Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

سباق عالمي لاجتذاب الشركات الأجنبية


"سويسرا لم تعُد الموقِع الذي يسعى الجميع للتوجّه إليه بالضرورة"


بقلم بيتر سيغنتالر


في الصورة، بدء عملية التخلص من المباني القديمة لمصنع "Luterbach" في سولوتورن لإفساح المجال لاستقبال شركة Biogen، عملاق الصناعات الدوائية الأمريكي الذي يُخطط لتشييد موقع إنتاج يُوفّـر 400 موطن عمل على أقل تقدير. (Keystone)

في الصورة، بدء عملية التخلص من المباني القديمة لمصنع "Luterbach" في سولوتورن لإفساح المجال لاستقبال شركة Biogen، عملاق الصناعات الدوائية الأمريكي الذي يُخطط لتشييد موقع إنتاج يُوفّـر 400 موطن عمل على أقل تقدير.

(Keystone)

ما زالت سويسرا تُصنّف ضِمن أكثر المواقِع العالمية جاذبية بالنسبة للشركات الأجنبية. لكن التشدّد الذي تتبعه الكنفدرالية في سياسة الهِجرة بشكل خاص، واعتمادها لإصلاحات تحد من الأنظمة الضريبية التفضيلية للشركات الأجنبية، تُثير حالة من الشك وعدم اليقين في صفوف المستثمرين الدوليين. 

وكما يرى المشرفون على الترويج للمواقع في أقوى المناطق الإقتصادية السويسرية، تُعتَبر حرية تنقل الأشخاص عاملاً حاسماً، لاسيما للشركات ذات القيمة المضافة العالية.

وِفقا للدراسات السنوية المُعَدَّة من قِبَل عملاقيْ المصارف السويسرية "كريدي سويس" و"يو بي أس"، يحتلّ كانتون "تسوغ" بِلا منازِع مركز الصدارة في قائمة الكانتونات السويسرية الأكثر جاذبية. ويعود الفضل في تبوُّء الكانتون الصغير هذه المكانة المرموقة إلى أربعة عوامل، تتمثل بالأطر المالية وإمكانات استقطاب الكوادر المتخصصة والإرتباط الجيِّد لوسائل المواصلات، فضلاً عن الإستقرار.

"عندما تختار الشركات الإستقرار في موقع معيَّن، تقِف هذه العوامل في مقدِّمة جداول أعمالها"، كما يقول بيات باخمان، مدير مكتب الترويج الإقتصادي في كانتون تسوغ. وعلى افتراض حدوث أي تغيير يُذكَر في جاذبية سويسرا، فسيتَّضح ذلك سريعاً في تسوغ، من خلال أعداد الشركات الجديدة التي تستقِر في الكانتون مثلاً، والتي تقلّصت - كما حدث في جميع أنحاء سويسرا - بشكل كبير خلال العامين المنصرمين، وِفقاً لباخمان.

"إن لهذه الظاهرة علاقة واضحة مع حقيقة إنخفاض جاذبية سويسرا لدى المستثمرين الأجانب، من جرّاء استفتاءات معيَّنة. ويتمثل العامل السّلبي الرئيسي الأهم في الوقت الراهن، بمسألة توفر العمالة المتخصّصة"، كما يقول باخمان، في إشارة إلى مبادرة "ضدّ الهجرة الجماعية" التي اعتمدها الناخبون السويسريون يوم 9 فبراير 2014، والدّاعية إلى وضع حدٍّ للهجرة المكثفة، من خلال تحديد سقْف أعلى وتخصيص حصّة سنوية لجميع الأجانب الرّاغبين في الإنتقال إلى سويسرا، وبضمنهم رعايا الإتحاد الأوروبي.

وجدير بالذكر، أن نظام الحِصص ما زال معمولاً به في سويسرا بالنسبة للعمّال الأجانب الوافدين من خارج منطقة الاتحاد الأوروبي / والرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر (EFTA). ووفقاً لباخمان، فإن تقليص الحكومة الفدرالية لهذه الحِصص بشكل كبير في الآونة الأخيرة تبعث في الحقيقة بإشارة "بالغة السلبية".

"تُثير مِثل هذه التدابير مخاوِف كبيرة في الخارج بشأن توفّر الكوادر المتخصِّصة اللّازمة. وبطبيعة الحال، تبذُل الشركات جهودها لتوظيف العمال المُقيمين في المنطقة قدْر المستطاع، ولكن مثل هؤلاء ليسوا متوفِّرين داخل البلاد دائماً. علاوة على ذلك، غالباً ما يتطلَّب إنشاء فرْع جديد لشركة ما، إمكانية اللجوء إلى الخِبرة والمهارة المتوفِّرة في الشركة، بمعنى القُدرة على الإستعانة بموظفي الشركة ذاتها".

الإستفادة من القُدرات الوطنية

وفي كانتون زيورخ، الذي يحتلّ المركز الثاني بعد كانتون تسوغ في قائمة المواقع الإقتصادية الأكثر جاذبية، يقع قسم الترويج لهذا الموقع في مكتب العمل والشؤون الإقتصادية، الذي يتولّى مسؤولية عمليات التوظيف في نفس الوقت. وتقول إيرين تشوب، المسؤولة الإعلامية للمكتب: "نحن نحاول مُراعاة الفائدة الإقتصادية العامة، وليس تلبية الإحتياجات الاقتصادية فقط، وهذا يشمَل الباحثين عن عمل في سويسرا أيضا".

"عندما ترِدُنا طلبات عديدة حول انتدابات قصيرة الأمد لمختصّين أجانب في تكنولوجيا المعلومات في سويسرا من خارج منطقة الإتحاد الأوروبي / رابطة التجارة الحرة الأوروبية على سبيل المثال، فإننا نسعى للإتصال بالشركات المزوّدة للخَدمات بداية لكي يتحقّقوا من المهنيِّين الموجودين داخل سويسرا، أي متخصّصي تكنولوجيا المعلومات العاطلين عن العمل".

ومع أن الشركات أعربت سابقا عن قلقها بشأن توفّر الكوادر المتخصِّصة بالفعل، ولكن "العديد منها ما زال مستقِراً في زيورخ، أو هي تعمل على توسيع قاعِدتها فيها"، بحسب إيرين تشوب، في إشارة إلى شركة غوغل العملاقة أو شركة Zimmer Biomet (للمُعدّات والتوريدات الطبية).

على الجانب الآخر، وفي كانتون ريف بازل، يرى توماس دي كورتن، مدير التنمية الاقتصادية وعضو المجلس الوطني عن حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي) - المسؤول عن إطلاق مبادرة "ضد الهجرة الجماعية"- أن الموقع الإقتصادي للكانتون لم يعانِ بسبب هذه المبادرة حتى الآن. وعند سؤاله عن الدور الذي تلعبه حرية تنقل الأشخاص في إنشاء مؤسسات جديدة، أجاب: "حتى الآن، يعمل نظام الحِصص المُتَّبَع لاستقدام اليَد العاملة من دول العالم الأخرى (غير المنتمية للاتحاد الأوروبي / رابطة التجارة الحرة الأوروبية) بشكل جيّد في منطقتنا."

"تأثير رادِع"

"إن العثور على موظفين استثنائيين، هو المفتاح لنجاح أيّ عمل"، هذا هو عنوان شريط الفيديو الخاص بوكالة "منطقة زيورخ الكبرى" GreaterZurich Area AG، غير الربحية، التي تنشط في مجال اجتذاب الشركات الأجنبية الجديدة من خلال الترويج للإستثمار في مساحة شاسعة تضم كانتونات زيورخ وتسوغ وشافهاوزن وشفيتس وغلاروس وغراوبوندن وسولوتورن وآرغاو في الخارج. كما تسلِّط الوكالة الضوء على جودة الحياة العالية والموثوقية والجاذبية التي توفِّرها هذه المناطق للعمَالة الماهِرة الوافدة من شتّى أنحاء العالم.

"تخبرنا الشركات التي نخاطبها بشكل استباقي بأن توفرها على إمكانية تعيين المختصّين الذين تحتاج إليهم، هو أمر حاسم بالنسبة لها"، كما تقول سونيا فولكوبف فالت، مديرة الوكالة. وهي ترى في مسألة حرية تنقل الأشخاص، عاملاً رئيسياً لتسويق منطقة ما. كما تؤكّد على التأثير الرّادع لمبادرة "الحدّ من الهجرة الجماعية"، ولاسيما بالنسبة للشركات ذات القيمة المضافة العالية. وكما تقول: "لم يعد باستطاعتنا أن نَعِد الشركات بالحصول على تصاريح العمل اللّازمة في المستقبل."

وترى فولكوبف فالت، أن عامل الموثوقية الذي ينتمي إلى أهَم أوراق سويسرا الرّابحة في مجال التنافس على موقع العمل، يتعرّض إلى الإستخدام المُفرط في الوقت الرّاهن. ذلك أن أحداً لا يعرف الكيفية التي ستُنَفَّذ بها هذه المبادرة، كما أن التعريف الواضح والكامل للشروط الإطارية الأخرى، مثل الضرائب المفروضة على الشركات، غير مُمكن حتى الآن. لذا تميل الشركات إلى التريث والإنتظار.

وينعكس هذا الوضع جلياً من خلال الأرقام. ففي الفترة الممتدّة بين الأعوام 2009 و2013، نجحت "منطقة زيورخ الكبرى" وبالتعاون مع شركائها في الكانتونات والأقاليم والبلديات، في اجتذاب ما مجموعه 464 شركة جديدة، ممّا ساعد على إيجاد 4165 وظيفة جديدة، أي بمعدّل أكثر من 80 شركة في السَّنة، ونحو 830 فرصة عمل. وبالمقارنة، بلغ عدد الشركات التي استقرّت بالمنطقة في العام الماضي، 65 شركة جلبت معها 457 فُرصة عمل. ويبدو أن الأمور تتجه إلى نفس المعدل في العام الحالي (2015)

تراجُع اعداد الشركات المستقِرة في سويسرا

كشف استطلاع أجرته الأمانة العامة لمؤتمر وزراء الإقتصاد في الكانتونات السويسرية عن استقرار 274 شركة أجنبية في سويسرا في عام 2014، ممّا أسفر عن استحداث 780 موقِع وظيفي جديد على الأقل.

وبالمقارنة مع عام 2013، انخفض عدد الشركات التي استقطبتها سويسرا بنسبة 8%، كما تراجعت فُرص العمل المستحدثة نتيجة تأسيس هذه الشركات بنسبة وصلت إلى 20%.

وتتولّى الأمانة العامة لمؤتمر وزراء الإقتصاد في الكانتونات السويسرية سنوياً، الإعلان عن أعداد الشركات الأجنبية التي استوطنت مُجمل التّراب السويسري، بالإضافة إلى فُرص العمل المُستحدَثة في السَّنة التي يشملها التقرير.

"انقضاء الأعوام السّمينة"

الظروف التي تختبرها زيورخ في الوقت الراهن، أصبحت مألوفة أيضاً لدى مروِّجي مواقِع العمل في الغرب السويسري. "لقد بات كسْب الشركات إلى موْقعنا أكثر صُعوبة"، كما يقول توماس بون، الرئيس التنفيذي لوكالة ’منطقة جنيف وبرن الكبرى‘GreaterGenevaBerne للتنمية الإقتصادية، التي تجتهِد في دعم الشركات الأجنبية لاستئناف أنشطتها في سويسرا بأسرع وقت وبأقل التعقيدات الممكنة في كانتونات برن وفريبورغ وفو ونوشاتيل وجنيف وفالي. وقد نجحت هذه الوكالة في توطين 87 شركة جديدة في عام 2014، ما ساهم بتوفير أكثر من 1000 وظيفة.

"كانت هذه سَنة ممتازة"، كما يوضِّح بون. "لكن الأعوام السّمينة جداً، التي كانت تشهَد استقرار شركات كثيرة وتوافُد عدة مئات من الأشخاص في نفس الوقت، باتت جزءً من الماضي. نحن نمُر بفترة يشوبها شيء من عدَم اليقين"، كما يستدرِك. وكان العاملان الرئيسيان اللّذان أثارا هذه الحالة من عدم اليقين، هي مبادرة الحد من الهجرة الجماعية والإصلاحات الضريبة الخاصة بالشركات الأجنبية (التي وضعت حدّاً للأنظمة الضريبية التفضيلية للشركات الأجنبية). وكما يعلِّق بون، فإن "الشركات المُهتمة بالعمل في سويسرا تأتي إلى هنا، بسبب الأمن والإستقرار أساساً".

الصدارة ما زالت لسويسرا

بيْد أن البيانات العالمية تُـظهِر أن سويسرا ما زالت تتمتّع بجاذبية كبيرة بالمقارنة مع الدول الأخرى، كما يُضيف بون، مشيراً إلى ترتيب سويسرا في تقرير التنافسية العالمي 2014-2015 الصادر عن المنتدى الإقتصادي العالمي، والذي احتلّت فيه الكنفدرالية مركَز الصدارة. "ولكننا لم نعُد الموقِع الذي يسعى الجميع للتوجّه إليه بالضرورة".

بدورها تُشخِّص ريغولا ماتسيك، المتحدثة باسم وكالة "منطقة بازل"BaselArea، التي تستهدف الترويج الدولي لمنطقة بازل (التي تشمل كانتونات بازل المدينة وريف بازل والجورا وحوض وادي فريك) كموقع اقتصادي للشركات الأجنبية، وجود شروط عامة أكثر صرامة أيضا. "إن الشركات الراغبة بالإستقرار في سويسرا، مُطلعة بشكل جيد على التطوّرات التنموية في سويسرا، وهذا يشمل الإجراءات المُقلِقة أحيانا أيضاً. وتشهَد عمليات إجراء المشاورات توجيه أسئلة هامّة وحرجة. واليوم، يتطلّب الوضع المزيد من الإقناع"، كما تقول.

مع ذلك، بقي الإهتمام ثابتاً بالنسبة للموقع الذي يتميّز ضِمن أمور أخرى باستضافة "أعلى نسبة من شركات علوم الحياة في أوروبا، وبكونه مجمعا للمواهب يستقطب أيْدي عاملة من 165 دولة، بالإضافة إلى العمال الحدوديين من ألمانيا وفرنسا".

وعند سؤالها عن العواقِب الناتِجة عن تقييد حرية تنقل الأشخاص على المنطقة الإقتصادية، أعربت ماتسيك عن تفاؤلها، مشيرة إلى تصريحٍ لسيفيرين شفان، الرئيس التنفيذي لمجموعة روش العملاقة للصيدلة، التي تتخذ من بازل مقرّاً لها. وقد أعرب شفان في لقاء أجرته معه الإذاعة العمومية السويسرية بشأن عواقب مبادرة الحدّ من الهجرة المكثفة عن ثقته "بالتوصّل إلى حلول عملية وواقعية".

في السياق، تقول ريغولا ماتسيك: "أنا أتّفق مع هذا التقييم"، ثم تلخِّص الوضع مُنوهة إلى أن "الإتجاه العام يُشير إلى حدوث تراجُع، ولكن الحديث عن ركود غيْر وارد بأيّ حال من الأحوال".

swissinfo.ch

×