الأمريكية شرقاً نحو آسيا (Pivot ) وفي التحالف (المؤقّت) الصيني – الروسي، لتقليم أظافر الزّعامة الأمريكية في العالم عبْر كلٍّ من سياستيْ "القضم التدريجي" الروسية الشهيرة و"الصّبر التاريخي" الصيني الأشهر، وفي بروز مجموعتيْ العشرين والبريكس، كبديل عن مجموعة  السبعة الكبار الغربية (مع روسيا لاحقا)، التي حكَمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وحين يبرز هذا النظام العالمي الجديد، الذي يجد الآن في جنيف - 2 إحدى تمخّضات ولادته، قد ينجلي المشهد عن خريطة شرق أوسط جديدة، يحلّ فيها بريماكوف وكيري (أو من يخلفهما) مكان سايكس وبيكو، ويُعاد رسم خرائِط الدول من جديد، انطلاقاً من سوريا أولاً ثم العراق، أو العكس.

swissinfo.ch



وصلات

×