Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

حقوق إنسانية


"في معظم البلدان.. يكتفي المُهاجرون بالإختفاء"


بقلم سكوت كابر


الهجرة ليست ظاهرة جديدة. في الصورة، عمّـال مهاجرون خلال سفرهم بواسطة القطار بين سويسرا وإيطاليا في الخمسينات. (RDB)

الهجرة ليست ظاهرة جديدة. في الصورة، عمّـال مهاجرون خلال سفرهم بواسطة القطار بين سويسرا وإيطاليا في الخمسينات.

(RDB)

فيما تستعد سويسرا للحد من عدد الأجانب الوافدين على البلاد، يقول فرانسوا كريبو François Crépeau، مقرر الأمم المتحدة الخاص حول حقوق الإنسان والمهاجرين، "إننا بحاجة لإعادة النظر في فهمنا للهجرة"، بل يدعو إلى "نزع الهالة عن الفكرة القائلة بأن الجنسية تمثل الولاء الأول والأخير" للإنسان.

في التاسع من فبراير 2014، أيدت أغلبية ضئيلة من الناخبين السويسريين مقترحا يدعو لإعادة اعتماد نظام الحصص في مجال الهجرة، ما يعني عمليا، نسف الاتفاقية الخاصة بحرية تنقل الأشخاص المبرمة بين سويسرا والاتحاد الأوروبي.

المبادرة دعت أيضا إلى إقرار مزيد من التضييقات، لأن أهم مؤيد لها، وهو حزب الشعب السويسري اليميني، اعتبر أن أعدادا كبيرة من الأجانب تتوافد على البلاد، متسبِّـبة في إيجاد ضغوط متصاعدة على عدد من القطاعات، مثل النقل العمومي والمساكن المتوفِّـرة أو في سوء استخدام أنظمة الرعاية الاجتماعية والبطالة في سويسرا. إضافة إلى ذلك، يعتقد الحزب أنه من مصلحة سويسرا أن تكون قادرة على تدبير المسائل المتعلقة بالهجرة، باستقلالية بعيدا عن أي مؤثرات أجنبية.

في مقابل ذلك، يحاجج كريبّـو بأن، الحد من الهجرة لن يُقضي عليها تماما، وهو يعتقد بأنه إذا ما أصبح للمهاجرين صوت يُـسمع وأمكن لهم التأثير في المجال السياسي، فإن احتياجاتهم وإسهاماتهم ستحظى بقدر أكبر من الاعتراف والقبول.

يجدر التذكير بأن أهم وظائفه بصفته مقررا خاصا لدى الأمم المتحدة، تشمل البحث عن السُّـبل والوسائل الكفيلة بتجاوز العقبات القائمة، من أجل توفير حماية شاملة وفعلية للحقوق الإنسانية للمهاجرين أينما كانوا.

swissinfo.ch: هل ترى أنه من المعقول إقرار بعض التضييقات على الهجرة، من قبيل الحصص؟

فرانسوا كريبُـو: الهجرة كانت دائما موجودة وستظل قائمة على الدوام. إنها جزءٌ من الكينونة البشرية. وإلى حد الآن، لم تتوقف أبدا باستثناء فترات الحروب. فالحدود سمحت دائما بالعبور، كما أمكن للبشر العثور على طُـرق للالتفاف عليها.

النقاشات الدائرة حول الحصص في سويسرا وبلدان أخرى، تُـظهر وجود أحزاب سياسية تضع قضايا الهجرة على جدول أعمالها. لكن هناك أيضا فئة رجال الأعمال التي لديها ما تقول حول الموضوع، مثلما هو الحال بالنسبة للنقابات وللمنظمات الدولية. هذه النقاشات ضرورية، لأن المجتمعات بحاجة لاستيعاب الهجرة كواقع معيش. فهذه المسألة ليست الاستثناء، بل القاعدة.

لكن السياسات المتعلقة بالهجرة، لا تُـناقش في الوقت الحاضر، إلا من طرف المواطنين، وهي تدور دائما حول المهاجرين، دون أن تُـبحث مع المهاجرين أنفسهم. هذا يوضِّـح السبب الكامن وراء البُـطء الذي اتّـسم به النقاش المتعلق بالهجرة، مقارنة بالجدل المتعلِّـق بحقوق المرأة أو المثليين من الرجال والنساء، على سبيل المثال. لقد تحركت هذه القضايا بوتيرة أسرع على جدول الأعمال السياسي، لأن الأشخاص المعنيين أكثر من غيرهم (بالتقدم فيها)، تمكّـنوا من المشاركة فيها وعرضوا وجهات نظرهم وأقنعوا قطاعا عريضا من الجمهور بأنهم على حق.

swissinfo.ch: يبدو أن هناك الكثير من المشاعر المعادية للأجانب وللمهاجرين في الخطاب السياسي الحالي. كيف تفسِّـر طغيان هذه الظاهرة، إذا ما كان يتعين اعتبار الهجرة أمرا عاديا، حسب رأيك؟

فرانسوا كريبُـو:  يكمُـن السبب الأهم في أن المهاجرين لا ينتخبون ولا يُـنتخبون، لذلك فإن احتياجاتهم لا تؤخذ بعين الاعتبار. فليس هناك أي محفِّـز لرجال السياسة يدفعهم للدفاع عن المهاجرين، كما أنهم لا يُـعاقبون إذا ما تخلّـوا عن ذلك. في الأثناء، استمر بعض الساسة في قول أشياء سخيفة بشأن المهاجرين على مدى ثلاثين عاما، دون أي تراجُـع.

قبل 30 عاما، قال جون ماري لوبين (مؤسس حزب الجبهة الوطنية اليميني في فرنسا): "مليونان من الأجانب، يعني مليونان من العاطلين عن العمل"، وهو يقصد بذلك أنه إذا ما أجبِـر المهاجرون على المغادرة، فإن الفرنسيين سيتمتعون بالتشغيل الكامل. إنه أمر مثير للسخرية، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالعلوم الاجتماعية، لكن إذا ما سألت أغلب الناس في الشارع اليوم، تجد أنهم لا زالوا يعتقدون بوجود علاقة سببية (بين الأمرين)، في حين أنه لا وجود لها.

رجال السياسة يُـمكن لهم الإفلات من المساءلة في مثل هذه الحالات، لأن المهاجرين لا يتكلمون، ذلك أن معظم الأجانب يعتقدون أن الاستراتيجية الأفضل تتمثل في تجاهلهم والسير إلى الأمام

، لا تُـحدث جلبة، لا تُـلفت النظر إليك، لا أحد يسمعك، (والنتيجة) أن المهاجرين يختفون من المشهد في معظم البلدان.

الجدل حول الأجانب في سويسرا

على مدى العشريتين الماضيتين، كان حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) وراء معظم النقاشات والسجالات المتعلقة بالأجانب في سويسرا.

اهتم الحزب بالخصوص بمسألة اللجوء من خلال الدعوة إلى تشديد القوانين وبملف الاندماج الأوروبي من خلال التصدي لأي تقارب في العلاقات بين سويسرا والاتحاد الأوروبي.

مع ذلك، وإلى حدود التصويت الذي جرى يوم 9 فبراير 2014، هوزم حزب الشعب في كل الاقتراعات التي حاول فيها معارضة الاتفاقيات الثنائية بين برن وبروكسل والاتفاقية المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص بشكل خاص.

في الأثناء، دفع التنامي المسجل في قدوم العمّـال الأوروبيين إلى سويسرا في السنوات الماضية، الحزب إلى إطلاق أول مبادرة يدعو فيها إلى كبح جماح هجرة العمّـال الأجانب.

هذا المقترح جاء متساوقا مع سياسات الحزب خلال العشرين عاما المنقضية، لكن يجدر التذكير بأن نفس الحزب انتقد خلال السبعينيات المبادرات المناهضة لـ "تضخم عدد الأجانب"، باعتبارها "غير مقبولة من وجهة نظر إنسانية واقتصادية"، بل عبّـر حينها عن ابتهاجه بما لقيته من رفض واضح في صناديق الاقتراع.

swissinfo.ch: هل يجد المهاجرون صعوبة في رد الفعل أيضا، لأن الهجرة تقترن في معظم الأحيان (في الأذهان) بالجريمة والخروج عن الشرعية؟

فرانسوا كريبُـو: لقد تم تصوير الهجرة على أنها أمر غير عادي وبوصفها شيئا يُـفترض عدم حدوثه. لقد وُصِـف المهاجرون باعتبارهم تهديدا قادما من الخارج. إنه الخوف القديم من الغزاة. في الأثناء، اتسمت اللغة المستخدَمة للحديث عن المهاجرين في مجمله، بالسيولة، إذ يجري الحديث عن مدٍّ وجزر، ويُـقال: يتعين علينا التصدّي للمدّ أو التوقّـي من تدفّـق المهاجرين. إذا كنت تتحدث عن موجات وأفواج وتسونامي من المهاجرين، فإن الأمر يعني الحديث عن كتلة لا تمييز فيها ولا وجود فيها للأفراد. إنه أمر خطير، لأنه يتعلق بكتلة. في معظم الأحيان، يوصف المهاجرون بأنهم مجموعة، فعلى سبيل المثال، سيقول الجمهور هناك عدد كبير جدا من المسلمين في البلاد، لكن محمد شاب جيد.

إن هذا التمييز بين الكتلة والفرد، مسألة تحركت ضدها بعض المجموعات كالنساء والمثليين. فقد قالوا إنهم ليسوا مجموعة، بل إن جميعهم أفراد، فهم لا يريدون أن يُـوجّـه الخطاب إليهم باعتبارهم مجموعة لا تستطيع فعل أي شيء. في الأثناء، لا زال المهاجرون يوصفون لأنهم مجموعة (أو كتلة) تفتكّ مواطن العمل وتفاقم غياب الأمن، على سبيل المثال. هذا التوصيف وهذه الأساطير وهذه المبالغات، لا تجد مَـن يتصدى لها، لأن الأشخاص المعنيين أكثر من غيرهم بهذا النقاش، لا يتجندون، كما أننا – بوصفنا مواطنين – لا نتجنّـد لفائدة المهاجرين.

swissinfo.ch: إذن، ما هي الحلول المتاحة لزيادة نسبة قبول الجمهور بالهجرة؟ هل تكمُـن في اندماج أفضل أم في منح أسرع للجنسية؟

فرانسوا كريبُـو: المهم، هو الإنصات إلى المهاجرين أنفسهم، ما الذي يريدون فعله؟ هل يرغبون في الاستقرار في بلد ما؟ وفي تلك الحالة يتعين علينا إمدادهم بالوسائل التي تساعدهم على الإقامة فيه، ومن بينها آليات الاندماج، مثل التأكد من أنهم يجيدون الحديث بلغة البلد، وأنهم مندمجون في سوق الشغل. وإذا ما وقع الاختيار عليهم (للهجرة إلى بلد ما)، لأن خبرتهم المهنية تتلاءم مع احتياجات البلد، فيجب أن نمنحهم شكلا من أشكال الإقامة الدائمة المؤدية للحصول على الجنسية بسرعة.

يتعين علينا أيضا أن نُـزيل الهالة المحيطة بقضية الجنسية. ما هي الجنسية؟ بالنسبة للعديد من الأشخاص، فإن قدوم المرء من شمال أوروبا، يعني أن يكون أبيضا ومسيحيا، وقد كان هذا التصور السائد لفترة طويلة جدا. هذا الأمر بصدد التغير، وأنا أعتقد أن الأجيال الشابة درست في فصول ومعاهد متعددة الأعراق، لذلك، فلن تكون لديهم نفس الفكرة عمّـا يعنيه أن تكون سويسريا أو سويديا أو هولنديا أو دنماركيا، مقارنة بأجدادهم. هذا التغيير في المواقف، يعني أن فكرة المواطنة بصدد التطور.

من خلال حركية اليد العاملة والعولمة، نُـقرّ بأن تعدد الجنسيات أصبح حالة قائمة. فهؤلاء الأشخاص يُـعتبرون وسطاء بين بلدان واقتصاديات وبيئات أعمال متنوِّعة وفضاءات ثقافية وأن بإمكانهم إنتاج الثروة للبلدين، لذلك، يتعين علينا الإقرار بقيمة تعدد الجنسيات.

هذا يعني أن الخطاب الموجّـه للجمهور من طرف رجال السياسة حول المواطنة، يحتاج إلى أن يتغيّـر. فلا زالت هناك معارك تجاوزها الزمن تتعلق مثلا بعدم الوثوق في الأشخاص الحاملين لأكثر من جنسية أو بعدم السماح للأشخاص باختيار الجنسية الملائمة لهم، في تجاهُـل لإقدام كثيرين على ذلك. إنها مجرد أسطورة أخرى تتغذى منها الحركات الشعبوية.

فرانسوا كريبُـو

مواطن كندي وأستاذ في القانون الدولي العام في كلية القانون بجامعة ماك غيل McGill في مونتريال. عُـين في عام 2011 مقررا خاصا للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان والمهاجرين، وهو عضو في الجمعية الملكية لكندا منذ عام 2012.

في أبحاثه الحالية، يتركز اهتمامه على آليات مراقبة الهجرة وعلى حقوق الأجانب وعلى المفاهيم المتعلقة بالأمن لدى تطبيقها على المهاجرين، إضافة إلى حكم القانون بوجه العولمة.

تحدث كريبو إلى swissinfo.ch في موفى أبريل 2014 على هامش تظاهرة علمية سلطت الأضواء على حقوق المهاجرين، نُـظمت من طرف معهد التجارة الدولية في جامعة برن.

swissinfo.ch: هل يعني هذا أنه يجب التفريق بين المواطنة والهوية؟

فرانسوا كريبُـو: خلال المائتي أو ثلاثة مائة عام المنقضية، تم تقليص الهوية في أغلب الأحيان، لتقتصر على الهوية الوطنية وعلى انتماء شخص إلى دولة ما. لقد حُـوِّلت الهوية الوطنية إلى المقياس الأعلى لتحديد هوية الأشخاص، لكن الهوية والمواطنة يمثلان أوجها مختلفة من شخصياتنا.

فعلى سبيل المثال، أن تكون فرنسيا، قد يكون أقل أهمية من أن تكون أمّـا. فالكثير من الأشخاص يغادرون بلدهم الأصلي لأنهم يتزوجون شخصا من بلد آخر وينتقلون للإقامة في الخارج. هذا لا يعني أنهم لا يحبون بلادهم الأصلية، لكن (ارتحالهم) جاء لأن ملمحا آخر من شخصيتهم أصبح أكثر أهمية في تلك اللحظة من حياتهم، لذلك يتوجب علينا نزع الهالة عن الفكرة القائلة بأن الجنسية تمثل الولاء الأول والأخير.


(نقله من الإنجليزية وعالجه: كمال الضيف), swissinfo.ch



وصلات

×